2023 فبراير 10 - تم تعديله في [التاريخ]

الغَلاءُ مع الدَّجَل للتَّعْجيل بالأجلْ!

افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليوم الخميس 9 فبراير 2023


العلم الإلكترونية - محمد بشكار

تَتَعدَّدُ الهِوايات حسب الأهْواء كما تتطايرُ البالونات بكل الألوان في الهواء، ثمَّة مَنْ إذا زار المقابر، يفتح جَرْد حساب للموتى، فيبدأ حفرياته بقراءة أسماء المُتوفِّين على الشواهد، هذا وُلِد في سنة كذا.. ووافتْهُ المَنيَّة في عام كذا.. ثم يطفق بينه وبين نفسه الأمَّارة بالفضول، يُجْرِي عمليَّةً حِسابية لِيعْرف هل عاش المرحوم من العُمر، أكثر من الزمن الذي قضاه مُتردِّياً في القبر، وقد يذهب بعيدا هذا المسخوط في هوايته التي تستبق يوم الحساب، ويقيس على ضوء الأرقام التي اسْتَجْمَعها من شواهد اللُّحود، كم تبقَّى له في الحياة ليخرج من الوجود، ولا يهمُّه وهو يقف بين قبر وآخر على شفير الخطر، أن يتلاعب بالقضاء والقدر
!

ومن غَيْرُنا يُتْقن لعبة الحِساب بأصابع مدسوسة في جيوب فارغة، تُرَاها شِدَّة الحاجة ما يجعلنا نَدُور كالفأر في حَلَقةِ الصِّفْر دون نتيجة، وليْتَ هذه الهواية تتقفَّى أخْبار الأحْياء ولا تُغيِّبُ العقل في الجِهة التي تُعطِّل التفكير خارج الواقع، لقد تعقَّدتِ العمليَّةُ الحسابيَّةُ للأسف واختلَّتْ معها الأنْفُس بشتَّى أنواع العُقد، ألَمْ تر كيف أصبحت كل المُعادلات لا تجدُ حُلولاً عندنا إلا في الأحداث الغيْبِيَّة، نَحْسِبُ كم دورةً بقيت للأرض بعد أن انْتَقص العُلماء أقل من ثانية من أربع وعشرين ساعة،  وماذا يهم المواطن أن تتوقَّف نواة هذا الكوكب عن الدوران، وهو الذي سيشتاق عما قريب لرؤية نواة البيضة أو محِّها الأصفر بعد أن تجاوز ثمنها درهما ونصف، وما عاد ثمَّة مع اتِّساع رُقْعة البروليتاريا، فَرْقٌ بين الشُّيوعي الأول والأخير، ألمْ ترَ كيف ضاع بِغَلاء البيْضة أبسط عشاءٍ كان في مُتناول جيْب الفقير

والأدْهى أنَّ ثمَّة من يتجاوز الحَدَث الكُوسْمولوجي العظيم لِشُروق الشمس من المغرب، بالسُّؤال هل سيفْقد الإنسان زمنئذٍ الظل أمْ ستكون كل الأجسام شفافة قابلةً لِتسرُّب الضوء، وما عليْنا في انتظار الآزفة إلا أن نَقْعُد مَحْسُورين، نَعُدُّ ما ظَهَر من علامات السَّاعة وما بَطَن من أشْرَاطِها الصُّغْرى والكُبْرى، ونُعدِّدُ معها ما شَذَّ عن الطَّبيعة من أنواع الفِتَن، نَحْسِبُ السلالم الرِّيشْترية للزلازل وما خَمَد من البراكين أو نَشَط، وعِوض أنْ نتَّهم الطبيعة نَعْزو صناعتها للبشر، يجب أنْ نعْترِف أنَّنا مع العَقْلية السَّائِدة التي خرَّبَها الدَّجَل، لم نَعُدْ نَشْعُر بوجودنا تحت الغلاف الجوي للأرض، غَدَوْنا أشبه بكائنات خُرافية لا تخْضَع حتى لمنْطق الطَّيْر، فقط نُحلِّق على الإيقاع العَشْوائي لِحساباتٍ تسْتغِلُّ تَعطُّش الناس للأمل، وبَدَلَ أنْ تُضمِّد الأنْفُس المشروخة تُرْهِبُها بتوقُّعات كارثية في المستقبل، ولقد أصْبحت هذه الآفة رائجة بكثْرةِ العرَّافين والمُتاجرين في الدين والطبِّ العليل، جعلوا العُقول السَّاذَجة تُفكِّر خارج زمانها في محيطٍ يَعُجُّ بالأبالسة ربما في القعر السحيق لبيرمودا، وهي سياسةٌ توظِّفها الحُكومة لإلْهاء الشَّعْب واسْتِحْماره بالجُرُعات القويَّة للخُرافة، مَنْ يستطيع بعدئذٍ أن يُفكِّر خارج بطنه ويرفع الرأس أعْلى من العلَّافة !  

نَحْنُ بهذا التفْكير المُنْحَطِّ الذي يُخيِّم بكل عصور الظلام، هُم ياجوج وماجوج، نحن بهذه المنْظُومة التي خرَّبت الفِطْرة الأصيلة للأرواح وسيَّدتْ بجُسور التِّقْنية الفساد، هُم المسيخ الدَّجَّال، نحن جُنْد تلك المعركة أو الملحمة المُرتقبة في آخر الزمان والتي اسمها "هر مجْدون"، فماذا ننتظر أكثر من هؤلاء القوم أن يخرج ويَنْسِلَ مِن باطن الأرض أو ينزل على الأطباق من السماء، نحن من سَلَّم طواعيةً أدْمغتنا الطرية كالتي يبيعها الجزَّار كل صباح، لفيديوهات تُسبِّبُ محتوياتها التَّجْهيلية غيبوبة قُصْوى في الوعي، نحن من صَنَع باسْتِكانتِنا للإرادة المسلوبة غَلاء الأسْعار، وأجدُ كل العُذْر لزائر القبور الذي يَسْتهويه تفقُّد الأسماء والأعمار على شواهد الموتى، ولعلَّه يتُوق إلى أن يَسْتبدل مكانا بآخر في مرْقدٍ تحت الأرض، أليس ذلك أفضل من انتظار مجاعةٍ تَسْتحِثَّ مجيئها سريعاً الزيادة اليومية في أسْعار المواد الغذائية، أليس ذلك أفضل من الاستمرار مع طُغاةٍ يجتهدون في تبْخيس كل شيء، ينظرون لِعَوَز الشَّعْب مُقهْقهين من أعلى المنابر في لا مبالاة، لا يهُمُّهم أن تتضاءل مع اشْتداد محْنة الغلاء الدراهم المعدودات المُجَمَّدة مُنذ عقود، لتغدو مع تضخُّم وحْش الأسعار أصغر بكثير من لقمة العيش، وكأنهم ينتظرون أنْ تَلِي السَّكْتة الاقتصادية للبلد سكتةٌ قلبية لِكُلِّ شرائح المُجتمع، ولا يَسعُنا ونحن نجِدُ العُذْر لزائر القبور، إلا أنْ نجد مثله للطُّغاة، فَهُم ربما يسْعون إلى أن يخْلو لهم الجوُّ ويُناضلون من أجْل تغيير المناخ، وما ذلك إلا لأنَّ قلوبهم الخضراء والمُرْهَفة كأوراق الشجر، ترفرف حُنوّاً على الوطن، وتجدُ أنَّه ليس من العدل أنْ يسع الجميع، ومِنْ أين لهُ هذه السِّعة في الخاطر وقد أثْقَلَتْ مناكبَهُ كثْرةُ البشر

ملحق "العلم الثقافي" ليوم الخميس 9 فبراير 2023




في نفس الركن