تؤكد المؤشرات المتلاحقة أن مجتمعنا اليوم يقف عند منعطف تحولي حاسم، تتداخل فيه تحديات التحديث المتسارع مع ضرورة الحفاظ على قيمنا الأصيلة، حيث يبرز الفضاء العمومي بمختلف تجلياته من شوارع، وحدائق، ووسائل نقل، ومرافق إدارية، كالمرآة الحقيقية التي تعكس منسوب الوعي والتحضر الجماعي. ومن هذا المنطلق، يأتي الرأي الذي أصدره المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تحت عنوان «السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة»، ليشكل وثيقة مرجعية وتشخيصاً دقيقاً لواقع يتطلب تفكيكاً عميقاً وعملاً مسؤولاً ومستداماً، بعيداً عن الحلول المؤقتة أو المقاربات المجزأة.
إن التشخيص الذي قدمه المجلس في هذا الرأي يضعنا أمام حقيقة مزدوجة؛ فمن جهة، يزخر الموروث الحضاري والقيمي للمجتمع المغربي برصيد غني من التضامن، والتآزر، والحرص على الصالح العام، وهو ما يتجلى بوضوح في لحظات التعبئة الوطنية الكبرى والأزمات. ولكن في المقابل، يكشف الواقع اليومي المستمر عن مظاهر مقلقة من السلوكيات غير المدنية التي تسيء إلى جودة الحياة المشتركة، وتتنوع لتشمل الإخلال بالنظافة العامة، وتخريب المنشآت والتجهيزات المشتركة، والانتهاكات المتكررة لقواعد السلامة الطرقية، وصولاً إلى تنامي حدة العنف اللفظي والجسدي في بعض الفضاءات الحيوية كالملاعب الرياضية وغيرها. ويعزو الرأي استمرار هذه الظواهر إلى عوامل بنيوية متداخلة، يأتي على رأسها التحول المتسارع في مسارات التنشئة الاجتماعية، وتعدد مصادر التأثير بفعل الطفرة الرقمية والتدفق الهائل لشبكات التواصل الاجتماعي، يضاف إليها الطابع القطاعي والمعزول للمبادرات العمومية السابقة، فضلاً عن ضعف وضوح المنظومة المعيارية والزجرية وغياب الفعالية الملائمة في تدبير المخالفات اليومية المرتبطة بالقرب.
ولمواجهة هذه التحديات وتجاوز تلك الاختلالات، يطرح المجلس رؤية مندمجة ترتكز على ثلاث رافعات كبرى متكاملة: تبدأ أولاها بتعزيز التربية والتنشئة على المواطنة عبر تعبئة أدوار الأسرة، والمدرسة، ومؤسسات الإعلام، وإدراج أنشطة بيداغوجية وتربوية واضحة بدءاً من التعليم الأولي لترسيخ الحس المسؤول في الناشئة تلقائياً. وتتجلى الرافعة الثانية في توطيد مبدأ «القدوة الحسنة» في التدبير العمومي، إذ يتعين على المؤسسات، والمرافق العامة، والمسؤولين تقديم النموذج الأسمى في احترام القوانين وحسن استقبال المرتفقين استناداً إلى مبادئ ميثاق المرافق العمومية؛ لتأتي الرافعة الثالثة مكملة لهما بالتطبيق الصارم للضوابط والقوانين، من خلال تبسيط المساطر القانونية وتفعيل الآليات الزجرية، مع دمج العقوبات البديلة ذات البعد الإصلاحي والتربوي كالأشغال ذات المنفعة العامة.
إن تطلع المملكة لاحتضان تظاهرات عالمية كبرى، وفي مقدمتها نهائيات كأس العالم 2030، يمثل فرصة تاريخية وذهبية لتسريع تنزيل هذا الورش المجتمعي الحيوي وتجاوز زمن التشخيص إلى زمن الأجرأة والتفعيل. ومن هذا المنطلق، يوصي المجلس بإطلاق مشروع وطني شامل للنهوض بالسلوك المدني مبني على ميثاق مرجعي موحد تنخرط فيه الجماعات الترابية والمجتمع المدني، مع إمكانية تكليف مؤسسة مخصصة لقيادة وتنسيق هذا المسار. فالرهان اليوم يتجاوز مجرد تحسين عابر للمظهر العام، بل يكمن في إرساء فضاء عمومي دامج، آمن، ومستدام يعكس الوجه الحضاري المشرق للمجتمع ويستجيب لمتطلبات نموه وازدهاره.
2026 يونيو/جوان 30 - تم تعديله في
[التاريخ]
المجلس الاقتصادي والاجتماعي يدعو إلى مشروع وطني شامل للنهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية
تنشئة مواطنة وترسانة زجرية.. رافعتان لترسيخ السلوك المدني في أفق 2030..
*العلم: شيماء اغنيوة*
في نفس الركن
{{#item}}
{{/item}}
{{/items}}