العلم الإلكترونية - بقلم بوشعيب حمراوي
ليس من السهل أن تكتب عن دونالد ترامب، لأنك لا تكتب عن رئيس دولة عظمى فقط، بل عن ظاهرة سياسية وإعلامية واقتصادية ونفسية.. استطاعت أن تفرض نفسها على نشرات الأخبار وشاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي ومراكز القرار في العالم كله، حتى أصبح الرجل حاضراً في تفاصيل حياة الأمريكيين اليومية كما هو حاضر في حسابات الحكومات والجيوش والبنوك وأسواق المال وأسعار النفط وقرارات الحرب والسلام. بل إنه أصبح يشد إليه كل سكان العالم. وموضوع حديثهم وجدالهم اليوم. بين مؤيد ومعارض. وبين مثمن ومنتقد... بل إن أبواب التبادل لا تنتهي بين المؤيدين والمعارضين بعد كل قرار يغرده. أو تصريح إعلامي يصدره تارة بعفوية واحترام ، وتارة بجبروت واستعلاء...
منذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يعد أحد يعرف أين تنتهي حدود الولايات المتحدة وأين تبدأ حدود نفوذ ترامب، لأن الرجل يتصرف أحياناً وكأنه لا يقود دولة اسمها الولايات المتحدة الأمريكية، بل يدير شركة عملاقة اسمها العالم، ويجلس على رأس مجلس إدارة يضم الرؤساء والملوك والزعماء والأمراء وقادة الجيوش ومديري الشركات العابرة للقارات.
إنه السياسي والمقاول في الوقت نفسه، والديمقراطي الذي يتحدث أحياناً بلهجة الديكتاتوري، ورجل السلام الذي لا يتردد في التلويح بالحروب، والمحافظ الذي يعشق الإثارة الإعلامية، والمفاوض الذي يحول القضايا الكبرى إلى صفقات تجارية، والمؤمن الذي يتحدث عن القيم بينما يقيس كل شيء بمنطق الربح والخسارة، حتى بدا وكأنه يحاول إعادة تربية البشرية على الطريقة الترامبية التي تختصر السياسة والاقتصاد والدبلوماسية في ميزان : الربح والخسارة.
عقيدة الربح
لا يؤمن ترامب بما تؤمن به المدارس التقليدية في العلاقات الدولية، فهو لا يتحدث عن التحالفات التاريخية بقدر ما يتحدث عن كلفتها، ولا يتحدث عن الشراكات الاستراتيجية بقدر ما يتحدث عن عائداتها، ولا يقيس الدول بحجم تاريخها أو حضارتها أو ثقافتها، بل بحجم ما يمكن أن تقدمه أو تدفعه أو تشتريه.
لقد نجح الرجل في تحويل السياسة إلى سوق كبيرة، وتحويل القمم الدولية إلى اجتماعات رجال أعمال، وتحويل ملفات الأمن والطاقة والهجرة والدفاع إلى أوراق تفاوضية تخضع لمنطق البيع والشراء، حتى أصبح كثير من قادة العالم يدخلون إلى اجتماعاته كما يدخل الزبائن إلى مكاتب المستثمرين الكبار، وهم يعلمون مسبقاً أن الحديث عن المبادئ لن يكون كافياً، وأن لغة الأرقام هي اللغة الوحيدة التي يتقنها هذا الرجل.
لذلك لم يعد غريباً أن يستيقظ العالم على تصريح ناري، ثم ينام على تصريح معاكس له، لأن ترامب لا يرى في التناقض مشكلة، بل يعتبره أداة من أدوات التفاوض والضغط والمناورة، فهو الصديق والخصم في الوقت نفسه، والحليف والمنافس في الوقت نفسه، ورجل السلام والحرب في الوقت نفسه، ولذلك عجز خصومه ومؤيدوه معاً عن وضعه داخل قالب سياسي واحد.
مونديال ترامب
ها هو كأس العالم 2026 قد انطلق، وتحولت الولايات المتحدة إلى قبلة لعشرات المنتخبات وملايين المشجعين الذين قدموا من مختلف القارات حاملين أحلام شعوبهم وأعلام أوطانهم وأغاني جماهيرهم ودموعهم المؤجلة. صحيح أن التنظيم ثلاثي مع المكسيك وكندا. لكن العيون والعقول لن ترى وتعي إلا ما سيجري داخل بلد العم سام. كم أن الرحال لن يشد في معظمه إلا إلى ولايات المونديال المتحدة.
لكن الضيوف الذين وصلوا إلى الأراضي الأمريكية اكتشفوا بسرعة أن المونديال يقام في بلاد ترامب وفق النظام الترامبي. وأن دخول هذا البلد ليس نزهة سياحية مفتوحة كما يتخيل البعض، بل عملية طويلة تمر عبر التأشيرات والموافقات الأمنية والتدقيق الإداري والتفتيش الدقيق والإجراءات الصارمة التي تشمل اللاعبين والمدربين والحكام والأطباء والإعلاميين والمسؤولين والجماهير على حد سواء. وأن جهاز السكانير الترامبي يبحث في الهوية والتاريخ والروابط والنوايا.. وعندما يكتشف جهازه أثرا ما. يصدر قرار المنع من ولوج البلد. سواء كان مسؤولا كبيرا أو لاعبا أو حكما أو إطارا أو مشجعا...
دخل الجميع تقريباً عبر البوابات نفسها وخضعوا للقواعد نفسها، ولم يشاهد العالم وروداً تنتظر الوفود في المطارات، ولا حفلات استقبال استثنائية، ولا طقوساً احتفالية مبالغاً فيها، بل وجدوا خدمات عادية وفنادق عادية ومرافق رياضية تؤدي وظائفها بشكل عادي، وكأن الرسالة الترامبية واضحة: أنتم هنا للعب كرة القدم وليس للاستمتاع بمهرجان للمجاملات الدبلوماسية.
والمدهش أن أحداً لم يشتك كثيراً، بل إن عدداً من الوفود عبرت عن رضاها عن ظروف الإقامة والتنظيم والخدمات المقدمة له، وكأن العالم قرر أن يقبل ما تفرضه القوة الأمريكية دون نقاش طويل.
انتقام غير معلن
في خضم هذا المشهد، لا يستطيع المغربي أن يمنع نفسه من الابتسامة العريضة، وهو يتذكر كيف استقبلت المملكة المغربية خلال نهائيات كأس افريقيا الأخيرة وفوداً رياضية عديدة بالتمر والحليب والورود والابتسامات والفنادق الفاخرة والحافلات الراقية والملاعب الممتازة والخدمات الاستثنائية. ويبقى مندهشا من بعض الأصوات الافريقية التي أساءت إلى المغرب وروجت مغالطات وافتراءات لا علاقة لها بما عاشته فوق أرضه.
واليوم يبدو المشهد مختلفاً تماماً، فالعالم كله تقريباً يقف في الصف نفسه أمام البوابات الأمريكية، والجميع يخضع للإجراءات نفسها، والجميع يقبل بالشروط نفسها، والجميع يتحدث عن التنظيم والانضباط أكثر مما يتحدث عن كرم الاستقبال.
ربما لهذا السبب يشعر بعض المغاربة، ولو على سبيل الدعابة السياسية، بأن ترامب انتقم لهم دون أن يدري، ليس لأنه دافع عنهم، بل لأنه جعل العالم يتذوق شيئاً من الفرق بين ثقافة تعتبر الضيف ضيفاً مهما كانت مواقفه، وثقافة تعتبر الضيف رقماً داخل منظومة أمنية وإدارية ضخمة لا مكان فيها للعواطف الكثيرة.
عالم بين الحرب والفرجة
وفي الوقت الذي تعج فيه الولايات الامريكية بالأهازيج والأعلام والأغاني والاحتفالات، يواصل ترامب إرسال رسائله السياسية والعسكرية والاقتصادية إلى العالم. يصنع التوتر هنا ويخففه هناك، ويشعل أزمة هنا ويطفئ أخرى هناك، ويهدد هذا الطرف ويقترب من الطرف الآخر، حتى أصبح العالم يعيش حالتين متناقضتين في اللحظة نفسها.
ففي الولايات المتحدة ستنهمر دموع بسبب إقصاء منتخب أو خسارة نجم أو ضياع لقب عالمي، بينما تنهمر في أماكن أخرى دموع بسبب فقدان الأوطان والأبناء والأحلام والجوع..
في الملاعب يتصبب العرق بسبب الجهد الرياضي، والتزاحم أمام أبواب الملاعب والحافلات والقطارات ... بينما يتصبب في أماكن أخرى بسبب الجوع والفقر والهروب الجماعي من مواقع الحروب والنزوح نحو المجهول.
في الملاعب تسيل دماء لاعب أصيب أثناء مباراة، أو شغب في المدرجات أو الشارع.. بينما تسيل في أماكن أخرى دماء شعوب كاملة تحت نيران الحروب والصراعات.
وكأن العالم الذي يقوده ترامب يقدم لنا درساً غريباً في التعايش بين المتناقضات؛ إذ يمكن للحرب والاحتفال أن يتزامنا، ويمكن للدموع أن تكون دموع فرح ودموع مأساة في اللحظة نفسها، ويمكن للإنسان أن يصرخ فرحاً بتسجيل هدف في الوقت الذي يصرخ فيه إنسان آخر ألماً بسبب قذيفة.
الإمبراطور الذي لا يشبه أحداً
مهما اختلف الناس حول دونالد ترامب، فإن أحداً لا يستطيع إنكار أنه نجح في فرض شخصيته على عصر كامل، وتحويل اسمه إلى عنوان يومي في السياسة والاقتصاد والإعلام والرياضة والعلاقات الدولية. فهو ليس مجرد رئيس أمريكي عابر، بل شخصية صنعت لنفسها مكاناً استثنائياً بين زعماء القرن الواحد والعشرين، لأنه استطاع أن يكون الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فهو الديمقراطي الذي يتصرف أحياناً كديكتاتور، ورجل السلام الذي يتحدث بلغة الحرب، والحليف الذي يرهق حلفاءه أكثر مما يرهق خصومه، ورجل الأعمال الذي يتعامل مع الدول كما يتعامل مع العقود التجارية.
ولذلك قد يرحل ترامب يوماً عن السلطة، لكن فكره الترامبي سيبقى صامدا لزمن طويل.
وهو فكر يسكن معظم الأنظمة والزعماء. وجد أخيرا من يقوم بتنزيله على أرض الواقع. بطريقة جديدة في النظر إلى العالم؛ عالم لا تحكمه المبادئ بقدر ما تحكمه المصالح، ولا تقوده الشعارات بقدر ما تقوده الصفقات، ولا يصنع مستقبله الحالمون بقدر ما يصنعه أولئك الذين يملكون القوة الكافية لفرض أحلامهم على الآخرين.
أما العالم، فإنه سيواصل الجلوس في المدرجات الكبرى للتاريخ،
مشدودا بما يجري ويدور تحت قيادة المايسترو ترامب.
يتابع هذا العرض المثير الذي يؤدي بطولته رجل واحد، يتقن لعب دور البطل والخصم، والديكتاتور والديمقراطي، والصديق والعدو، والحامي والمخيف، في المسرحية الأكثر إثارة التي شهدها القرن الحادي والعشرون.