تُحيلنا المقارنة المنهجية بين البرنامج الحكومي وبين البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال، على وثيقة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية، التي أبدعها الزعيم علال الفاسي، وقدمها إلى جلالة الملك الحسن الثاني، في يوم 11 يناير سنة 1963، بمناسبة إحياء الذكرى التاسعة عشرة لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال (11/1/1944)، لنجد أن الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية للبرنامج الحكومي، تتقاطع بصورة واضحة، مع المرجعية التعادلية، التي يقوم عليها المشروع الاستقلالي.
فمن حيث التأكيد على العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي، فإن وثيقة التعادلية تنص على أن «كل عمل يجب أن يكون في خدمة الجماهير الشعبية ومصلحة الأمة، فالهدف هو الخروج بالبلاد من التخلف وتشييد مجتمع بلا طبقات متمتعاً بالعدالة الاجتماعية». وهو ما بات يعبر عنه «بالسرعة الواحدة». أما من ناحية الاهتمام بتطور البادية، أي بعبارة أخرى «التنمية الترابية المندمجة»، فإن الوثيقة تنص على «أن تقدم البلاد يتوقف على تطور البادية (أي العالم القروي)، ولهذا يتحتم إعطاء الأسبقية لجماهير الفلاحين، وتطوير وضعهم الاقتصادي والاجتماعي».
وأولت وثيقة التعادلية قضية التشغيل اهتماماً لافتاً، إذ «أن الشغل هو رأسمال الأمة الأساسي، والشغل واجب على جميع المواطنين، وحقٌّ من حقوقهم الأساسية». ونالت قضية تقوية القدرة الشرائية للمواطنين، حيِّزاً من اهتمامات المرجعية التعادلية، في الوثيقة الأصلية، بالتأكيد على «ضرورة توسيع وتنمية نظام التعاونيات الذي ييسِّر أسباب المبادلات، ويخفِّضُ من الأثمان، وذلك برفع الدخل والقدرة الشرائية للمواطنين، كما يمكِّنُ من تنظيم الأمة داخل وحدات اقتصادية واجتماعية تنمِّي روحَ التضامن بين المواطنين».
وتشتمل وثيقة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية، على أفكار بنَّاءة رائدة، سبق بها الزعيم علال الفاسي عصرَه بمسافة بعيدة، كما فعل في كتابه العمدة (النقد الذاتي)، منها الجهوية واللامركزية. إذ يقول: «ومما يضمن للبلاد نموّاً منسَّقاً، اللامركزية الإدارية، والتوزيع الإقليمي للمشاريع الاقتصادية». ففي هذا البند من الوثيقة، ترابطت اللامركزية بالإنصاف المجالي في شبكة واحدة. وهو اجتهاد فكري استباقي، يُحسب من مبتكرات الزعيم علال الفاسي، تعزَّز بإبداع فكرة «التجنيد المدني»، الذي هو أنجع وسيلة لتعبئة الأمة وتشغيلها، إذ «يجب تحقيق نموَّ البلاد بتعبئة إمكانياتنا الطبيعية، سواء منها البشرية أو المادية».
وفي وثيقة التعادلية أن «التصنيع ضروري لضمان الشغل للجميع، وللزيادة في الدخل القومي، ولإنماء القوة الشرائية عند الجماهير». وهو الأمر الذي نعبِّر عنه اليوم بالتوفيق بين خلق الثروة والتوزيع العادل لثمارها، تفعيلاً لثقافة النتائج، التي تقود إلى الربط بين بناء اقتصاد قوي قادر على خلق الثروة وفرص الشغل، وبين ترسيخ ركائز دولة اجتماعية قابلة للاستدامة، مما ينقلنا من منطق توسيع التغطية الاجتماعية، إلى منطق ضمان جودة الخدمات، ومن الدعم الاجتماعي إلى الإدماج الاقتصادي. وهي أفكار تقدمية عالية القيمة، انفرد بها مبدعُ المرجعية التعادلية، فكان رائداً في التنظير الاقتصادي والاجتماعي، كما كان رائداً في النضال الوطني والزعامة السياسية والريادة الفكرية.
ومن خلال الرؤية الواضحة في الفلسفة السياسية والمرجعية الأيديولوجية، ودون أي قدر من المبالغة، التي تمس بالقصد العلمي السليم، نرى أن المرجعية التعادلية تشكل أحدَ مرتكزات البرنامج الحكومي، وعلى نحو شديد الوضوح. وهو الأمر الذي يؤكد الحضورَ المتميزَ والمشعَّ لحزب الاستقلال في الحكومة، ويتيح لنا أن نقول إن روح التعادلية الاقتصادية والاجتماعية، تسري في مضامين البرنامج الحكومي، لأنها روحُ الوطنية الحق، وروحُ الهوية المغربية الأصيلة، وروحُ قيمنا الثابتة، والمقوِّمات الراسخة لدولتنا الشامخة بقيادة جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله وأيده.
العلم