2022 شتنبر 16 - تم تعديله في [التاريخ]

المؤشرات الاقتصادية... هل يتعلق الأمر فعلا بمجرد خرافة؟


العلم الإلكترونية - بقلم عبد الله البقالي

اعتدنا أن نسوق للأرقام والإحصائيات لتشخيص الأوضاع الاقتصادية في أقطارنا وفي دول العالم، لأن المعلوم والمعروف أن هذه الإحصائيات تمثل لوحة قيادة في إدارة شؤون الحكم والاقتصاد. لذلك يظل الرأي العام الوطني والدولي مشدودا باستمرار إلى تقلبات هذه الإحصائيات ومتابعة مؤشراتها نزولا وصعودا. لكن و مع كل ما تكتسيه هذه الأرقام من أهمية بالغة في نظر الخبراء الاقتصاديين و الماليين و المختصين في شؤون السياسات العمومية في الدول و في العالم، فإن الشعوب لا تحس بانعكاس حقيقي و مباشر على تحسن هذه المؤشرات الماكرو اقتصادية و الميكرو اقتصادية على أوضاعهم المعيشية، سواء تعلق الأمر بمعدلات النمو أو البطالة أو الهشاشة الاجتماعية أو التضخم أو الادخار أو تحسن مؤشرات مناخ المنافسة والاستثمار، لينظر المواطن العادي إلى هذه الإحصائيات كأرقام جامدة لا تعنيه في شيء. والأدهى من ذلك يبقى يتابع باستغراب شديد تباينها و اختلافها من حين إلى آخر، حينما يتم الترويج لإحصائيات متضاربة و متباينة بين الجهات التي تدعي الاختصاص من منظمات دولية مختصة وخبراء حول نفس المؤشرات، فهذه جهة تسوق لمعدل نمو وطني أو عالمي معين، وتلك جهة أخرى تروج لمعدل نمو مختلف يهم نفس الاقتصاد ونفس الأوضاع، بل وفي التراجع الذي تعلنه جهات مختصة عن أرقام سبق لها إعلانها بسبب تغير المعطيات التي استندت إليها، في تناقض صارخ يمكن تفسيره باختلاف في اعتماد المراجع ، أو بتباين في التقديرات، ومنها أيضا ما قد يكون مرده اعتبارات أخرى بعيدة عن الاقتصاد والتنمية .

وتسود التخوفات من تقلبات هذه الإحصائيات، لأن الاعتقاد السائد يستند الى أن نمو الناتج المحلي الخام مثلا يعني تحسن الأوضاع الاقتصادية بما ينعكس إيجابًا على الأوضاع الاجتماعية في البلاد، وأن تراجع هذا المعدل يعني ترديا في هذه الأوضاع بما يهدد بتنامي الغضب الاجتماعي و ينذر بحدوث اضطرابات اجتماعية ترتبط بالاستقرار السياسي العام .

والحقيقة لا  أحد يملك إلغاء هذه القاعدة العلمية الدقيقة، لكن البسطاء من عامة الناس لا يفقهون في هذه التفاصيل التقنية الدقيقة، وينظرون إلى أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية من زاوية تحسن أحوالهم المعيشية العامة ، ومدى قدرة السياسات العمومية والبرامج المعتمدة فيها على الاستجابة إلى حاجياتهم اليومية المرتبطة بالشغل و التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وتحقيق الرفاه الاجتماعي . وعلى هذا المستوى لا يلمس عامة الناس انعكاسا إيجابيا مباشرا على أوضاعهم .

وفي ضوء ذلك يجد النقاش حول مصداقية و فعالية الإحصائيات المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية مشروعيته، لأن هذا الأمر إذا كان مسلما به من الناحية التقنية ، فإنه يبقى محل شكوك كبرى من حيث انعكاسه على الواقع المعيش ، و هذا ما يفسر الاختلافات و التباينات بين الخبراء أنفسهم في هذا الصدد ، حيث طفت مؤخرا على ساحة النقاش العام في هذا الشأن آراء مخالفة ترى من وجهة نظرها أن هذه الإحصائيات ( مجرد خرافة ) وأن ما يعرف مثلا ب ( النمو الاقتصادي ) ليس ضروريا ولا حتميا لتحسين أوضاع عامة الناس. وجاء في مقال متخصص نشرته صحيفة ( الواشنطن بوست ) أن "النمو الاقتصادي لا يمكن أن يتواصل بشكل دائم ، وإلى ما لا نهاية .كما أن استمرار النمو لا يعني بالضرورة أن حياة الناس تسير نحو الأحسن فيزدادون رفاها " وتنفذ وجهة النظر هذه إلى عمق الإشكالية حينما يتساءل أصحابها عما إذا كان النمو بصيغته الحالية يفضي إلى زيادة الثروة، أم أنه يجعل النفقات أكثر من الأرباح ؟ و تفسر شرعية هذا السؤال بأن خبراء الاقتصاد الذين يتبنون نظرية تقليدية لا يقيمون وزنًا لجانب التكلفة ، أي تكلفة النمو الاقتصادي دون أي اعتبار لتأثيرات هذا النمو على الحياة البشرية فيما يتعلق بالمناخ مثلا وبتسريع تعميق الهوة بين الطبقات و الفئات و بحدوث الاختلالات في الفوارق المجالية و بين الجهات و المناطق ، لأنهم يركزون على رقم الناتج المحلي الخام بمعزل عن محيطه البيئي و الاجتماعي . و تستدل وجهة النظر هذه بالتكلفة الغالية والباهظة التي تنتج عن النظر الأحادي المعزول إلى النمو بحجم الكوارث المرتبطة بمعدلات الوفيات المترتبة عن حوادث السير والتغيرات المناخية الخطيرة التي تتجلى في مظاهر الجفاف والحرائق والتلوث البيئي وتأثيرات الصناعات الحديثة على الصحة العامة. وتنبه إلى الخطورة البالغة التي ترافق السعي نحو الرفع من معدل النمو مع عدم مراعاة خطر تدمير البيئة .

فالنهوض بصناعات السجائر و الخمور مثلا قد يحدث آلاف مناصب الشغل ويخلص ملايين الأشخاص من البطالة وضيق العيش، لكن تكلفتها تكون مرتفعة جدا على الصحة العامة في البلاد وتتسبب في عجز البرامج الصحية العامة على التجاوب مع الحاجيات المطلوبة .

ومن جهة ثانية فإن قضية انعكاسات تحسن المؤشرات على الاقتصادات الوطنية يمكن النظر إليها من جانب آخر يتعلق بحجم الاستفادة من هذا التحسن من طرف الجهات المعنية . والتساؤل عما إذا كانت أوساط اقتصادية ومالية معينة ممثلة في الشركات الكبرى و العملاقة هي المستفيد الأوفر حظا من تحسن تلك المؤشرات، وهي الجهة التي تحصل على الجزء الأكبر من كعكة الاقتصاد العالمي ، وأن عامة الناس يبقى لهم الفتات مما تلهفه تلك الشركات، وأن الترويج للأرقام وللإحصائيات المرتبطة بتحسن المؤشرات الاقتصادية مجرد تخدير للرأي العام في مختلف أنحاء المعمور ؟

إنها أسئلة مشروعة ، وانشغالات مبررة إزاء قضية مركزية لا يبدو أنها محل اهتمام كبير من طرف الأوساط الاقتصادية والمالية المتخصصة.



في نفس الركن