*بقلم: بوشعيب حمراوي*
بلاغ الوكيل العام للملك لم يسمِّ المرشح المعني.. وتصريحات متداولة لمصطفى الإبراهيمي تثير أسئلة بشأن مصدر المعطيات وحقيقة توظيف عائدات المخدرات في التأثير على الانتخابات
انتقلت تصريحات عن احتمال توظيف عائدات المخدرات في التأثير على الانتخابات من فضاء التجمعات الحزبية ومواقع التواصل الاجتماعي إلى مسار البحث القضائي، بعدما أمرت النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة، اليوم الخميس، بالبحث في تصريحات منسوبة إلى أحد المرشحين للانتخابات التشريعية المرتقبة.
وأوضح الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة، في بلاغ موجه إلى الرأي العام، أن القرار جاء تفاعلاً مع ما نُشر على بعض منصات التواصل الاجتماعي بشأن تصريح أدلى به أحد المرشحين خلال تجمع حزبي، تحدث فيه عن كمية مهمة من المخدرات قد تُستعمل الأموال المتحصلة منها في التأثير على العمليات الانتخابية.
وأكد البلاغ أن النيابة العامة أمرت بفتح بحث قضائي للوقوف على حيثيات التصريح وظروفه وترتيب الآثار القانونية اللازمة، انطلاقاً من مسؤوليتها في السهر على سلامة العملية الانتخابية، وضمان التطبيق السليم للقانون والحفاظ على نزاهة الاستحقاقات.
* البلاغ لا يسمّي المرشح.. والتصريحات تقود إلى الإبراهيمي
لم يذكر بلاغ الوكيل العام للملك اسم المرشح المعني ولا الحزب الذي ينتمي إليه. غير أن مضمونه يتقاطع مع تصريحات متداولة لمصطفى الإبراهيمي، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، خلال لقاء حزبي بالقنيطرة، تحدث فيها عن كمية قال إنها تصل إلى 270 طناً من المخدرات، وربط بين عائداتها المالية والقدرة على التأثير في الانتخابات والمؤسسات المنتخبة.
وبحسب التصريحات المنشورة، اعتبر الإبراهيمي أن من يتوفر على عائدات بيع كمية بهذا الحجم قد يمتلك قدرة مالية تتجاوز التأثير في صندوق اقتراع أو جماعة قروية إلى التأثير في البرلمان والحكومة.
ويظل رقم 270 طناً منسوباً إلى صاحب التصريحات، وليس كمية أعلنت النيابة العامة ضبطها أو أكدت وجودها في هذا الملف. كما أن الحديث عن عائداتها وتوظيفها انتخابياً يظل ادعاءً يحتاج إلى التحقق، ولا يجوز تقديمه باعتباره نتيجة توصل إليها البحث القضائي.
* التمسك بالتصريحات لا يعوّض تقديم الأدلة
وعاد الإبراهيمي، في تصريحات صحافية لاحقة، إلى تأكيد مضمون كلامه بشأن توظيف أموال المخدرات في العملية الانتخابية، دون الكشف عن اسم الجهة أو الحزب الذي يقصده.
وتطرح هذه التصريحات أسئلة تتجاوز السجال الحزبي: ما مصدر المعلومات التي استند إليها صاحبها؟ وما أساس الرقم الذي أورده؟ وهل يرتبط الأمر بوقائع محددة يمكن التحقق منها؟ ومن الجهات المقصودة بالحديث عن استخدام هذه الأموال للتأثير في المؤسسات المنتخبة؟
فالحديث عن عائدات المخدرات في سياق انتخابي ليس اتهاماً عابراً. إنه يثير شبهة بالغة الخطورة تستوجب التمييز بين التحذير السياسي والمعلومة المسندة، وبين ما يقال أمام الجمهور وما يمكن إثباته أمام الجهات المختصة.
ولا يعني فتح البحث، في حد ذاته، ثبوت الاتهامات أو إدانة أي شخص أو حزب. كما لا يعني اتهام صاحب التصريحات بالاتجار في المخدرات أو الارتباط به؛ فالمعلن هو البحث في حيثيات التصريح وظروفه، وليس إصدار حكم مسبق على قائله أو على من قد يكون مقصوداً بكلامه.
* نزاهة الانتخابات تحتاج إلى الحقيقة
وضع بلاغ الوكيل العام للملك حماية سلامة العملية الانتخابية ونزاهتها في صلب مبررات التحرك القضائي. وهي حماية لا تنفصل عن ضرورة التحقق من الادعاءات المتعلقة بالمال ومصادره وأوجه استعماله، مثلما لا تنفصل عن تجنب تحويل الاتهامات غير المثبتة إلى حقائق تتداولها المنصات.
فإذا كانت هناك معطيات جدية بشأن أموال غير مشروعة يراد توظيفها انتخابياً، فإن كشفها والتحقق منها وترتيب المسؤوليات بشأنها يكتسي أهمية تتجاوز التنافس بين المرشحين. وإذا كانت التصريحات تفتقر إلى ما يسندها، فإن ذلك بدوره يطرح سؤال المسؤولية عن إطلاق اتهامات بهذا الحجم أمام الرأي العام.
وبين هذين الاحتمالين، لا يملك السجال السياسي أن يحل محل البحث القضائي، ولا تكفي كثافة تداول التصريحات لمنحها صفة الحقيقة.
لم يعد السؤال، بعد تحرك النيابة العامة، مقتصراً على هوية الجهة التي قصدها المرشح. السؤال الأهم هو ما إذا كانت وراء كلامه وقائع قابلة للإثبات. وحتى تتضح نتائج البحث، تبقى نزاهة الانتخابات بحاجة إلى أمرين متلازمين: التصدي لأي تمويل غير مشروع تثبته الأبحاث، وعدم إدانة أي طرف بمجرد تصريح متداول.
رئيسية 








الرئيسية 






