2026 يونيو/جوان 28 - تم تعديله في [التاريخ]

الفيفا وثروة كرة القدم..

مليارات تُوزَّع على المنظومة الرياضية... فمتى تصبح صحة الإنسان والبحث العلمي أولويات استثمارية؟


*الدكتور أنور الشرقاوي خبير في التواصل الطبي والصحي
العلم - د. أنور الشرقاوي

عندما نتحدث عن كرة القدم العالمية اليوم، فإننا لا نتحدث فقط عن لعبة رياضية توحّد الشعوب وتجمع الملايين أمام الشاشات، بل نتحدث عن واحدة من أكبر الصناعات الاقتصادية في العالم.
 
لقد تحولت المنافسات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، إلى منظومة مالية ضخمة تتداخل فيها حقوق النقل التلفزيوني، والرعاية التجارية، والإعلانات، والتسويق العالمي، والاستثمارات المرتبطة بالبنية الرياضية والترفيهية.
 
هذه الصناعة الكروية أصبحت قادرة على توليد مليارات الدولارات، وأصبحت المؤسسة الكروية العالمية، وعلى رأسها FIFA، تمتلك قوة مالية وإعلامية غير مسبوقة في تاريخ الرياضة.
 
لكن أمام هذه الثروة الهائلة، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الحسابات الاقتصادية: ما نصيب الإنسان من هذه الثروة؟
 
وما حجم الاستثمار الموجه إلى حماية صحة اللاعبين ودعم البحث العلمي في مجال الطب الرياضي؟
 
*مليارات كرة القدم بين التوزيع المالي والمسؤولية الاجتماعية*
 
تُظهر آليات توزيع عائدات كرة القدم العالمية حجم الإمكانيات المالية المتوفرة داخل هذه المنظومة.
 
ففي كأس العالم 2026، خصصت FIFA ضمن برنامج فوائد الأندية (Club Benefits Programme) ميزانية قياسية تبلغ 355 مليون دولار لتعويض الأندية التي يشارك لاعبوها في النهائيات.
 
وتحصل الأندية على حوالي 5000 دولار يومياً عن كل لاعب يوجد ضمن القوائم الرسمية للمنتخبات المشاركة، مع ضمان حد أدنى يقارب 250 ألف دولار عن اللاعب الواحد حتى بالنسبة للأندية التي تغادر منتخباتها البطولة من الدور الأول.

كما تم اعتماد تعويضات إضافية لفائدة الأندية عن مشاركة لاعبيها في التصفيات المؤهلة لكأس العالم، حيث أصبح النظام يشمل الفترة التي سبقت النهائيات وليس فقط أيام البطولة.
 
هذه الأرقام تعكس قدرة كرة القدم العالمية على خلق آليات مالية معقدة لضمان استفادة الأندية والمنتخبات والفاعلين الرياضيين.
 
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت المنظومة الكروية قادرة على بناء برامج مالية بهذا الحجم لتعويض المؤسسات الرياضية، فهل حان الوقت لإطلاق برامج مماثلة موجهة لصحة الإنسان والبحث العلمي إنطلاقا من مداخيل لفيفا FIFA؟

*من تعويض الأندية إلى تمويل البحث الطبي الرياضي*
 
لا شك أن FIFA تقوم ببعض المبادرات المرتبطة بصحة اللاعبين، وسلامتهم، ومكافحة المنشطات، والتوعية ببعض القضايا الصحية.
 
لكن هذه المبادرات تبقى محدودة مقارنة بالحجم المالي الهائل الذي تحققه كرة القدم العالمية.
 
فالطب الرياضي لم يعد مجرد مجال لعلاج إصابة لاعب بعد سقوطه في الملعب، بل أصبح علماً متكاملاً يهتم بالوقاية، وتحليل المخاطر، وحماية المسار الصحي للرياضيين، وتحسين الأداء بطريقة علمية.
 
إن مستقبل كرة القدم يحتاج إلى استثمارات أكبر في مجالات عديدة، منها دراسة الإصابات العضلية والمفصلية، وتأثير المجهود البدني العالي على القلب والجهاز العصبي، وحماية اللاعبين الشباب، وتطوير تقنيات إعادة التأهيل، ودراسة تأثير تغيرات المناخ والحرارة المرتفعة على سلامة الرياضيين، إضافة إلى الاهتمام بالصحة النفسية للاعبين.
 
فإذا كانت كرة القدم قادرة على تعبئة مئات الملايين لتعويض الأندية، فإن تخصيص نسبة ثابتة من مداخيلها لتمويل مراكز البحث العلمي في الطب الرياضي يمكن أن يشكل ثورة حقيقية في مستقبل اللعبة ومستقبل الرياضات الأخرى.

*اللاعب ليس سلعة رياضية... بل إنسان له مستقبل صحي*
 
خلف كل لاعب محترف قصة إنسانية ومسار صحي يجب الحفاظ عليه.
 
فاللاعب ليس فقط رقماً في سوق الانتقالات أو قيمة مالية في ميزانية النادي، بل هو إنسان يضع سنوات من عمره وجهده وجسده في خدمة هذه الرياضة.
 
ومن مسؤولية كرة القدم العالمية أن تضمن ألا ينتهي المسار الرياضي للاعب بانتهاء مسيرته في الملاعب، بل أن تساهم في الحفاظ على صحته وجودة حياته لسنوات طويلة بعد الاعتزال.
 
كما أن الاستثمار الصحي في كرة القدم لا يجب أن يقتصر على المحترفين فقط، لأن تأثير اللعبة يصل إلى ملايين الأطفال والشباب حول العالم.
 
وهنا تكمن قوة كرة القدم كوسيلة للصحة العامة: فهي قادرة على تشجيع النشاط البدني، ومواجهة الخمول والسمنة، ونشر ثقافة الوقاية، وتعزيز التوازن النفسي والاجتماعي لدى الأجيال الصاعدة.

*نحو عقد اجتماعي جديد بين FIFA والمجتمع*
 
لقد تجاوزت كرة القدم حدود الرياضة لتصبح قوة ثقافية واقتصادية عالمية.
 
والقوة الكبيرة تعني مسؤولية أكبر.
 
فالجماهير التي تتابع المباريات، والمشجعون الذين يصنعون شعبية الأندية والمنتخبات، والشباب الذين يحلمون بأن يصبحوا لاعبين، هم جزء أساسي من صناعة هذه الثروة.
 
ومن حق المجتمع أن يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا لا تخصص كرة القدم العالمية جزءاً من أرباحها لبناء منظومة دولية للبحث العلمي في صحة الرياضيين؟
 
إن إنشاء صندوق عالمي للطب الرياضي، تموله نسبة محددة من عائدات البطولات الكبرى، يمكن أن يكون مشروعاً تاريخياً يربط بين كرة القدم والعلم والإنسان.

*كرة القدم ليست فقط أهدافاً وألقاباً... إنها مسؤولية حضارية*

أصبحت FIFA اليوم أكثر من مجرد مؤسسة تنظم المنافسات. إنها قوة عالمية قادرة على التأثير في حياة الملايين.

ولهذا فإن الاستثمار في صحة الإنسان والبحث العلمي ليس عبئاً مالياً، بل هو استثمار في استدامة كرة القدم نفسها.
 
فاللعبة التي تحمي لاعبيها، وتدعم العلماء والأطباء، وتساهم في تحسين صحة المجتمعات، ستكون أكثر إنسانية وأكثر احتراماً للقيم التي جعلتها الرياضة الأكثر شعبية في العالم.

ويبقى السؤال أمام صناع القرار في كرة القدم العالمية: *هل ستبقى مليارات كرة القدم تدور داخل دائرة المنافسة والأرباح فقط، أم ستتحول إلى قوة إنسانية تستثمر جزءاً من ثروتها في حماية صحة من يصنعون مجدها ؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 



في نفس الركن