Quantcast
2026 يناير 19 - تم تعديله في [التاريخ]

الكان بين الدرس التاريخي والدرس الكروي:


أستاذ باحث في التاريخ بجامعة محمد الخامس بالرباط
أستاذ باحث في التاريخ بجامعة محمد الخامس بالرباط
العلم الإلكترونية - بقلم الدكتور محمد أبيهي
 
عشنا هذا الشهر حملات مغرضة شنها الإعلام الجزائري والمصري والسنيغالي عقب تنظيم المغرب للمونديال الإفريقي، حملات ازدادت حدتها بعد إقصاء المنتخب الجزائري من المنافسة، واشتدت شرارتها قبل وبعد المباراة النهائية التي جمعت المنتخبين السنغالي والمغربي.
 
ولن أدخل في تفاصيل كرة القدم وحيثياتها التقنية، فذلك من اختصاص أهل الميدان الذين اختبروا قضايا التحكيم، والاختيارات التكتيكية، وخطط المدربين، لكن الدرس التاريخي، في أبعاده الثقافية والقيمية، يظل حاضرا بقوة في هذه المنافسة الكروية القارية.
 
لقد كشفت هذه المحطة، وبالملموس، عن خلفيات ذهنية وخطابية مؤسسة على عقد تاريخية متجذرة، ينبغي على الدولة والنخب الواعية التوقف عندها وتحليلها بعمق. فالخطاب الإعلامي الجزائري والمصري مثلا، الذي دشن تحت عنوان «المؤامرة التحكيمية»، لم يكن سوى امتداد لثقافة تبريرية ترفض الاعتراف بالهزيمة، وتعجز عن ممارسة النقد الذاتي، فتلوذ دائما بفكرة الاستهداف الخارجي والعدو المتخيل.
 
إن تداعيات هذه الصراعات الإعلامية مؤسسة على إرث استعماري شتت شعوب القارة، وخلف صراعات حدودية اكتست أبعادا سياسية وإيديولوجية، ولا تزال تغذي التوترات وتعيق مسارات التعاون والتنمية المشتركة داخل الفضاء الإفريقي منذ تحررها من قبضة الاستعمار.
 
إن هذا النوع من الخطاب لا يسيء فقط إلى المنافسة الرياضية، بل يعكس أزمة أعمق في الوعي السياسي والتاريخي للشعوب المغاربية، حيث تتحول الرياضة إلى ساحة لتصفية الحسابات الرمزية، وتغذية الشعبوية، وإعادة إنتاج خطاب الضحية بدل الاستثمار في تطوير المنظومات الرياضية والتكوينية. وهنا يظهر الفارق بين من يتعامل مع الرياضة باعتبارها مشروعا استراتيجيا طويل النفس، ومن يراها مجرد مناسبة عابرة لتسجيل المواقف أو تسويق الأوهام بخلفيات تاريخية.
 
كما أن هذه السجالات تكشف جانبا من أسباب تأخر القارة الإفريقية في مواكبة المستجدات الدولية، سواء على مستوى الاحتراف الرياضي أو الحكامة أو تطوير البنيات التحتية. فبدل الانخراط في نقاش جاد حول سبل الارتقاء بكرة القدم الإفريقية، يتم استنزاف الطاقات في معارك إعلامية عبثية، تعمق جراح الانقسام بين الشعوب الإفريقية وتكرس منطق المؤامرة بدل منطق العمل والتراكم.
 
إن الدرس الحقيقي الذي ينبغي استخلاصه من هذه التجربة ليس كرويا محضا، بل هو درس تاريخي وثقافي بامتياز: فالأمم التي تتقدم هي تلك القادرة على تحويل المنافسة إلى فرصة للتعلم، والانتصار والهزيمة إلى محطتين لبناء المستقبل، لا إلى ذريعة للهروب من المسؤولية وتعليق الفشل على شماعات جاهزة،فكرة القدم، في جوهرها، ليست مجالا للصراع أو لتغذية الأحقاد، بل فضاء للتقارب بين الشعوب، في إطار من الاحترام المتبادل والتنافس النزيه، لا أداة لتشتيت وحدة المصير المشترك لشعوب القارة الإفريقية. فقارتنا لا تزال تعاني تأخرا تنمويا بنيويا، يعود في جزء كبير منه إلى مخلفات الاستعمار، والحروب الأهلية، والانقلابات السياسية، وما رافقها من هدر للطاقات وتعطيل لمسارات البناء،رغم كونها تزخر بثروات طبيعية هائلة.
 
لقد قدم المغرب درسا لافتا في التنظيم المحكم، وحسن التدبير، واحترام الضيوف، وتوفير شروط المنافسة، بما يعكس رؤية واضحة تعتبر الرياضة رافعة للتنمية ووسيلة لتعزيز الحضور القاري والدولي، لا مناسبة للعبث الإعلامي أو الاستثمار الإيديولوجي الضيق.
 
غير أن هذا النجاح يفرض على الدولة المغربية وعيا استراتيجيا بأن هناك أطرافا وأعداء يتربصون بالمغرب، ويسعون إلى إفشاله بكل الوسائل المتاحة، من خلال حملات التشويش، والتشكيك، وصناعة السرديات العدائية.
 
إن الرهان الحقيقي لا يقتصر على الدفاع عن هذا النموذج خارجيا، بل يتطلب بالأساس تقويته داخليا،فالضرورة تقتضي تعميم هذا النموذج ليشمل مختلف جهات وأقاليم المملكة، بما فيها الهوامش والمجالات القروية، فهو يشكل صمام الأمان الحقيقي لتنمية الوطن. فمغرب قوي من الداخل، بعدالة مجالية، وتنمية متوازنة، ومؤسسات ديمقراطية ناجعة، هو وحده القادر على تحصين نفسه أمام هذه المؤامرات، وتحويل الاستهداف الخارجي إلى فرصة جديدة لتثبيت مشروعه التنموي الشامل وتعميمه على أطراف المغرب الغير النافع.محمد أبيهي/أستاذ التاريخ المعاصر والراهن،جامعة محمد الخامس بالرباط.

              



في نفس الركن
< >

الاحد 18 يناير 2026 - 14:09 عابر كلمات.. جهة من الجهات

الخميس 15 يناير 2026 - 14:44 الخرتيت.. والخرتتة..!.. قاسم حول















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار