◆ الشائعة أخطر من الخلاف
الكاتب بوشعيب حمراوي
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★
من مفاوضات مدريد إلى تصريحات نواكشوط… شائعات المقايضة ومحاولات إقحام موريتانيا في مواجهة مع المغرب لن تصنع أزمة بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة
ليس أخطر على العلاقات بين الدول من خلاف معلن يمكن تدبيره بالحوار، سوى خلاف مصطنع يُصنع في عناوين الصحف، ويُغذّى بالتأويلات، ثم يُقدَّم للرأي العام باعتباره حقيقة دبلوماسية. وهذا بالضبط ما يثير الانتباه في الجدل الأخير حول منطقة الكويرة المغربية، بعدما جرى تحويل مقترح موريتاني لتوضيح الحدود إلى حديث عن مطالب ترابية وصفقة مفترضة مع المغرب، في محاولة لإظهار نواكشوط وكأنها تستعد للدخول في مواجهة مع الرباط.
لقد قيل الكثير باسم موريتانيا، ونُسب إليها ما لم تعلنه حكومتها، وجرى الترويج لسيناريوهات تتحدث عن مقايضة الكويرة باعتراف موريتاني بمغربية الصحراء. ثم جاء الموقف الرسمي الموريتاني ليعيد النقاش إلى حجمه الحقيقي، ويكشف المسافة الشاسعة بين ما قيل في المنابر الإعلامية وما صدر فعلًا عن المؤسسات الحكومية.
والسؤال هنا لا يتعلق فقط بمن أطلق الشائعة، وإنما بمن يستفيد من تحويل العلاقات المغربية الموريتانية إلى ساحة جديدة للتوتر، خصوصًا في ظرف إقليمي حساس يعرف تحولات متسارعة في مسار التسوية الأممية لقضية الصحراء.
◆ ماذا قالت موريتانيا في الأمم المتحدة؟
تعود الشرارة الأولى إلى تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء، الصادر في فاتح أكتوبر 2026 تحت رقم S/2026/781، والذي تضمن إشارة إلى موقف موريتاني عُرض خلال الجولة الثانية من المفاوضات المنعقدة بمدريد يومي 8 و9 فبراير 2026، ثم أُعيد تأكيده في جلسات لاحقة.
فقد اقترحت موريتانيا إنشاء لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم بطريقة توافقية.
هذا ما ورد في التقرير. لا أكثر.
لم تتحدث الوثيقة عن مطالبة موريتانية بضم الكويرة، ولم تشر إلى اتفاق على تنازل مغربي عن جزء من أراضيه، ولم تتضمن أي حديث عن مقايضة السيادة باعتراف دبلوماسي.
والفرق كبير بين دولة تريد توضيح حدودها تفاديًا لأي غموض مستقبلي، ودولة تعلن مطالبة جديدة بأرض تعتبرها دولة مجاورة جزءًا من ترابها الوطني.
وقد تناول السفير المغربي السابق محمد لوليشكي هذه المسألة في قراءة للتقرير الأممي، معتبرًا أن الطلب الموريتاني يرتبط على الأرجح باعتبارات أمنية واقتصادية وقانونية، لا بمطالبة معلنة بالسيادة.
◆ تاريخ الحدود لا يُختزل في عنوان صحفي
لم تولد العلاقات الحدودية المغربية الموريتانية مع تقرير أكتوبر 2026.
فقد شهدت المنطقة تحولات تاريخية متعاقبة، من اتفاق مدريد الثلاثي سنة 1975، إلى الاتفاقية المغربية الموريتانية بشأن الحدود سنة 1976، المسجلة لدى الأمم المتحدة سنة 1977، ثم الانسحاب الموريتاني من الجزء الجنوبي للصحراء سنة 1979.
وقد ترتبت على هذه التطورات أوضاع سياسية وميدانية وقانونية معقدة، لا يمكن اختزالها في خبر يتحدث عن صفقة جديدة، ولا معالجتها بإعادة رسم الحدود بواسطة المقالات الصحفية.
وإذا كان المغرب يعتبر الكويرة جزءًا لا يتجزأ من وحدته الترابية، فإن موريتانيا تملك، باعتبارها دولة مجاورة، مصلحة مشروعة في ضمان وضوح حدودها وأمنها ومصالحها الاقتصادية.
ولا تعارض بالضرورة بين الموقفين عندما يكون الحوار المباشر والقانون الدولي هما الإطار المعتمد لمعالجة المسائل العالقة.
◆ ولد ببانه يتحدث… فهل يستمع مروجو التأويلات؟
جاء الجواب الرسمي الأكثر وضوحًا مساء الأربعاء 21 أكتوبر 2026، على لسان محمد ولد ببانه، وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية.
فقد أكد أن بلاده متمسكة بموقفها الداعم لحل سلمي وتوافقي تحت رعاية الأمم المتحدة، مشددًا على أن مسألة توضيح الحدود لا ينبغي تحميلها مطالب وتفسيرات لم تعلنها نواكشوط.
وأوضح أن الهدف من التوضيح هو تجنب الغموض الذي يمكن أن تترتب عليه آثار أمنية أو قانونية أو اقتصادية.
والأهم أنه رفض تحويل ما تتداوله بعض الصحف والمنتديات الإعلامية إلى مواقف حكومية، مؤكدًا أن موريتانيا لم تعلن مطالب جديدة في هذا الملف.
بل ذهب أبعد من ذلك عندما أكد أن بلاده لا تواجه إشكالات مع جيرانها، خصوصًا في الشمال، وأن علاقاتها معهم جيدة.
وهنا تكمن أهمية التصريح.
فموريتانيا لم تتحدث عن أزمة مع المغرب، ولم تعلن رغبة في انتزاع الكويرة، ولم تؤكد وجود مفاوضات لتبادل الأراضي مقابل اعتراف سياسي.
لقد تحدثت عن الحدود والتوافق والاستقرار، بينما حاولت عناوين إعلامية تحويل النقاش إلى سيادة ومقايضة وصراع.
◆ الجزائر… ومخاطر البحث عن خلاف مغربي موريتاني
يصعب فصل هذا الجدل عن السياق الإقليمي الذي تعيشه قضية الصحراء، وعن الخلاف السياسي والدبلوماسي العميق بين المغرب والجزائر.
فالنظام الجزائري يتبنى موقفًا معارضًا للمقترح المغربي للحكم الذاتي، ويدعم جبهة البوليساريو سياسيًا ودبلوماسيًا، بينما يؤكد المغرب أن مبادرته للحكم الذاتي تحت سيادته تمثل أساس التسوية الواقعية للنزاع.
ومع استئناف المفاوضات وعودة الأطراف الأربعة إلى طاولة النقاش، أصبحت العلاقات المغربية الموريتانية أكثر أهمية في حسابات التوازن الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، فإن أي خطاب إعلامي يحاول تصوير موريتانيا باعتبارها خصمًا ترابيًا جديدًا للمغرب يخدم موضوعيًا منطق توسيع الخلاف، ويصرف الانتباه عن جوهر المسار السياسي الجاري.
وليس مستبعدًا أن تجد بعض المنابر المنحازة إلى الموقف الجزائري أو التي تتغذى من نفط وغاز الجزائر في شائعات الكويرة مادة مناسبة لتغذية هذا التصور، وإقناع الرأي العام بأن المغرب يواجه خلافًا حدوديًا جديدًا مع جار آخر.
والمطلوب هنا هو مساءلة الخطاب الإعلامي الذي يروّج للادعاءات غير المثبتة، سواء صدر عن منابر جزائرية أو فرنسية أو غيرها.
فالخصومة السياسية لا تمنح أي وسيلة إعلامية حق اختراع مواقف رسمية لدولة أخرى، ولا تحويل الاحتمالات إلى وقائع.
◆ عند «جون أفريك»… تجاوز العنوان حدود المعلومة
عادت الكويرة إلى الواجهة بعدما تناولت مجلة «جون أفريك» الفرنسية، في مقال نُشر يوم 18 أكتوبر 2026، الاهتمام الموريتاني بالمنطقة، وربطته بالتاريخ الحدودي والمفاوضات السياسية والمشاريع الاقتصادية الأطلسية.
وسرعان ما انتشرت قراءات تتحدث عن مقايضة محتملة تقوم على اعتراف موريتاني بمغربية الصحراء مقابل حصولها على الكويرة.
غير أن بعض المراجعات الصحفية للمقال الأصلي نبهت إلى أن الصياغة المتداولة بشأن المقايضة لا تعكس بالضرورة ما أثبته التقرير، وأنه لا يوجد تأكيد رسمي على عرض من هذا النوع.
وهنا يتحمل الإعلام مسؤوليته.
فليس من حق الصحافة أن تضع في فم الحكومة الموريتانية كلامًا لم تقله، ثم تطلب من المغرب الرد عليه.
وليس من المهنية تحويل تحليلات صحفية أو مواقف أشخاص خارج المؤسسات الرسمية إلى مطالب سيادية باسم دولة كاملة.
إن الصحافة التي تبحث عن الحقيقة تميز بين الخبر والتأويل، وبين التصريح الرسمي والفرضية، وبين وجود اختلاف في المصالح ووجود أزمة بين دولتين.
أما الصحافة التي تصنع الأزمات، فتبدأ بعنوان مثير، ثم تبحث عن وقائع تبرره.
◆ موريتانيا ليست ورقة في الصراع المغربي الجزائري
من الأخطاء التي ينبغي تجنبها التعامل مع موريتانيا وكأنها مطالبة دائمًا بالاختيار بين الرباط والجزائر.
فموريتانيا دولة ذات سيادة، لها مؤسساتها ومصالحها وقرارها الدبلوماسي، ومن حقها أن تدير علاقاتها مع البلدين وفق أولوياتها الوطنية.
وقد اختارت منذ سنوات موقف «الحياد الإيجابي» من قضية الصحراء، مع دعم الحل السياسي التوافقي تحت رعاية الأمم المتحدة.
ويمكن للمغرب أن يختلف مع بعض جوانب الموقف الموريتاني دون أن يحوّل هذا الاختلاف إلى خصومة، كما يمكن لموريتانيا أن تطالب بتوضيحات قانونية وحدودية دون أن تصبح طرفًا في مواجهة جديدة.
والعلاقات بين البلدين أكبر من أن تُختزل في خلاف مفترض حول الكويرة.
فهناك تاريخ مشترك، وروابط إنسانية واجتماعية وثقافية، ومصالح تجارية، وتعاون أمني، وتبادل اقتصادي متنامٍ، فضلًا عن آفاق التكامل التي تفتحها مشاريع الربط الأطلسي والتعاون الإفريقي.
ومن مصلحة الشعبين أن تصبح الحدود مجالًا للتبادل والتنمية والاستقرار، لا موضوعًا للتخويف والقطيعة.
◆ من طنجة إلى الكويرة… ومن الرباط إلى نواكشوط
إن تمسك المغرب بوحدته الترابية لا يعني البحث عن عداوات جديدة، كما أن الدفاع عن مغربية الكويرة لا يتطلب اتهام موريتانيا بما لم تقله.
فالشعار المغربي «من طنجة إلى الكويرة» يعبر عن موقف وطني راسخ، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لمهاجمة دولة جارة على أساس شائعة لم تؤكدها مؤسساتها.
وإذا كان من الضروري التصدي لكل محاولة للمساس بالوحدة الترابية المغربية، فمن الضروري أيضًا حماية العلاقات مع الدول المجاورة من الاستفزازات الإعلامية والتوظيفات السياسية.
ولعل أقوى رد على محاولات بث التوتر هو تطوير التنسيق المباشر بين الرباط ونواكشوط، وتعزيز التعاون الحدودي والاقتصادي والأمني، وترك القضايا الدقيقة للقنوات الدبلوماسية والمؤسسات المختصة.
فالمغرب لا يحتاج إلى صناعة خصومة مع موريتانيا كي يدافع عن صحرائه، وموريتانيا لا تحتاج إلى الدخول في مواجهة مع المغرب كي تحمي مصالحها.
◆ لا تجعلوا الشائعة ترسم الحدود بين الأشقاء
إن ما جرى حول الكويرة يقدم درسًا واضحًا في خطورة تحويل المعلومة الناقصة إلى أزمة مكتملة.
ففي الوقت الذي تحدثت فيه موريتانيا عن توضيح الحدود، تحدث آخرون عن المطالبة بالأرض. وحين تحدثت عن التوافق، تحدث آخرون عن المقايضة. وحين أكدت جودة علاقاتها مع الجوار، حاولت قراءات إعلامية تصوير العلاقة مع المغرب وكأنها على أبواب أزمة.
والسؤال الذي ينبغي أن يُوجَّه إلى مروجي هذه الروايات بسيط: أين الوثيقة الرسمية الموريتانية التي تطالب بالكويرة؟ وأين الاتفاق المزعوم الذي يقضي بتبادل السيادة مقابل الاعتراف؟
إلى أن تظهر أدلة موثوقة، تبقى تلك الروايات ادعاءات لا يجوز تحويلها إلى حقائق.
أما محاولة استثمارها في توسيع الخلافات الإقليمية، فهي سياسة لا تخدم شعوب المنطقة، ولا تساعد على بناء مغرب عربي قادر على تجاوز خلافاته.
إن السيادة المغربية ليست موضوعًا للمقايضة، والعلاقات المغربية الموريتانية ليست ملكًا لمن يريدون تسميمها، وموقف نواكشوط لا يحدده ما تتمنى بعض المنابر أن تقوله، بل ما تعلنه الدولة الموريتانية نفسها.
فلا تجعلوا الجزائر ومواقفها من الصحراء حجة لاختراع موقف موريتاني لم يصدر، ولا تسمحوا للشائعات بأن تبني حدودًا من العداء بين شعبين جمعتهما قرون من الجوار.
الكويرة مغربية في الموقف السيادي للمملكة، وموريتانيا لم تعلن المطالبة بها. وما لم يُقَل رسميًا، لا يجوز أن يتحول إلى أزمة دبلوماسية بمجرد تكراره إعلاميًا.
جسور الجوار المغربي الموريتاني في مواجهة عواصف الشائعات