2026 أغسطس/أوت 19 - تم تعديله في [التاريخ]

المدارس الأوروبية والأمريكية بدأت تستعيد تلامذتها من قبضة الهواتف الذكية.. ماذا عن أطفالنا؟

من كانساس إلى إنجلترا وفرنسا وإيطاليا.. العالم يعيد الهاتف إلى الخزانة ويعيد الطفل إلى القسم، بينما المدرسة المغربية ما تزال تبحث عن حدود واضحة بين الرقمنة والتشتيت..



*بقلم: بوشعيب حمراوي*

لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة اتصال يحملها التلميذ معه إلى المدرسة ليطمئن عليه والداه أو ليستعمله عند الضرورة، بل تحول مع مرور السنوات إلى عالم كامل يدخل معه إلى القسم، يجلس بجانبه فوق الطاولة أو يختبئ في جيبه، ويلاحقه بالإشعارات والرسائل والصور ومقاطع الفيديو والألعاب منذ لحظة دخوله المؤسسة إلى حين مغادرتها. وبينما كانت المدارس قبل سنوات تتساءل كيف تستفيد أكثر من التكنولوجيا، بدأت مدارس ودول كثيرة اليوم تطرح سؤالاً مغايراً وأكثر إلحاحاً: كيف نستعيد التلميذ من التكنولوجيا حين تتحول من وسيلة للتعلم إلى منافس مباشر للمدرس والكتاب والزميل والأسرة؟

من هنا تكتسب الخطوة الجديدة التي بدأت مدارس بولاية كانساس الأميركية تنفيذها دلالة تتجاوز حدود الولاية نفسها. فالتلاميذ يدخلون المدرسة ومعهم هواتفهم وأجهزتهم الإلكترونية الشخصية، لكنها لا تبقى في متناولهم طوال اليوم، بل تحفظ في خزائن أو أماكن مخصصة إلى نهاية الدوام. لا هاتف أثناء الدرس، ولا هاتف أثناء الاستراحة، ولا شاشة شخصية مفتوحة أثناء الغداء أو الانتقال بين الحصص. الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها: المدرسة تريد استعادة الزمن المدرسي كاملاً، لا استعادة خمسين دقيقة من كل حصة فقط.

وهنا بالضبط يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يهمنا نحن في المغرب: إذا كانت مدارس أوروبية وأميركية، بل ودولاً بكاملها، بدأت تعترف بأن الهاتف الشخصي تحول إلى عنصر تشويش ينبغي ضبطه، فماذا عن تلامذتنا؟ وهل نملك نحن سياسة واضحة، أم ما زلنا نترك المسألة لاجتهاد كل مدير وأستاذ ومؤسسة وأسرة؟

كانساس لم تحظر التكنولوجيا.. بل أعادت ترتيب الأولويات

من الخطأ اختزال ما يحدث في كانساس وفي دول أخرى في عبارة «منع الهاتف». فالقضية ليست حرباً على التكنولوجيا، ولا عودة إلى زمن السبورة والطباشير، وإنما محاولة لإعادة تحديد من يقود العملية التربوية داخل المدرسة.

حين توفر المؤسسة حاسوباً أو لوحة رقمية لإنجاز تمرين أو بحث أو نشاط تحت إشراف المدرس، فنحن أمام استعمال تربوي محدد. أما حين يدخل كل تلميذ بجهازه الشخصي مفتوحاً على عشرات التطبيقات والمنصات والألعاب والمحادثات، فنحن أمام بيئة رقمية لا تتحكم فيها المدرسة ولا تعرف دائماً ماذا يشاهد الطفل فيها ولا مع من يتواصل.

ولهذا فإن الفارق كبير بين رقمنة التعليم ورقمنة التلميذ طوال الوقت.

الدول التي بدأت تشدد على الهواتف لم تتراجع عن الاستثمار في التكنولوجيا. بالعكس، كثير منها من أكثر بلدان العالم تقدماً رقمياً. لكنها أدركت أن تقدم المجتمع رقمياً لا يعني أن يظل الطفل متصلاً بلا توقف، وأن استعمال التكنولوجيا في التعليم يحتاج إلى غاية وتوقيت وإشراف، لا إلى جهاز يرافق الطفل في كل ثانية ويطالب بانتباهه باستمرار.

أوروبا تعيد رسم حدود الهاتف داخل المدرسة

التحول الأوروبي أصبح واضحاً. دول كثيرة فرضت قيوداً على استعمال الهواتف داخل المؤسسات التعليمية، وبعضها انتقل من المنع أثناء الحصة إلى المنع طوال اليوم الدراسي.

إيطاليا وسعت القيود تدريجياً، وفرنسا سبقت إلى منع الهواتف لدى فئات عمرية واسعة داخل المدارس، وصادق برلمانها مؤخرا على منع الأطفال من الولوج إلى مواقع التواصل الاجتماعية.

وفنلندا وضعت قيوداً على الأجهزة أثناء الدروس، فيما اتجهت إنجلترا إلى نموذج يقوم على إبعاد الهاتف طيلة اليوم، بما في ذلك أثناء الاستراحات والغداء والتنقل بين الحصص.

وهذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره إجراءات انضباطية متفرقة. إنه اعتراف بأن المدرسة ليست مجرد قاعة درس، وأن التربية لا تتوقف عند نهاية الحصة.

فحين يخرج الطفل إلى ساحة المؤسسة ويجلس مباشرة أمام هاتفه، قد يكون قد خرج من الفصل لكنه لم يدخل فعلاً إلى الحياة المدرسية. الاستراحة نفسها جزء من التربية: فيها يتحدث التلميذ مع زملائه، ويتعلم الحوار، ويدخل في خلافات صغيرة ويتعلم حلها، ويلعب، ويتحرك، ويراقب العالم من حوله، ويختبر العلاقات الإنسانية بعيداً عن وسيط رقمي.

أما إذا تحول كل طفل إلى رأس منحنٍ أمام شاشة، فإننا قد نحافظ على الهدوء، لكننا نفقد شيئاً أساسياً من المدرسة باعتبارها فضاءً اجتماعياً.

أميركا تتجه من منع الهاتف إلى إبعاده فعلياً

التجربة الأميركية تلفت الانتباه لسبب آخر: كثير من السياسات لم تعد تكتفي بقول «الهاتف ممنوع»، بل بدأت تحدد كيف يمنع فعلياً.

هناك فرق كبير بين أن تقول للتلميذ «ضع هاتفك في حقيبتك» وبين أن تحفظ الأجهزة في خزانة أو حقيبة مؤمنة لا يستطيع الوصول إليها أثناء اليوم الدراسي. ففي الحالة الأولى يبقى الجهاز قريباً، ويكفي اهتزاز أو إشعار أو لحظة غفلة ليعود إلى اليد. أما في الحالة الثانية فتنقطع العلاقة مؤقتا مع الجهاز فعلاً.

وهذا التفصيل التنظيمي مهم جداً. فالقوانين لا تنجح بالشعارات وحدها. إذا أرادت مدرسة حظر الهاتف فعليها أن تجيب مسبقاً عن أسئلة بسيطة لكنها حاسمة: أين يوضع؟ من يتحمل مسؤوليته؟ كيف يسترجعه التلميذ؟ ما الحالات الطبية المستثناة؟ كيف تتصل الأسرة بابنها عند الطوارئ؟ وما الجزاء عند مخالفة القاعدة؟

عندما تكون هذه التفاصيل واضحة، يتحول المنع من صراع يومي بين الإدارة والتلاميذ إلى قاعدة يعرفها الجميع قبل الدخول إلى المؤسسة.

المعركة الحقيقية ليست مع الهاتف.. بل مع اقتصاد الانتباه

الهاتف الذكي اليوم ليس جهازاً صامتاً ينتظر أن يطلب منه صاحبه شيئاً. إنه جهاز يطلب من صاحبه أشياء طوال الوقت.

رسالة جديدة، فيديو مقترح، إعجاب، إشعار، لعبة، تحديث، صورة، محتوى جديد ينتظر المشاهدة. كل ذلك يجعل الطفل في حالة ترقب دائم، ويقسم انتباهه إلى أجزاء صغيرة.

وهنا ينبغي أن نتوقف عند حقيقة غالباً ما نتجاهلها: الطفل لا ينافس جهازاً فقط، بل يواجه منظومة اقتصادية ضخمة صممت أساساً للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من وقته وانتباهه.

إذا كان الراشد نفسه يجد صعوبة في وضع الهاتف جانباً أثناء اجتماع أو وجبة أو حديث عائلي، فهل من المنطقي أن نطالب طفلاً في الحادية عشرة أو الثالثة عشرة بأن يمتلك انضباطاً ذاتياً يفوق انضباط الكبار؟

لهذا انتقلت بعض الدول من الحديث عن مسؤولية الطفل والأسرة فقط إلى مساءلة المنصات نفسها، وبدأت تظهر قوانين تتعلق بالسن الأدنى لاستخدام شبكات التواصل، والتحقق من العمر، وحماية القاصرين من بعض الخوارزميات والتصاميم التي تدفعهم إلى البقاء أطول وقت ممكن أمام الشاشة.

العالم لم يعد يسأل فقط: كم ساعة أمام الشاشة؟

النقاش الجديد أكثر تعقيداً ونضجاً. فلم يعد كافياً أن نقيس علاقة الطفل بالعالم الرقمي بعدد الساعات فقط.

طفل يستعمل حاسوباً ساعة لإنجاز بحث مدرسي لا يشبه طفلاً يقضي الساعة نفسها يتنقل بين مقاطع قصيرة عشوائية. وطفل يتحدث بالفيديو مع أفراد أسرته ليس كطفل يتعرض للتنمر أو الابتزاز أو محتويات غير مناسبة.

لذلك فإن القضية ليست في وجود الشاشة وحدها، بل في طبيعة الاستخدام، والسن، والمحتوى، ومدة التعرض، والهدف، وما إذا كانت الشاشة تزاحم النوم أو الدراسة أو الرياضة أو العلاقات الأسرية والاجتماعية.

وهذا أمر يجب أن نستحضره حتى لا ننزلق نحو خطاب مبالغ فيه يحول كل جهاز رقمي إلى عدو. التكنولوجيا جزء من المستقبل، وأطفال اليوم سيعيشون في عالم أكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والمهارات الرقمية. المطلوب إذاً ليس حرمانهم من هذا العالم، بل تعليمهم الدخول إليه والخروج منه بإرادتهم.

حماية الطفل لا تعني تربيته خارج الزمن

قد يقول قائل إن منع الهاتف في المدرسة يناقض مسار الرقمنة، لكن هذا الاعتراض يخلط بين أمرين مختلفين.

المدرسة تستطيع أن تكون رقمية ومتقدمة تقنياً دون أن تسمح لكل تلميذ بأن يعيش داخل هاتفه الشخصي طوال اليوم. يمكن أن توفر حواسيب وأجهزة لوحية وموارد رقمية وتطبيقات تعليمية وسبورات ذكية، وتعلم الأطفال البرمجة والذكاء الاصطناعي والبحث الرقمي، ثم تقول لهم في الوقت نفسه: هاتفك الشخصي ليس ضرورياً أثناء كل هذه الساعات.

بل إن هذا هو جوهر التربية الرقمية الحقيقية: أن يعرف الطفل متى يستخدم الجهاز، ومتى يغلقه.
فالمهارة الرقمية ليست القدرة على البقاء متصلاً دائماً. المهارة الحقيقية هي القدرة على التحكم في الاتصال.

الأسرة ليست خارج المعادلة

لا جدوى من منع الهاتف في المدرسة إذا تحول البيت بعد ذلك إلى فضاء مفتوح بلا قواعد. فالتلميذ الذي يقضي ست ساعات منضبطاً داخل المؤسسة ثم يعود إلى المنزل ليغرق سبع ساعات أخرى في الألعاب والفيديوهات والمحادثات لن يستفيد كثيراً من السياسة المدرسية وحدها.

لكن تحميل الأسر المسؤولية كاملة سيكون بدوره ظلماً. الآباء والأمهات يعيشون تحولات لم يعرفها جيلهم أثناء الطفولة. كثير منهم لم يدخل الهاتف الذكي حياته إلا وهو راشد، بينما أبناؤهم ولدوا في بيت توجد فيه شاشات في كل مكان.

ولهذا تحتاج الأسرة إلى إرشاد واضح، لا إلى لوم أخلاقي. تحتاج إلى معرفة كيف تحدد أوقات الاستخدام، وكيف تحمي أوقات النوم والطعام والدراسة، وكيف تتعامل مع شبكات التواصل، ومتى تشتري الهاتف الأول لطفلها، وما الخصائص التي ينبغي تعطيلها أو تقييدها.

كما تحتاج المدرسة إلى أن تتحدث مع الأسرة بلغة واحدة. لا معنى أن تطالب الإدارة بمنع الهاتف ثم يرفض ولي الأمر ذلك بحجة أنه يريد التواصل مع ابنه كل دقيقة. يجب توفير بدائل واضحة للطوارئ، وإقناع الأسر بأن عدم الوصول المباشر إلى الطفل لمدة ساعات داخل مؤسسة تعليمية مؤطرة ليس إهمالاً، بل قد يكون جزءاً من حمايته.

وماذا عن المدرسة المغربية؟

هنا نصل إلى السؤال الذي لا ينبغي أن نهرب منه. ما هي السياسة الوطنية المغربية تجاه الهواتف الشخصية داخل المؤسسات التعليمية؟

عملياً، نجد تفاوتاً كبيراً. بعض المؤسسات تمنعها بصرامة، وبعضها يتعامل معها حسب الظروف، وأخرى تجد نفسها في صراع متواصل مع التلاميذ بسبب التصوير داخل الأقسام أو استعمال الأجهزة أثناء الحصص. بل إن الهواتف الذكية هي التي تستنفر وزارة التعليم سنويا عند كل امتحانات إشهادية. ولو تجد لها حلولا. في الوقت الذي كان على الوزارة أن تسلك طريق منع دخولها إلى داخل المؤسسات التعليمية. 

وهذا التفاوت يعني أننا لا نملك حتى الآن قاعدة موحدة ومفهومة تطبق بالطريقة نفسها في كل المؤسسات.

ومع توسع الرقمنة في المدرسة المغربية، يصبح من الضروري الفصل بين أمرين: إدخال الوسائل الرقمية إلى التعليم وإدخال الهاتف الشخصي إلى كل لحظة من الحياة المدرسية.

الأول مطلوب وضروري. الثاني يحتاج إلى نقاش جدي. فهل يحتاج طفل في الابتدائي فعلاً إلى هاتف ذكي داخل المؤسسة؟ وهل يحتاج تلميذ الثانوي الإعدادي أو التأهيلي إلى البقاء متصلاً بشبكات التواصل طوال اليوم؟ وإذا كنا نعتقد أن الهاتف ضروري للطوارئ، فلماذا لا يوضع في مكان آمن ويسترجع عند المغادرة؟ وإذا كانت هناك حالات صحية أو احتياجات تربوية خاصة، فمن السهل تحديد استثناءات واضحة لها.

المغرب لا يحتاج إلى نسخ مبادرة كانساس أو غيرها. لكنه يحتاج إلى قرار

ليس المطلوب أن نستورد التجربة الأميركية كما هي. المدرسة المغربية مختلفة، والإمكانات مختلفة، وعدد التلاميذ داخل بعض المؤسسات كبير، والبنية التحتية ليست واحدة.

لكن اختلاف السياق لا يبرر غياب السياسة. يمكن للمغرب أن يصمم نموذجاً مناسباً له: منع كامل في الابتدائي، قواعد صارمة في الثانوي الإعدادي والتأهيلي، وضوابط أكثر مرونة في الثانوي التأهيلي. ويمكن أن يترك الهاتف مغلقاً في الحقيبة أو في خزائن حسب إمكانات المؤسسة، مع منع التصوير والاستعمال خلال اليوم إلا بترخيص تربوي أو لسبب صحي محدد.

الأهم أن تكون القاعدة وطنية، معلنة، مفهومة، ومدعومة بحملة توعية تستهدف التلاميذ والأسر والأطر التربوية.

كما ينبغي أن تواكبها تربية رقمية حقيقية. ليس درساً نظرياً عن إيجابيات الإنترنت وسلبياته، بل تعليم عملي حول الخصوصية، والتنمر الإلكتروني، والابتزاز، والصور، والذكاء الاصطناعي، والأخبار الزائفة، والخوارزميات، وإدارة الوقت، والإدمان السلوكي، والقدرة على الانفصال عن الشاشة.

نحن أمام قضية تربوية وليست أمنية. إذا تعاملنا مع الهاتف بمنطق المصادرة والعقاب فقط، سنخسر المعركة. الطفل يحتاج إلى أن يفهم لماذا توجد القاعدة. ينبغي أن يعرف أن الهاتف لا يسحب منه لأنه متهم أو غير موثوق فيه، بل لأن المدرسة تريد أن توفر له فضاء مختلفاً عن الخارج.

هناك ساعات في اليوم يجب أن تكون للدراسة والحوار واللعب والحركة والنظر في وجوه الآخرين.

فالغاية ليست أن نخاف من الهاتف، وإنما ألا نجعله حاضراً في كل لحظة.

وحين يتحول قرار المنع إلى جزء من ثقافة المؤسسة، سيتوقف التلميذ تدريجياً عن اعتباره عقوبة، كما لا يعتبر منع التدخين داخل الفصل مثلاً انتهاكاً لحرية الشخص.

هل ننتظر حتى تصبح المشكلة أكبر؟

ما يحدث في أوروبا وأميركا ليس دليلاً على أن هذه الدول وجدت الحل السحري، لكنه دليل على أنها اعترفت بوجود مشكلة وبدأت تجرب الحلول. أما الخطر الحقيقي فهو أن نرى التحولات أمامنا، ونلاحظ أثر الهاتف داخل أقسامنا وبيوتنا وحياة أطفالنا، ثم نؤجل النقاش سنوات أخرى. فالهاتف الذي يقتحم درساً اليوم قد يصبح غداً نظارات ذكية أو أجهزة أكثر التصاقاً بالإنسان، والذكاء الاصطناعي سيجعل المحتوى أكثر قدرة على جذب الطفل وفهم ميولاته.

أي إن المهمة ستصبح أصعب، لا أسهل. لذلك فإن الزمن المناسب لصياغة سياسة وطنية ليس عندما تبلغ المشكلة ذروتها، بل الآن.

استعادة التلميذ قبل أن تصبح الشاشة هي المدرسة والأسرة والرفيق

حين بدأت مدارس كانساس تجمع الهواتف وتحفظها إلى نهاية اليوم، لم تكن تجمع قطعاً من البلاستيك والزجاج فقط. كانت تحاول استعادة شيء فقدته المدارس تدريجياً دون أن تشعر: انتباه التلميذ كاملاً.

وما تفعله مدارس أوروبية وأميركية أخرى يسير في الاتجاه نفسه. إنها لا تريد هزيمة التكنولوجيا، ولا تستطيع ذلك، وإنما تحاول تحديد مكانها الصحيح.

فالمدرسة التي تستسلم للهاتف ستجد نفسها مضطرة كل صباح إلى منافسة منصات عالمية تستثمر المليارات من أجل جذب عين الطفل. والمدرس لا يمكنه أن يشرح نصاً أو معادلة أو فكرة فلسفية بينما عقل تلميذه ينتظر في اللحظة نفسها رسالة أو مقطعاً أو لعبة أو إشعاراً.

ومن هنا فإن السؤال المغربي لم يعد ترفاً تربوياً: هل نريد أن نستعيد تلامذتنا من قبضة الهواتف الذكية، أم ننتظر إلى أن يصبح إبعادهم عنها لبضع ساعات في اليوم مهمة شبه مستحيلة؟

نريد مدرسة رقمية، نعم. نريد أبناءً قادرين على استعمال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، نعم. لكننا نريد أيضاً طفلاً يستطيع قراءة صفحة كاملة دون أن يمد يده إلى الهاتف، وأن يصغي إلى أستاذه دون أن ينتظر إشعاراً، وأن يتحدث مع زميله في الاستراحة دون وسيط، وأن يجلس مع أسرته إلى مائدة واحدة دون أن يكون كل فرد غائباً في شاشة مختلفة.

فالحداثة ليست أن يحمل كل طفل أحدث هاتف، بل أن يعرف متى يحتاج إليه ومتى يستطيع الاستغناء عنه.

وحين تنجح المدرسة في أن تمنح الطفل ساعات من يومه بلا إشعارات ولا مقاطع ولا تمرير لا ينتهي، فإنها لا تحرمه من المستقبل، بل تعيد إليه جزءاً من طفولته، وتركيزه، وعلاقاته، وحقه في التعلم.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: متى نمنع الهاتف في مدارسنا؟

بل الأجدر أن نسأل: كم سننتظر قبل أن نستعيد أبناءنا من شاشة أصبحت تعرف كيف تجذبهم أكثر مما نعرف نحن كيف نحتفظ بانتباههم؟




في نفس الركن