2026 مارس 2 - تم تعديله في [التاريخ]

القلادة التي أبكت النبي… قصة حب انتصرت على الحرب


العلم الإلكترونية - بقلم عبد العالي بطل
 
في فجر السابع عشر من رمضان، وعلى أرض غزوة بدر أو معركة الفرقان، كانت السيوف تتقاطع ومصير أمة يتشكل. لكن بعيدًا عن صليل الحديد، كانت هناك حكاية أكثر دفئًا وأشد وجعًا… حكاية زينب كبرى بنات النبي ﷺ وزوجها وأب ابنائها على وامامة، وابن خالتها هالة أخت خديجة وحبّها الأول أبي العاص بن الربيع. اللذان تزوّجا قبل البعثة، وكان بينهما حب عميق. 
 
وحين أشرقت شمس الإسلام، آمنت زينب برسالة أبيها، بينما بقي زوجها على دين قومه، دون أن يساومها على إيمانها أو تساومه على قلبها. ومع تصاعد العداء، خرج أبو العاص مع قريش إلى بدر، حزينا ومتحسرا والدموع على عيناه بسبب الفراق وخصومة زوجته له، بعدما وجد نفسه في مواجهة جيش يقوده والد اعز الناس لقلبه. وزينب واقفة حزينة محتضنة ابنتها الصغيرة أمام باب دارها تشاهد زوجها متجها لمحاربة أبيها النبي ﷺ. قائلة لابنتها " يا ابنتي لن تطلع علينا الشمس في مثل يومنا هذا إلا وإحدانا يتيمة".
   
هذه المعركة والذكرى وهذا الشهر الكريم جعلوني أشارككم هذه القصة الرائعة والجميلة التي ألهمتني بعد التمعن في قراءتها وجعلتني أعرف المعنى الحقيقي للحب الرباني الابوي الذي يفوق كل التخيلات الذهنية، لأن في هذه المعركة هزم الله المشركين ولم يخذل ويفرق في نفس الوقت فيها بنت رسوله في أحب الناس إليها الا وهو أبيها النبي وزوجها الذي كان ضد أبيها وضد دين الحق (الإسلام).
   
فهل توقفت يوما لتتساءل عن عائلة نبي ورسول هذه الأمة الإسلامية، ما سر حبه وعطفه على أبنائه وبناته وأحفاده لهذه الدرجة؟ هل هذا بسبب فقدانه لأبيه وأمه وهو في سن مبكرة أو بسبب فراقه لرفيقة دربه وحبيبته خديجة وأبنائه الذكور وهو في أعز شبابه؟ ربما نعم وربما لا. وكيف ذلك وأن الله عوضه بنهر الكوثر، وشرح صدره ومنحه الطمأنينة والحب والصفاء؟ وهل انتابتك الدهشة والاستغراب يوما لهذا الذي جعله الله خاتم النبيين وفضله على العالمين ومكنه من القوة والحكمة، أن يكون أكثر حب ورحمة ورأفت وعطف على أبنائه وأحفاده واصحابه وأمته؟ حقيقة كلها تساؤلات وجب النظر والتمعن فيها.

خلال هذه الحرب انتصرت جيوش المسلمين، وأُسر أبو العاص. ولم يكن ينقص أهله المال لفدائه، لكن زينب اختارت أن تفك أسر زوجها بطريقتها الخاصة. فجلس شقيق بن العاص بين يدي رسول الله قائلا: " بعثتني زينب بهذا فداء لزوجها"، ثم أخرج صرة ووضعها بين يدي النبي ﷺ. وفتحها فوجد قلادة خديجة التي أهدتها لزينب في عرسها، فخفق قلب النبي وارتعش.. "يا الله قلادة خديجة حبيبتي ورفيقتي وأول من صدق وآمن برسالتي ومعينتي ضد الأعداء وأم أبنائي وبناتي". وجد ابنته بهذه القلادة تذكره بالحب الذي كان بينه وبين أمها خديجة.. كانت تذكره بأن ابن العاص هو زوج وحبيب وابن اخت حبيبته ومعينته أيضا.. وليس من طرف زينب فقط. كان الموقف مؤثرا، سالت دموع النبي ﷺ وأصحابه. من جلال الموقف وروعته. صمت النبي ﷺ. قبل أن يقول لأصحابه: “إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها قلادتها فافعلوا” ... فكيف لا يفعلوا وهم يؤمنون به ويحبونه ويحبون كل ما يحب.      
   
اعاد النبي ﷺ. العقد لأبو العاص ثم حدثه في اذنه " قل لزينب لا تفرطي في عقد خديجة، ويا أبا العاص إن الله أمرني أن أفرق بين مسلمة وكافر، فهلا رددت لي ابنتي؟" فوافق وهو لا يتمالك نفسه والدمع في عينيه: فهذه الموافقة إن ذلة شيء فعلى الشهامة التي كان يتمتع بها، إضافة أنه يعلم أن زوجته ستستقر عند حبها الأعظم الذي يتق فيه، ثم استدار عائدا إلى مكة وهو لا يدري كيف سيتسع قلبه الصغير لأحزان فراق حبيبته وأبنائه.
   
خرجت زينب تستقبل أبا العاص على أبواب مكة، لم تكن تدرك أن الحب الذي كَتب لزوجها حياة جديدة كان هو ثمن عودتها، فقال لها بعبارات خانقة وحزينة "عودي إلى أبيكِ يا زينب" حتى انه لم يستطع أن يتمالك نفسه، لمرافقتها إلى أطراف مكة.
   
ظلت زينب ترفض الخطاب لمدة ست سنوات على أمل أن يعود إليها زوجها، وفي ليلة، طرق شخص بابها قبيل أذان الفجر فسألت من الطارق فأجاب" انا ابو العاص" حينها سألته بلهفة: "أجئت مسلما؟" قال: "بل جئت هاربا"، سألته وبصيص أمل يلوح في الأفق: "فهل لك أن تسلم؟"، وسكت فقالت بصوت متحسر وحزين: "لا تخف مرحبا بابن الخالة. مرحبا بأبي على وأمامه". حكى لها كيف هرب بعد ان تعرضته سرية من المسلمين وهو يقود قافلة بتجارة قريش إلى الشام، حتى وصل إليها. 
   
وبينما رسول الله يؤم بالمسلمين في صلاة الفجر، وقبل أن ينهى صلاته سمع صوتا يقول: "أيها الناس إني أجرت أبا العاص". كان يعرف أنه صوت زينب ابنته، فقال للمصلين: "أما والذي نفس محمد بيده.. ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم"، وصمت. فقالت زينب: "يا رسول الله إنّ أبا العاص إن بعُد فإبن الخالة وإنْ قرب فأبو الولد وقد أجرته يا رسول الله"، فقال النبي: "يا أيها الناس إنّ هذا الرجل ما ذممته صهرًا. وإنّ هذا الرجل حدثني فصدقني ووعدني فوفّى. فإن قبلتم أن تردوا إليه ماله وأن تتركوه يعود إلى مدينته، فهذا أحب إلي. وإن أبيتم فالأمر والحق لكم ولا ألومكم عليه" فقال الصحابة: بل نعطه ماله يا رسول الله. فقال النبي: قد أجرنا من أجرتِ يا زينب فأكرمي مثواه فإنّه ابن خالتك وإنّه أبو الأطفال، ولكن لا يقربنك، فإنّه لا يحل لك". فنظرت زينب بحزن إلى أبي العاص والدمع في عيناهما: وقال له"فيم هذا العذاب؟ أهان عليك فراقنا. هل لك إلى أنْ تُسْلم وتبقى معنا". فأجابها بألم: "حتى يقضى الله فينا أمره" فقالت: "يرحمنا الله".

وعند عودته الى مكة وقف أبو العاص يوزع أموال التجارة الرابحة على أصحابها وبعد أن فرغ قال: “يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟”. فقالوا: "لا جزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما". فنظر إليهم ورفع صوته قائلا: " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله".
   
دخل المدينة مسرعا فجرًا وتوجه إلى النبي، وقال: "يا رسول الله، أجرتني بالأمس واليوم جئت أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله"، ثم أضاف بتلطف: “يا رسول الله هل تأذن لي أنْ أراجع زينب كزوجة؟”.
   
عاش أبو العاص برفقة زوجته زينب بالمدينة لمدة عام، ثم ماتت رضي الله عنها وأرضاها.. فبكاها بكاءً شديدًا حتى رأى الناس رسول الله يمسح عينه ويهون عليه، وهو يقول: "والله يا رسول الله ما عدت أطيق الدنيا بغير حبيبتي زينب". فمات بعد سنه من موتها. يرحمهما الله..
   
حقيقة ان هذه القصة ليست مجرد فصلٍ من السيرة، بل هي درسٌ نابضٌ بالحياة، مفاده أن الحبَّ الصادق لا ينهار أمام الابتلاء، بل يسمو حين ينتصر للحق، وأن القيم حين تعلو لا تطفئ العاطفة، بل تمنحها معنى أعمق وأبقى.وأن من نعم الله تعالى على عباده الذرية الصالحة، التي تقر بها أعين الآباء ومن أعظم أسباب صلاح الأبناء كثرةُ الدعاء والتضرعُ إلى الله أن يصلح شأنهم ويهدي قلوبهم للخير، فالدعاء عبادةٌ جليلة يحبها الله من عباده، ولا سيما في هذا الشهر الكريم، شهر الصيام والمغفرة، إذ يحمل معها صدقَ المحبة، وحرارةَ الرجاء، وإخلاصَ طلب العفو.
   
نسأل الله أن يرزقنا حبًا صادقًا يقرّبنا إليه، وأن يصلح أبناء هذه الأمة، ويديم بين أهلها المودة والألفة والرحمة والمحبة في هذا الشهر الكريم.



في نفس الركن