العلم - شيماء اغنيوة
لم يعد إصلاح المنظومة التربوية بالمغرب مجرد خيار استراتيجي، بل أضحى رهينا بالفهم العميق للرأسمال البشري الذي يدير حجرات الدراسة. وفي هذا السياق، يأتي تقرير "الدراسة الدولية للتعليم والتعلم TALIS 2024"، الصادر عن الهيئة الوطنية للتقييم بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين في دجنبر 2025، ليفكك شيفرة الواقع المهني للأساتذة المغاربة. هذا التقرير ليس مجرد تجميع للأرقام، بل صورة إشعاعية تكشف مكامن القوة والخلل في جسد مهنة التعليم، واضعا التجربة الوطنية في ميزان المقارنة الدولية مع أنظمة رائدة.
تكشف معطيات التقرير عن مفارقة صارخة، أمام هيئة تدريس شابة، حيوية، ومقبلة على المهنة بشغف لافت، لكنها في المقابل تصطدم بجدار من التحديات الهيكلية. فبينما يثق الأستاذ المغربي في قدراته البيداغوجية، يجد نفسه محاصرا بهامش استقلالية ضيق، وتكوين مستمر لا يواكب الثورة الرقمية، ونظام تعويضات يظل النقطة السوداء في سجل الرضا الوظيفي. إن القراءة المتأنية لهذا التقرير تفرض التساؤل: هل نكتفي بتوظيف الأعداد أم أننا بصدد بناء نخب تربوية متمكنة؟
إن التحدي الذي ترفعه "تاليس 2024" هو تحدي الإنصاف والتمكين؛ فعدم التوازن في توزيع الخبرات بين المركز والهامش، وضعف قنوات التواصل بين المدرسة ومحيطها، يستوجبان إعادة النظر في السياسات التربوية الحالية. هذا المقال يغوص في تفاصيل التقرير، محاولا استشراف مستقبل مهنة التدريس بالمغرب في ظل هذه التحولات الديمغرافية والمهنية المتسارعة.
البنية الديموغرافية والمسارات المهنية
تشير بيانات التقرير إلى أن هيئة التدريس بالمغرب تتسم بفتوة نسبية، حيث يبلغ متوسط الأعمار 40 سنة، مع تسجيل حضور وازن للمرأة في السلك الابتدائي بنسبة 64%. وفيما يخص التوزيع الجغرافي، لفتت الدراسة الانتباه إلى تركز المدرسين المبتدئين (بنسبة 30%) في المناطق القروية والبيئات المدرسية الأكثر هشاشة، مما يستدعي إعادة النظر في آليات الدعم والمواكبة لهذه الفئة لضمان الإنصاف المجالي.
التكوين الأكاديمي واستقلالية القرار التربوي
على مستوى الرأسمال البشري، يمتلك 63% من أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي شهادة الإجازة، وهي نسبة تفوق المتوسط الدولي. إلا أن التقرير سجل فجوة في شهادات الدراسات العليا (الماستر)، حيث لا تتعدى النسبة بالمغرب 18% مقابل 57% في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
وفي سياق الممارسات المهنية، يظهر التقرير محدودية في هامش الاستقلالية الممنوح للمدرسين؛ إذ لا تتجاوز نسبة المشاركة في تحديد محتوى المناهج 6% بالإعدادي، بينما يقتصر اختيار الموارد التعليمية على 27% من الأساتذة، وهي معطيات تضع تحديات أمام تكريس المقاربة التشاركية في التدبير التربوي.
التحول الرقمي: بين القناعات والإمكانات
كشفت النتائج عن وعي مهني مرتفع بأهمية التكنولوجيا، حيث يرى 94% من أساتذة الإعدادي أن الرقمنة محفز أساسي للتعلم. ورغم ذلك، لا يزال إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في بداياته بنسبة 26.5%. ويشير التقرير إلى وجود فجوة بين الطموح الرقمي والواقع اللوجيستي، إذ صرح ربع الأساتذة بمواجهتهم صعوبات في تنزيل الإصلاحات نتيجة نقص الموارد التقنية اللازمة.
الرضا الوظيفي وتحديات الاستقرار المهني
يسجل التقرير مفارقة في مؤشرات الرضا؛ فبينما يعبر أكثر من 90% من المدرسين عن اعتزازهم بالمهنة وشغفهم بالتدريس، تنخفض هذه النسبة بشكل حاد عند تقييم الجانب المادي والرواتب (21% في الابتدائي و39% في الإعدادي). كما رصدت الدراسة مؤشرات مقلقة حول "الاستنزاف المهني"، حيث صرح ربع الأساتذة برغبتهم في تغيير المهنة، وترتفع هذه النسبة إلى 59% لدى الفئات العمرية المتقدمة (أكثر من 50 سنة)، مما يطرح تحديات استراتيجية تتعلق باستبقاء الكفاءات وضمان الاستقرار النفسي والاجتماعي للهيئة التربوية.
ضغوط العمل والرفاه المهني
أفاد التقرير بأن مصادر الضغط الأساسية لا ترتبط بالعلاقات المهنية بقدر ما ترتبط بعبء العمل "البدني" والإداري؛ حيث يعتبر تصحيح الفروض وتحضير الدروس المجهد الأول للمدرسين، خاصة في الابتدائي بنسبة 81.5%. وقد سجل المغرب معدلات إجهاد بدني بلغت 21%، وهي نسبة تتجاوز الضعف مقارنة بالمتوسط الدولي (8%).
نحو رؤية مستقبلية
تخلص نتائج "طاليس 2024" إلى أن الارتقاء بجودة التعليم بالمغرب يمر حتما عبر تجويد ظروف عمل المدرسين، وتعزيز استقلاليتهم البيداغوجية، مع ضرورة إرساء نظام فعال للتكوين المستمر يواكب التحولات الرقمية. وتعد هذه المؤشرات مرجعاً أساسياً لصناع القرار لبلورة سياسات تعليمية تستجيب لانتظارات الفاعلين الميدانيين وتحقق غايات الرؤية الاستراتيجية 2030.
لم يعد إصلاح المنظومة التربوية بالمغرب مجرد خيار استراتيجي، بل أضحى رهينا بالفهم العميق للرأسمال البشري الذي يدير حجرات الدراسة. وفي هذا السياق، يأتي تقرير "الدراسة الدولية للتعليم والتعلم TALIS 2024"، الصادر عن الهيئة الوطنية للتقييم بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين في دجنبر 2025، ليفكك شيفرة الواقع المهني للأساتذة المغاربة. هذا التقرير ليس مجرد تجميع للأرقام، بل صورة إشعاعية تكشف مكامن القوة والخلل في جسد مهنة التعليم، واضعا التجربة الوطنية في ميزان المقارنة الدولية مع أنظمة رائدة.
تكشف معطيات التقرير عن مفارقة صارخة، أمام هيئة تدريس شابة، حيوية، ومقبلة على المهنة بشغف لافت، لكنها في المقابل تصطدم بجدار من التحديات الهيكلية. فبينما يثق الأستاذ المغربي في قدراته البيداغوجية، يجد نفسه محاصرا بهامش استقلالية ضيق، وتكوين مستمر لا يواكب الثورة الرقمية، ونظام تعويضات يظل النقطة السوداء في سجل الرضا الوظيفي. إن القراءة المتأنية لهذا التقرير تفرض التساؤل: هل نكتفي بتوظيف الأعداد أم أننا بصدد بناء نخب تربوية متمكنة؟
إن التحدي الذي ترفعه "تاليس 2024" هو تحدي الإنصاف والتمكين؛ فعدم التوازن في توزيع الخبرات بين المركز والهامش، وضعف قنوات التواصل بين المدرسة ومحيطها، يستوجبان إعادة النظر في السياسات التربوية الحالية. هذا المقال يغوص في تفاصيل التقرير، محاولا استشراف مستقبل مهنة التدريس بالمغرب في ظل هذه التحولات الديمغرافية والمهنية المتسارعة.
البنية الديموغرافية والمسارات المهنية
تشير بيانات التقرير إلى أن هيئة التدريس بالمغرب تتسم بفتوة نسبية، حيث يبلغ متوسط الأعمار 40 سنة، مع تسجيل حضور وازن للمرأة في السلك الابتدائي بنسبة 64%. وفيما يخص التوزيع الجغرافي، لفتت الدراسة الانتباه إلى تركز المدرسين المبتدئين (بنسبة 30%) في المناطق القروية والبيئات المدرسية الأكثر هشاشة، مما يستدعي إعادة النظر في آليات الدعم والمواكبة لهذه الفئة لضمان الإنصاف المجالي.
التكوين الأكاديمي واستقلالية القرار التربوي
على مستوى الرأسمال البشري، يمتلك 63% من أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي شهادة الإجازة، وهي نسبة تفوق المتوسط الدولي. إلا أن التقرير سجل فجوة في شهادات الدراسات العليا (الماستر)، حيث لا تتعدى النسبة بالمغرب 18% مقابل 57% في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
وفي سياق الممارسات المهنية، يظهر التقرير محدودية في هامش الاستقلالية الممنوح للمدرسين؛ إذ لا تتجاوز نسبة المشاركة في تحديد محتوى المناهج 6% بالإعدادي، بينما يقتصر اختيار الموارد التعليمية على 27% من الأساتذة، وهي معطيات تضع تحديات أمام تكريس المقاربة التشاركية في التدبير التربوي.
التحول الرقمي: بين القناعات والإمكانات
كشفت النتائج عن وعي مهني مرتفع بأهمية التكنولوجيا، حيث يرى 94% من أساتذة الإعدادي أن الرقمنة محفز أساسي للتعلم. ورغم ذلك، لا يزال إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في بداياته بنسبة 26.5%. ويشير التقرير إلى وجود فجوة بين الطموح الرقمي والواقع اللوجيستي، إذ صرح ربع الأساتذة بمواجهتهم صعوبات في تنزيل الإصلاحات نتيجة نقص الموارد التقنية اللازمة.
الرضا الوظيفي وتحديات الاستقرار المهني
يسجل التقرير مفارقة في مؤشرات الرضا؛ فبينما يعبر أكثر من 90% من المدرسين عن اعتزازهم بالمهنة وشغفهم بالتدريس، تنخفض هذه النسبة بشكل حاد عند تقييم الجانب المادي والرواتب (21% في الابتدائي و39% في الإعدادي). كما رصدت الدراسة مؤشرات مقلقة حول "الاستنزاف المهني"، حيث صرح ربع الأساتذة برغبتهم في تغيير المهنة، وترتفع هذه النسبة إلى 59% لدى الفئات العمرية المتقدمة (أكثر من 50 سنة)، مما يطرح تحديات استراتيجية تتعلق باستبقاء الكفاءات وضمان الاستقرار النفسي والاجتماعي للهيئة التربوية.
ضغوط العمل والرفاه المهني
أفاد التقرير بأن مصادر الضغط الأساسية لا ترتبط بالعلاقات المهنية بقدر ما ترتبط بعبء العمل "البدني" والإداري؛ حيث يعتبر تصحيح الفروض وتحضير الدروس المجهد الأول للمدرسين، خاصة في الابتدائي بنسبة 81.5%. وقد سجل المغرب معدلات إجهاد بدني بلغت 21%، وهي نسبة تتجاوز الضعف مقارنة بالمتوسط الدولي (8%).
نحو رؤية مستقبلية
تخلص نتائج "طاليس 2024" إلى أن الارتقاء بجودة التعليم بالمغرب يمر حتما عبر تجويد ظروف عمل المدرسين، وتعزيز استقلاليتهم البيداغوجية، مع ضرورة إرساء نظام فعال للتكوين المستمر يواكب التحولات الرقمية. وتعد هذه المؤشرات مرجعاً أساسياً لصناع القرار لبلورة سياسات تعليمية تستجيب لانتظارات الفاعلين الميدانيين وتحقق غايات الرؤية الاستراتيجية 2030.