*العلم الإلكترونية: عزيز اجهبلي*
اعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إشكالية «الهجرة والتحول الديموغرافي في المغرب: الرهانات والآفاق» الموضوع الخاص للتقرير الذي أنجزه حول الظرفية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية خلال سنة 2025، موضحا أن سنة 2013 شكلت منعطفاً حاسماً في تعاطي المغرب مع قضايا الهجرة واللجوء. وقد عكست «الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء» التي اعتُمدت رسمياً سنة 2014 تحولاً جذرياً في المقاربة المعتمدة؛ بالانتقال من مقاربة تركز أساساً على «مراقبة» تدفقات الهجرة إلى سياسة تقوم على ضمان فعلية الحقوق وتعزيز إدماج المهاجرين.
وفي إطار تنزيل هذه الاستراتيجية، تمت تسوية الوضعية القانونية للمهاجرين في وضعية غير نظامية المقيمين بالمغرب على مرحلتين: انطلقت الأولى سنة 2014، والثانية ابتداءً من سنة 2016. وقد واكب هذه التدابير توسعٌ تدريجي في استفادتهم من الخدمات العمومية الأساسية، لا سيما في مجالات التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، وذلك بفضل تعبئة منسقة للإدارات العمومية، والجماعات الترابية، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الدوليين.
وأضاف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن المكتسبات المحققة في مجال الولوج إلى الخدمات العمومية تعكس هذا التطور، بحيث في مجال التعليم تم تعزيز حضور الأطفال والشباب الأجانب داخل المنظومة التعليمية الوطنية. وخلال الموسم الدراسي 2024-2025، بلغ عدد التلاميذ الأجانب المسجلين في التعليم النظامي 6,034 تلميذاً، موزعين كالتالي: 456 بالتعليم الأولي، 3,486 بالتعليم الابتدائي، 1,049 بالتعليم الثانوي الإعدادي، 596 بالتعليم الثانوي التأهيلي. وخلال الموسم الدراسي نفسه، استفاد 150 شاباً مندرجاً من الهجرة من برامج التربية غير النظامية ومنظومات الفرصة الثانية.
وفي مجال الصحة، تُبرز المعطيات اتساع استفادة المهاجرين من خدمات الرعاية الصحية الأساسية خلال سنة 2024، حيث تم تسجي، 47,880 استشارة طبي،46,333 من خدمات التمري، 6,945 استشارة خاصة بتتبع الحمل للنساء المهاجرات، 21,674 خدمة تلقيح مقدمة لفائدة الأطفال. وفي مجال الحماية الاجتماعية، بلغ عدد الأشخاص الأجانب المشملين بنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض 54,194 شخصاً سنة 2023.
وقد ساهمت هذه الدينامية في تعزيز مكانة المغرب باعتباره فاعلاً معترفاً به في مجال حكامة الهجرة على المستوى الإقليمي. غير أن التقدم المحرز في مجال الولوج إلى الحقوق الاجتماعية لم يترجم بعدُ بشكل كامل إلى اندماج اقتصادي مستدام يواكب الحاجيات؛ فحسب المعطيات المتعلقة بالتشغيل النظامي، ومن أصل 7,705 أشخاص أجانب مسجلين لدى الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC)، لم يستفد من تشغيل نظامي منذ سنة 2015 سوى 305 أشخاص، وهو ما يعكس استمرار الصعوبات التي تحد من الانتقال من برامج المواكبة إلى إدماج مهني مستقر.
وإذا كانت هذه المكتسبات تشكل اليوم قاعدة صلبة يمكن ترصيدها، فإن التحولات التي شهدتها ديناميات الهجرة والسياق الديموغرافي تطرح تحديات جديدة تتجاوز رهانات الاستقبال والحماية والإدماج، لتشمل أيضاً: تعزيز المشاركة في سوق شغل، وتعزيز جاذبية المجالات الترابية، وتثمين مساهمة الهجرة في التنمية، واستباق التحولات الديموغرافية؛ وهي رهانات تكتسي أهمية متزايدة في ظل التحولات الجارية.
ولا تزال بعض فئات المهاجرين أكثر عرضة للهشاشة، وفي مقدمتها النساء، والقاصرون غير المصحوبين، والأشخاص الذين تظل أوضاعهم الإدارية غير مستقرة. فهذه الفئات غالباً ما تصطدم بصعوبات إدارية واقتصادية واجتماعية تحول دون انتظام استفادتها من الحقوق، وتُضعف فرص اندماجها. كما نبه الفاعلون الذين جرى الإنصات إليهم إلى استمرار مظاهر من الاستغلال، والوساطة غير المشروعة، والهشاشة القوية في بعض أنشطة الاقتصاد غير المهيكل.
ولا تنفصل هذه الصعوبات عن قصور لا يزال يعتري الإطار القانوني الجاري به العمل. فقد شرع المغرب، دعمًا لتنزيل الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء وفي انسجامٍ مع مقتضيات الدستور والالتزامات الدولية، في إصلاح واسع لمنظومته التشريعية، من خلال مشروعي قانونين أساسيين، وهما مشروع القانون رقم 72.17 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة، الرامي إلى تعويض القانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير المشروعة، ومشروع القانون رقم 66.17 المتعلق باللجوء وشروط منحه، الهادف إلى إرساء إطار قانوني وطني ينظم هذا المجال.
غير أنه في انتظار استكمال المصادقة على هذين المشروعين، فإن القانون رقم 02.03 لا يزال يشكل الإطار المنظم لدخول الأجانب وإقامتهم، والذي يعتمد على منطق مراقبة وضبط تدفقات الهجرة. وقد أفضى هذا التباين بين التوجهات التي تقوم عليها السياسة الوطنية للهجرة وبين تأطيرها القانوني إلى قصور قدرة المنظومة التشريعية على مواكبة واقع هجرة يغلب عليه الاستقرار، وتتعدد فيه الأوضاع والحاجيات والمسارات.
وتتمثل مظاهر هذا التفاوت في استمرار الغموض بالنسبة لبعض الوضعيات النظامية، وعدم توحيد الممارسات بين الإدارات، واستمرار الصعوبات المرتبطة بمنح وثائق الإقامة وتجديدها، ناهيك عما يعتري الولوج إلى الشغل النظامي، الاعتراف بالمؤهلات، واستمرار الحركية المهنية من عراقيل. ومن شأن هذه الإكراهات أن تُضعف استمرارية مسارات الإدماج، وأن تحد من الإسهام الاقتصادي والاجتماعي والمجالي الذي يستطيع المهاجرون تقديمه في خدمة التنمية.
وعلاوة على ذلك، يلاحظ فاعلون تم الإنصات إليهم أن ثمة مواطن قصور في الهيكلة المؤسساتية الحالية؛ بحيث إذا كانت الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء قد عملت على تعبئة الفاعلين العموميين والمجتمع المدني، فإن التنسيق بينهم لا يزال متفاوتاً من مجال ترابي إلى آخر، وحسب القطاعات المتدخلة. كما أن آليات القيادة والتتبع والتقييم مدعوة إلى الانخراط في المدى طويل الأجل للهجرة، والتفاعل مع سياسات التشغيل، والتكوين، والسكن، والصحة، والتعليم، والتماسك الاجتماعي، والتنمية الترابية.