☰
2026 نونبر 8 - تم تعديله في [التاريخ]

المستشفى العمومي المغربي يعالج المرضى… فمن يعالج نزيفه المالي؟

يفتح الدكتور أنور الشرقاوي ملف الموارد التي يفقدها المستشفى العمومي بين العلاج والفوترة والتحصيل، ويطرح سؤال الإصلاح الذي يحفظ المال دون أن يضيّع حق المريض في الرعاية والكرامة.


تمويل المستشفى العمومي بين استدامة الموارد وحق العلاج

د. أنور الشرقاوي
★ العلم الإلكترونية - بقلم: د. أنور الشرقاوي ★

رفع حصة المؤسسات الصحية العمومية من نفقات التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (AMO) من 9% إلى 50% في أفق سنة 2031 طموح كبير قد يُحدث تحولًا عميقًا في تمويل المنظومة الصحية المغربية.

هذا ما صرّح به وزير المالية في البرلمان.

لكن وراء هذه الأرقام الواعدة يختبئ سؤال أكثر تعقيدًا، وربما أكثر إحراجًا:

هل تتوفر المجموعات الصحية الترابية (GST)، التي تدبر المستشفيات العمومية، على الموارد البشرية والإمكانيات التقنية والتنظيمية التي تسمح لها بتحويل هذه الأموال المرتقبة إلى خدمات علاجية جيدة، وفواتير دقيقة، والأهم من ذلك، إلى مداخيل تُحصَّل فعليًا وتعود بالنفع على المرضى؟

فالأمر لا يتعلق بمجرد عملية حسابية بين مداخيل ومصاريف، بل بمستقبل المستشفى العمومي، وبقدرته على الاستمرار، وبالسيادة الصحية للمغرب.

◆ مستشفى يعالج ولا يُصدر الفواتير: نزيف مالي صامت

لنتخيل مواطنًا يصل إلى قسم المستعجلات وهو يعاني من آلام حادة في الصدر.

يتدخل الطبيب، وتُجرى التحاليل البيولوجية، ثم الفحص بالسكانير، وربما تصوير الشرايين التاجية، وقد تستدعي حالته تدخلًا جراحيًا على القلب.

أطباء وممرضون وتقنيون، وأجهزة طبية وأدوية ومستلزمات علاجية، كلها تُسخَّر لإنقاذ حياة هذا المريض.

وفي النهاية، يتلقى العلاج.

لكن السؤال الذي قد لا يخطر ببال المريض، وربما لا يحظى دائمًا بما يستحقه من اهتمام داخل الإدارة الصحية، هو:

هل سُجّلت جميع الخدمات الطبية؟ وهل رُمّزت وفق المعايير المعتمدة؟ وهل أُصدرت فواتيرها؟ وهل استُرجعت مستحقاتها المالية؟

هنا تكمن إحدى المفارقات التي تواجه بعض المؤسسات الصحية العمومية.

فهي تقدم خدمات طبية مكلفة، لكنها لا تتوفر دائمًا على آليات فعالة تضمن تحويل تلك الخدمات إلى موارد مالية مستحقة وقابلة للتحصيل.

كل عمل طبي لم تُصدر بشأنه فاتورة، رغم قابليته للفوترة، قد يعني ضياع مورد مالي.

وكل فاتورة لم تُحصّل مستحقاتها تعني أموالًا معلقة، لا تشتري أدوية، ولا تصلح أجهزة، ولا تساهم في علاج مرضى إضافيين.

إنه نزيف مالي لا يُرى بالعين المجردة، لكنه قد يترك آثارًا عميقة على جودة الخدمات الصحية.

◆ لماذا تنجح المصحات الخاصة في تدبير مداخيلها بشكل أفضل؟

في أغلب المصحات الخاصة، تشكل إجراءات استقبال المريض، والتحقق من حقوقه في التغطية الصحية، وإعداد الفواتير، وتتبع الأداء، حلقات مترابطة ضمن المسار الإداري للعلاج.

فالخدمة الطبية لا تنتهي إداريًا بمجرد مغادرة المريض للمصحة، بل تستمر إلى حين تسوية مستحقاتها المالية.

فلماذا لا يستطيع المستشفى العمومي اعتماد الصرامة التنظيمية نفسها؟

ليس المقصود تحويل الطب إلى تجارة، ولا التعامل مع المريض باعتباره مجرد فاتورة تمشي على قدمين.

بل المقصود إدراك حقيقة أساسية: التدبير المالي الجيد ليس نقيضًا للعدالة الصحية، بل يمكن أن يكون إحدى أدوات تحقيقها.

فكلما تمكن المستشفى العمومي من تحصيل الموارد المستحقة له، ازدادت قدرته على اقتناء الأدوية، وصيانة التجهيزات، وتحسين ظروف الاستقبال والعلاج.

غير أن هذه الصرامة يجب ألا تتحول إلى حاجز مالي يمنع الفئات الهشة من الحصول على الرعاية الصحية.

◆ المجموعات الصحية الترابية أمام ثمانية أوراش لا تقبل التأجيل

◆ الورش الأول: رقمنة المسار العلاجي من البداية إلى النهاية

ينبغي أن تصبح كل استشارة طبية، وكل تحليل، وكل فحص بالأشعة، وكل عملية جراحية أو إقامة استشفائية، مسجلة داخل نظام معلوماتي متكامل وآمن.

نظام يسمح بتتبع الخدمات الطبية وربطها بالفوترة، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية والصحية للمرضى.

فلا معنى لمستشفى يمتلك أحدث أجهزة التصوير الطبي، بينما لا يزال يعتمد على ملفات ورقية مبعثرة لتدبير مداخيله.

◆ الورش الثاني: احترافية تحصيل المستحقات المالية

لا يكفي إصدار الفاتورة، بل يجب تتبعها إلى حين استخلاص قيمتها الفعلية.

ولهذا، تحتاج كل مجموعة صحية ترابية إلى فرق متخصصة في الفوترة والتحصيل، تجمع بين المعرفة الطبية والكفاءة المحاسباتية والإدارية.

فالمال الذي يبقى حبيس الفواتير غير المؤداة لا يستطيع علاج أي مريض.

◆ الورش الثالث: الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية

ليس أفضل مستشفى هو الذي يستقبل أكبر عدد من الحالات المعقدة، بل أيضًا ذلك الذي يساهم في تجنب وصول المرضى إلى مراحل متقدمة من المرض.

فمريض ارتفاع الضغط الدموي الذي يستفيد من متابعة منتظمة، ومريض السكري الذي تُضبط حالته الصحية، والمواطن الذي يُكتشف مرضه مبكرًا، قد يتجنبون مضاعفات تستدعي استشفاءً مكلفًا.

الوقاية هنا ليست مجرد شعار صحي، بل استثمار اقتصادي واجتماعي مربح.

◆ الورش الرابع: تحسين مردودية المستشفيات الإقليمية والجهوية

جهاز سكانير متوقف عن العمل، أو قاعة عمليات لا تُستغل بالشكل الكافي، أو مختبر تحاليل تنقصه المواد الضرورية؛ ليست هذه مجرد أعطاب تقنية.

إنها خسائر طبية ومالية واجتماعية.

فكل يوم يتوقف فيه جهاز عن العمل قد يعني تأخر التشخيص، وإطالة الانتظار، وتحويل المرضى إلى مؤسسات أخرى، وارتفاع الكلفة الإجمالية للعلاج.

◆ الورش الخامس: التحكم في تكاليف المؤسسات الاستشفائية الجامعية

الإنعاش الطبي، وعلاج السرطان، وجراحة الدماغ والأعصاب، وزراعة الأعضاء، والأشعة التداخلية، كلها تخصصات تستنزف موارد مالية وتقنية وبشرية مهمة.

ولهذا، تحتاج المراكز الاستشفائية الجامعية إلى محاسبة تحليلية دقيقة تسمح بمعرفة الكلفة الحقيقية لكل خدمة علاجية.

لكن الحذر واجب.

فلا يجوز معاقبة مستشفى ماليًا لأنه يستقبل الحالات الأكثر تعقيدًا وخطورة.

النجاعة المالية لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للتهرب من علاج المرضى الذين تتطلب حالاتهم نفقات مرتفعة.

◆ الورش السادس: تحفيز الموارد البشرية والاعتراف بمجهوداتها

كيف نطالب الطبيب والممرض والتقني والإداري بمزيد من الإنتاجية، دون تحسين ظروف عملهم؟

وكيف ننتظر أداءً متميزًا من فرق صحية تواجه ضغطًا متواصلًا، ونقصًا في الموارد البشرية، وتفاوتًا في الإمكانيات؟

إن نجاح الإصلاح المالي يمر أيضًا عبر الاعتراف بالمجهود المهني، والتكوين المستمر، والتحفيز العادل، وتحسين بيئة العمل.

فلا إصلاح حقيقيًا للمستشفى دون إشراك من يشتغلون داخله.

◆ الورش السابع: تسريع العلاقة المالية بين المجموعات الصحية الترابية وهيئات تدبير التأمين الصحي

ما جدوى إعداد فاتورة صحيحة إذا ظلت تنتظر شهورًا قبل تسديدها؟

وما فائدة رقمنة الخدمات الطبية إذا استمرت مساطر الأداء والتحصيل في الدوران داخل متاهة إدارية معقدة؟

إن العلاقة بين المجموعات الصحية الترابية والهيئات المكلفة بتدبير التأمين الإجباري عن المرض يجب أن تقوم على الوضوح، وتبادل المعطيات، واحترام آجال الأداء.

فالتأخر في تحويل المستحقات قد يؤدي إلى اضطراب التزود بالأدوية والمستلزمات الطبية، حتى عندما تكون الخدمات قد أُنجزت فعليًا.

◆ الورش الثامن: تقييم النتائج الطبية والمالية والاجتماعية

لا ينبغي اختزال نجاح المستشفى في حجم الأموال التي يحصل عليها.

بل يجب قياس جودة العلاج، ومدد الانتظار، وسلامة المرضى، ورضا المرتفقين، والإنصاف بين الجهات والمناطق.

فمستشفى يرفع مداخيله لكنه يترك المرضى ينتظرون أشهرًا للحصول على موعد، لا يمكن اعتباره نموذجًا ناجحًا.

وكذلك مستشفى يحقق توازنًا ماليًا على حساب المرضى الأكثر هشاشة.

النجاح الحقيقي هو أن تتحسن المؤشرات المالية والصحية والإنسانية في الوقت نفسه.

◆ هل يمكن أن يموت المستشفى العمومي بسبب سوء التدبير؟

قد يبدو السؤال صادمًا، لكنه يستحق أن يُطرح دون مجاملة.

فالمستشفى العمومي ليس مصحة تجارية ضمن سوق الخدمات الصحية.

إنه مؤسسة ذات رسالة اجتماعية ووطنية، تتجاوز منطق الربح والخسارة.

فهو يستقبل الفئات الهشة، ويتكفل بالمستعجلات الخطيرة، ويساهم في تكوين الأطباء والممرضين، ويشارك في الوقاية الصحية والمراقبة الوبائية.

فلنتصور للحظة انتشار وباء واسع، بينما تكون قدرات المستشفيات العمومية قد تراجعت بشكل خطير.

من سيتكفل بآلاف المرضى؟

ومن سيعالج سكان المناطق التي لا تتوفر على استثمارات صحية خاصة كافية؟

ومن سيضمن العلاجات المعقدة والمكلفة للمواطنين الذين لا تسمح إمكانياتهم المالية باللجوء إلى القطاع الخاص؟

إن إضعاف المستشفى العمومي بشكل مستمر لا يعني فقط تراجع جودة الخدمات، بل المساس بأحد الأعمدة الأساسية للسيادة الصحية الوطنية.

فالدولة التي لا تستطيع ضمان استمرارية مؤسساتها الصحية العمومية تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات الصحية والاجتماعية.

◆ سنة 2031: العد العكسي بدأ… فهل بدأ الإصلاح الحقيقي؟

إن الطموح الحكومي الرامي إلى تحقيق توزيع أكثر توازنًا لنفقات التأمين الإجباري عن المرض بين القطاعين العام والخاص يجب ألا يبقى مجرد إعلان سياسي جميل.

فالأرقام لا تعالج المرضى، والنسب المئوية لا تصلح الأجهزة المعطلة، والوعود لا تختصر طوابير الانتظار.

المطلوب هو خارطة طريق واضحة، بأهداف قابلة للقياس والمساءلة.

في سنة 2027، ينبغي أن تكون كل مجموعة صحية ترابية قادرة على معرفة تكاليفها الحقيقية، وحجم مستحقاتها المالية، والخسائر الناتجة عن ضعف الفوترة.

في سنة 2028، يُفترض أن تكون مسارات الفوترة والتحصيل قد قطعت أشواطًا متقدمة في الرقمنة والربط المعلوماتي.

خلال سنتي 2029 و2030، ينبغي إخضاع الأداء الطبي والمالي لتقييمات مستقلة، تكشف الاختلالات وتحدد المسؤوليات وتقترح التصحيحات الضرورية.

أما في سنة 2031، فلن يكون النجاح الحقيقي مجرد الإعلان عن بلوغ نسبة 50% من نفقات التأمين الصحي لفائدة المؤسسات العمومية.

بل سيكون النجاح هو إثبات أن المواطن المغربي أصبح يحصل على العلاج بشكل أسرع، وبجودة أفضل، وبقدر أكبر من العدالة، مهما كانت وضعيته الاجتماعية أو مكان إقامته.

◆ الإصلاح الصحي لا يُقاس بالدرهم وحده

إن المستشفى الذي يعالج دون أن يفوتر خدماته القابلة للفوترة يعرّض موارده للاستنزاف.

والمستشفى الذي يصدر الفواتير دون أن يُحصّل مستحقاتها يجد نفسه تدريجيًا أمام اختناق مالي.

أما المستشفى الذي يجعل تحصيل الأموال غايته الوحيدة، فقد يفقد جوهر رسالته الإنسانية.

لهذا، فإن التحدي الأكبر أمام المجموعات الصحية الترابية يتمثل في التوفيق بين ثلاثة مبادئ لا ينبغي الفصل بينها:

التميز الطبي، والصرامة المالية، والعدالة الاجتماعية.

وإذا لم تنجح هذه المعادلة، فقد يجد المغرب نفسه أمام مفارقة مؤلمة: إصلاح ناجح على الورق وفي الجداول المحاسباتية، لكنه متعثر في غرف العلاج وأقسام المستعجلات.

وحينها، لن تُقاس كلفة الإخفاق بالملايين من الدراهم الضائعة فقط، بل أيضًا بمرضى لم يحصلوا على الرعاية اللازمة، وبأسر أنهكتها المعاناة، وبثقة المواطنين التي تراجعت، وبسيادة صحية وطنية ازدادت هشاشة.

فالمغرب لا يحتاج فقط إلى مستشفيات تعرف كيف تعالج، وكيف تُصدر الفواتير، وكيف تسترجع أموالها.

إنه يحتاج، قبل كل شيء، إلى مستشفيات عمومية تعرف كيف تحافظ على حياة الإنسان وكرامته، دون أن تهدر الموارد التي تضمن استمرار رسالتها.
 
★ د. أنور الشرقاوي - خبير في التواصل الطبي والصحي ★



في نفس الركن