*بقلم: بوشعيب حمراوي*
متى تلتفت الحكومة، ومعها المحامون وباقي موظفي المحاكم، إلى أن هناك ملفات قضائية تفرض محاكمة عادلة وعاجلة لتحقيق الإنصاف وترتيب الجزاءات ووقف معاناة مواطنين؟
هناك لحظة يصبح فيها الصمت عن معاناة المتقاضين نوعاً من المشاركة غير المباشرة في تكريسها، خصوصاً عندما تتحول أبواب المحاكم، التي يفترض أن تكون آخر ما يلجأ إليه المواطن لاسترداد حق ضاع، أو لرفع ظلم وقع، أو لوقف اعتداء مستمر، أو لترتيب جزاء على من خالف القانون، إلى أبواب يدخل منها المواطن محملاً بالأمل، ويخرج منها محملاً بموعد جديد، وتأجيل جديد، ومصاريف جديدة، وقلق جديد، فيما تستمر الخصومة، ويستمر الضرر، ويستمر الجاني أحياناً في حياته الطبيعية، وتبقى الضحية وحدها مطالبة بالصبر وانتظار عودة السير العادي للمحكمة.
ولذلك، فإن هذه المقالة ليست ضد المحامين، وليست ضد موظفي المحاكم، وليست دفاعاً عن الحكومة أو وزارة العدل، كما أنها لا تسعى إلى الطعن في شرعية الإضراب أو الاحتجاج، أو التقليل من شأن المطالب المهنية والاجتماعية المشروعة لأي فئة من الفئات العاملة داخل منظومة العدالة؛ إنها ببساطة مرافعة من أجل ذلك الطرف الذي لا يملك نقابة تفاوض باسمه، ولا هيئة مهنية تصدر البلاغات دفاعاً عنه، ولا وزارة تجلس إلى طاولة الحوار لعرض مطالبه، ومع ذلك فهو الطرف الذي يفترض أن المنظومة كلها أنشئت أساساً من أجله: المتقاضي.
نؤمن بحق الإضراب.. لكننا نؤمن أيضاً بحق المواطن في العدالة
ليس مطلوباً من المحامي أن يتخلى عن حقه في الدفاع عن استقلال مهنته وكرامتها وحصانة الدفاع، وليس مطلوباً من المنتدب القضائي أو المحرر القضائي أو كاتب الضبط أن يصمت عندما يرى أن له حقوقاً مهنية أو مادية أو إدارية لم تتحقق، وليس مطلوباً من النقابات أن تتخلى عن دورها في الترافع والضغط والتفاوض، لأن الإضراب والاحتجاج جزء من الحقوق التي يضمنها النظام الدستوري والقانوني، ولأن الحقوق المهنية لا تصبح أقل قيمة لمجرد أن أصحابها يعملون داخل مرفق حساس.
لكن الاعتراف بحق الإضراب لا يعني أن نتوقف عن التفكير في حدوده عندما يصطدم بحقوق أساسية لأشخاص لا علاقة لهم بالنزاع، ولا يعني أن يصبح كل ما يترتب عن الإضراب مباحاً ومقبولاً لمجرد أن أصل الاحتجاج مشروع، لأن الحقوق لا تعيش في جزر معزولة، ولأن ممارسة حق لا ينبغي أن تتحول، إذا أمكن تجنب ذلك، إلى إلغاء عملي لحقوق أشخاص آخرين.
وهنا تبدأ المعادلة الصعبة التي يجب أن نمتلك الجرأة على مناقشتها دون مزايدات: الإضراب حق مشروع، ولكن هل من المشروع أن تصبح العدالة نفسها متوقفة إلى أجل غير معلوم؟
هناك فرق بين تعطيل مصلحة إدارية وتأجيل مصير إنسان
من السهل في اللغة الإدارية أن نقول إن جلسة أُجلت، وإن ملفاً سيعاد إدراجه في جلسة مقبلة، وإن إجراءً لم ينجز اليوم وسيتم إنجازه لاحقاً، لكن هذه الكلمات الباردة التي تبدو عادية على الورق قد تعني في حياة أصحابها شيئاً مختلفاً تماماً؛ فقد يعني التأجيل استمرار شخص في الاعتقال، أو استمرار امرأة وأطفالها في انتظار النفقة، أو استمرار أجير في انتظار مستحقاته، أو استمرار نزاع يمنع مواطناً من التصرف في ملكه، أو استمرار ضحية في معاناة نفسية واجتماعية لأن الملف لم يصل بعد إلى مرحلة ترتيب المسؤوليات والجزاءات.
المحاكم ليست إدارات عادية يمكن أن نقول فيها للمواطن: عد غداً، وكأن الغد لا يكلف شيئاً.
هناك أشخاص يقطعون عشرات أو مئات الكيلومترات لحضور جلسة، ويغادرون أعمالهم، وينفقون المال على النقل والإقامة وأتعاب الدفاع، ويعيشون أياماً من التوتر استعداداً لمواجهة خصومهم أو للاستماع إلى حكم قد يغير مسار حياتهم، ثم يفاجؤون بأن كل شيء تأجل لأن واحداً من مكونات المنظومة دخل في نزاع مع الحكومة.
ومن حقنا هنا أن نسأل: من يعوض هؤلاء عن الزمن؟
فالمال قد يعوض. لكن من يعيد شهراً ضاع من عمر معتقل؟
ومن يعيد الطمأنينة لأسرة ظلت تنتظر؟
ومن يعوض ضحية عن استمرار معاناتها؟
ومن يتحمل أثر تأخير جزاء كان يمكن أن يوقف ضرراً مستمراً؟
الفصل 120 ليس جملة دستورية للزينة
ينص الفصل 120 من الدستور المغربي بوضوح على أن «لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول. حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم». وهذه ليست عبارة إنشائية وضعت لتجميل النص الدستوري، وإنما التزام يضع المتقاضي وحقوق الدفاع والزمن القضائي في قلب مفهوم العدالة نفسه.
ومعنى ذلك أن الحديث عن العدالة لا يكتمل بمجرد وجود محكمة وقاض ومحام وموظف وملف يحمل رقماً؛ فالعدالة مرتبطة أيضاً بالوقت، لأن المشرع الدستوري لم يقل فقط إن لكل شخص الحق في حكم، وإنما أضاف عبارة شديدة الدلالة: «داخل أجل معقول».
وهذه العبارة يجب أن تقلقنا جميعاً كلما تكرر التأجيل بسبب نزاع مهني أو إضراب طويل، لأنها تجعل الزمن جزءاً من الحق نفسه، وتجعل السؤال عن التأخير سؤالاً دستورياً وحقوقياً، وليس مجرد تذمر من مواطن ضاق ذرعاً بالانتظار.
احتجاج المحامين اليوم يعيد سؤالاً قديماً لم نحسمه
الأزمة الحالية المرتبطة بالقانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة أعادت هذا السؤال بقوة إلى الواجهة، خصوصاً بعدما قرر مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في 18 غشت 2026، مواصلة الامتناع عن تقديم الخدمات المهنية، في سياق خلاف مستمر حول القانون ومضمونه ومسار اعتماده.
وللمحامين بكل تأكيد الحق في الدفاع عن تصورهم لمهنتهم، وعن استقلالية المحاماة وحصانة الدفاع وكل الضمانات التي يعتبرونها ضرورية لكي يظل المحامي قادراً على أداء رسالته دون تضييق أو تبعية، بل إن استقلال المحاماة ليس مطلباً خاصاً بالمحامي وحده، لأن المواطن نفسه يحتاج إلى محام مستقل وقوي وقادر على الدفاع عنه بحرية.
كما أن الحكومة، من جهتها، لها الحق والمسؤولية في اقتراح التشريعات وإصلاح المهن القانونية وتحديثها، وقد قدمت القانون باعتباره جزءاً من تحديث منظومة العدالة وتعزيز الحكامة والشفافية والتكوين وتنظيم العلاقة بين المحامي وموكله.
إذن نحن أمام موقفين لكل واحد منهما حججه، ولسنا مطالبين بأن نتحول إلى مشجعين لهذا الطرف أو ذاك.
لكننا مطالبون بأن نسأل الطرفين معاً: أين المتقاضي من كل هذا؟
لا نريد محامياً ضعيفاً.. ولا نريد متقاضياً بلا محام
إن استقلال المحامي جزء أساسي من شروط المحاكمة العادلة، ومن الخطأ أن ينظر المواطن إلى مطالب المحامين باعتبارها مجرد دفاع عن امتيازات مهنية، لأن المحامي حين يدافع عن حصانة الدفاع أو السر المهني أو استقلال قراره، فإنه في الأصل يحمي قدرة المواطن على أن يجد من يقف إلى جانبه في مواجهة خصم قد يكون أكثر قوة أو نفوذاً أو معرفة بالقانون.
لكن المفارقة تصبح مؤلمة عندما يتحول الدفاع عن شروط ممارسة الدفاع إلى وضع يجد فيه المتقاضي نفسه عاجزاً عن الاستفادة من الدفاع.
لا نريد محامياً منزوع الاستقلال. ولكننا أيضاً لا نريد متقاضياً يبحث عن محام فلا يجده بسبب توقف جماعي طويل.
لا نريد من الحكومة أن تفرض تصوراً مغلقاً على مهنة لها خصوصيتها واستقلاليتها. لكننا أيضاً لا نريد أن يصبح المواطن وسيلة ضغط غير معلنة على الحكومة.
ومن هنا يجب أن ينتقل السؤال من: من سينتصر في المواجهة؟ إلى سؤال أكثر قيمة: كيف نحمي استقلال المهنة دون أن يتوقف حق المواطن في العدالة؟
مشكلة تعطيل المحاكم لم تبدأ مع المحامين
سيكون ظلماً للمحامين أن نحملهم وحدهم مسؤولية ظاهرة سبق للمتقاضين أن عانوا منها خلال إضرابات واحتجاجات مكونات أخرى داخل المحاكم.
فهيئة كتابة الضبط، التي تضم وفق نظامها الأساسي المنتدبين القضائيين والمحررين القضائيين وكتاب الضبط، تشكل جزءاً محورياً من عمل المحاكم، ولا يمكن تصور سير يومي طبيعي للعدالة بدون الأدوار الإجرائية والإدارية التي تقوم بها هذه الأطر.
وقد وصفت وزارة العدل نفسها كتابة الضبط بأنها لم تعد مجرد جهاز مساعد للقضاء، بل فاعل محوري في النجاعة القضائية، بالنظر إلى ما تضطلع به من تتبع للملفات واحترام للآجال وتوثيق للإجراءات ومواكبة للزمن القضائي.
وهذا بالضبط ما يجعل أي توقف واسع لعمل هذه الفئات ذا أثر يتجاوز الموظف ووزارته ليصل مباشرة إلى المتقاضي.
فالمنتدب القضائي ليس مجرد رقم في سلم إداري. والمحرر القضائي ليس موظفاً هامشياً. وكاتب الضبط ليس مجرد شخص يجلس خلف مكتب.
إنهم حلقات داخل سلسلة، وإذا توقفت حلقات أساسية منها، تعطلت الحركة كلها.
وموظفو المحاكم كذلك أصحاب حقوق.. فلا نظلمهم ونحن ندافع عن المتقاضي
الحياد الحقيقي يفرض علينا ألا ندافع عن المواطن بتحويل الموظف إلى متهم. فموظفو هيئة كتابة الضبط لديهم ملفات مطلبية حقيقية، وقد عقدت وزارة العدل، في أبريل 2026، جلسات للحوار القطاعي مع النقابات الأكثر تمثيلية تناولت أوضاعاً إدارية ومالية، والترقي، والساعات الإضافية، والديمومة، والتعويضات، والتكوين، وغيرها من الملفات المهنية. وهذا يعني أن هناك أسباباً موضوعية للحوار ومطالب لا ينبغي السخرية منها أو تجاهلها.
لكن وجود المطالب شيء، والطريقة التي تدار بها تداعيات الاحتجاج على المواطنين شيء آخر.
ومثلما نقول للحكومة إن عليها أن تستمع إلى المحامين، نقول لها إن عليها أن تستمع إلى موظفيها قبل أن يصل الاحتقان إلى مرحلة يكون فيها إغلاق الشباك أو توقف الإجراء وسيلة الضغط الوحيدة.
ومثلما نقول للمحامين إن المتقاضي لا ينبغي أن يصبح ضحية صراعهم مع الحكومة، نقول للمنتدبين القضائيين والمحررين القضائيين وكتاب الضبط إن المواطن ليس مسؤولاً عن تأخر تسوية وضعية إدارية أو صرف تعويض أو تنفيذ اتفاق.
المعيار يجب أن يكون واحداً مع الجميع.
الحكومة ليست متفرجاً بريئاً
ومن غير المقبول أيضاً أن نتعامل مع الحكومة وكأنها تقف خارج المشهد تنتظر من المضربين أن يعودوا إلى أعمالهم.
فإذا كانت الاحتجاجات تتكرر في قطاع حساس إلى درجة أنها تؤثر في السير العادي للعدالة، فإن مسؤولية الحكومة لا تبدأ صباح يوم الإضراب، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، منذ لحظة ظهور المطالب وتراكمها وتعثر الحوار وتأخر تنفيذ الاتفاقات أو فشل التواصل أو وصول الثقة بين الوزارة والفئات المهنية إلى مستويات متدنية.
الحكومة التي تعلم أن توقف المحامين سيضر بالمتقاضين مطالبة ببذل أقصى الجهد لتجنب الوصول إلى التوقف.
والحكومة التي تعلم أن إضراب موظفي كتابة الضبط يمكن أن يشل إجراءات المحكمة مطالبة بألا تترك الملفات المطلبية حتى تتعفن.
لا يمكن أن نطلب دائماً من الطرف المحتج وحده أن يتحمل مسؤولية استمرارية المرفق، بينما يكتفي الطرف الحكومي بالتذكير بأن الإضراب أضر بالمواطنين.
الوقاية من تعطيل العدالة جزء من مسؤولية تدبير العدالة.
والمواطن لا يعنيه من ربح الجولة
قد تخرج الحكومة من أزمة ما وهي تقول إنها لم تتراجع. وقد تخرج هيئة مهنية وهي تقول إنها فرضت مطالبها. وقد تعلن نقابة أنها حققت نسبة استجابة مهمة لملفها المطلبي.
لكن المواطن الذي أمضى شهوراً ينتظر جلسة لا تعنيه كثيراً هذه اللغة. لا يهمه من كسب الجولة إذا كان هو من خسر الزمن. ولا يهمه عدد البلاغات إذا بقي ملفه مكانه. ولا تهمه قوة التصريحات إذا استمر الضرر الذي لجأ إلى المحكمة من أجل وقفه.
هناك متقاضون لا يبحثون عن تعويض مالي فقط، بل عن إنصاف.
وهناك قضايا لا يتعلق المطلوب فيها بمجرد إصدار حكم، بل بترتيب الجزاءات التي تجعل القانون قانوناً، وتجعل من يعتدي على حقوق الآخرين يدرك أن أفعاله لها تبعات.
وحين يتأخر هذا الجزاء طويلاً، فإننا لا نؤخر الملف فقط؛ قد نضعف أيضاً الأثر الردعي للقانون، ونترك الضحية تعيش إحساساً بأن المعتدي أسرع من العدالة.
بعض الملفات لا تحتمل منطق «سنعود إليها لاحقاً»
هناك دعاوى يمكن أن يؤدي تأخيرها إلى أضرار قابلة للتدارك.
لكن هناك ملفات أخرى يكون الزمن فيها عنصراً حاسماً.
قضية معتقل. نزاع أسري يمس طفلاً. نفقة أسرة لا مورد لها. عنف يستوجب الحماية. حق مهني أو اجتماعي يرتبط بمصدر رزق. نزاع تجاري قد يؤدي تأخره إلى إفلاس مقاولة. تنفيذ حكم ظل صاحبه ينتظره سنوات... وقضايا أخرى لا يمكن اختزالها في رقم جلسة مؤجلة.
ولهذا، فإن الحديث عن استمرارية العدالة يجب ألا يبقى شعاراً عاماً، وإنما ينبغي أن يتحول إلى نظام عملي واضح يحدد ما الذي لا يجوز أن يتوقف حتى في أشد لحظات الاحتجاج.
لماذا لا نتفق على حد أدنى لا يتوقف؟
إذا كان من غير الممكن أو غير العادل منع الإضراب، وإذا كان من غير المقبول أيضاً أن تتوقف العدالة بشكل يمس الحقوق الأساسية، فلماذا لا نبحث عن نقطة التوازن؟
لماذا لا تفتح الحكومة والهيئات المهنية والنقابات نقاشاً جدياً حول ضمان حد أدنى فعلي من الخدمات القضائية في الحالات التي تمس الحرية أو الآجال أو الحقوق الأسرية أو الأوضاع الاستعجالية، وفق ضمانات دقيقة لا تحول الحد الأدنى إلى وسيلة لإفراغ الإضراب من مضمونه، ولا تحول الإضراب، في المقابل، إلى شلل شامل يضع المتقاضي أمام أبواب مغلقة؟
لسنا بحاجة إلى حرمان المحتج من سلاحه المشروع.
نحن بحاجة إلى منع تحول المواطن إلى ذخيرة في هذا السلاح.
وهناك فرق كبير بين الأمرين.
أبدعوا في الاحتجاج بدل أن يكون المتقاضي أقصر طريق للضغط
المحامون، وهم أصحاب خبرة في القانون والمرافعة، قادرون على ابتكار أشكال احتجاجية قوية تجعل رسالتهم تصل إلى الحكومة والمجتمع دون أن يكون المواطن أكبر المتضررين.
والنقابات التي تمثل موظفي المحاكم قادرة بدورها على تطوير وسائل نضالية تضغط على الوزارة وتحافظ، في الوقت نفسه، على القضايا شديدة الاستعجال.
والحكومة مطالبة قبل الجميع بأن تخلق مؤسسات حوار حقيقية لا تكون اجتماعاتها موسمية، ولا تتحرك فقط عندما تصل الأزمة إلى الباب الأخير.
فليس من العدل أن يصبح الطريق الأسرع للضغط على الحكومة هو تعطيل مصالح المواطنين.
لأن في ذلك مفارقة غير مقبولة: المواطن الذي لم يصنع الأزمة يتحول إلى وسيلة لحلها.
ليس كل تأخير مجرد تأجيل
يجب أن نغير لغتنا أيضاً.
حين نقول «أجلت القضية» يبدو الأمر وكأنه انتقال بسيط من تاريخ إلى تاريخ. لكن التأجيل في الواقع قد يعني شهراً إضافياً من الخوف.
شهراً إضافياً من انتظار حق مالي. شهراً إضافياً من استمرار خصومة. شهراً إضافياً من عدم تنفيذ حكم. شهراً إضافياً من شعور الضحية بأن القانون لم يصل إليها بعد.
ولهذا، فإن «الأجل المعقول» الوارد في الدستور لا ينبغي التعامل معه كعبارة تقنية، بل كمبدأ إنساني قبل كل شيء.
فالعدالة التي تصل متأخرة جداً قد تنصف الملف، لكنها لا تستطيع دائماً إصلاح كل ما سببه الانتظار للإنسان.
لا تجعلوا المتقاضي أضعف حلقة لأنه لا يستطيع الإضراب
المفارقة المؤلمة أن كل طرف داخل المنظومة يملك وسيلة للدفاع عن نفسه.
الحكومة تملك التشريع والقرار والإدارة. والمحامون يملكون هيئاتهم وقوتهم المهنية وأشكال احتجاجهم. والموظفون يملكون نقاباتهم وإضراباتهم. أما المتقاضي فلا يملك إلا الانتظار.
لا يستطيع المواطن أن يعلن إضراباً ضد تأجيل قضيته. ولا يستطيع المعتقل أن يعيد يوماً إضافياً من حياته. ولا تستطيع الأم التي تنتظر نفقة أطفالها أن تطلب من الزمن أن يتوقف حتى يعود السير العادي للمحكمة. ولا يستطيع ضحية اعتداء أن يقول لمعاناته النفسية والاجتماعية: انتظري حتى تنتهي المفاوضات.
وهنا تكمن مسؤولية الجميع. فكلما كان الطرف أضعف، كان واجب حمايته أكبر.
لا غالب ولا مغلوب.. إلا إذا خسر المتقاضي
ليست العدالة حلبة صراع بين وزارة العدل والمحامين.
وليست ميداناً لإثبات قدرة النقابة على شل المرفق أو قدرة الإدارة على كسر الإضراب. ولا ينبغي أن تصبح حقوق المواطنين خسائر جانبية في معارك الإصلاح والمطالب المهنية.
نريد حكومة قوية، ولكن قوة الحكومة في قدرتها على حل الأزمات، لا في انتظار إنهاك أصحابها. ونريد محاماة قوية ومستقلة، ولكن قوة المحاماة تظهر أيضاً في قدرتها على حماية المواطن حتى وهي تدافع عن نفسها.
ونريد موظفين يتمتعون بالكرامة والحقوق والتحفيز، لأن الموظف الذي يعيش الظلم المهني لن يكون في أفضل الظروف لخدمة العدالة.
لكننا، فوق ذلك كله، نريد عدالة قوية. وعدالة تتوقف كلما دخل أحد مكوناتها في خلاف مع الآخر لا تزال بحاجة إلى بناء آليات أقوى لحماية استمراريتها.
متى يلتفت الجميع إلى صاحب الملف القضائي؟
هذا هو السؤال الذي نريد أن يبقى بعد قراءة كل هذه السطور.
متى تلتفت الحكومة، ومعها المحامون والمنتدبون القضائيون والمحررون القضائيون وكتاب الضبط وكل من له دور في السير اليومي للمحاكم، إلى أن الملفات القضائية التي يرونها فوق المكاتب ليست أوراقاً صامتة، وإنما وراء كل واحد منها قصة إنسان قد يكون وصل إلى المحكمة بعدما استنفد كل الحلول الأخرى؟
متى ندرك أن وراء رقم القضية شخصاً قد لا ينام؟
وأن وراء طلب التنفيذ أسرة تنتظر؟
وأن وراء شكاية ضحية ألماً؟
وأن وراء ملف معتقل حرية؟
وأن وراء حكم منتظر نهاية لنزاع استنزف سنوات من حياة أصحابه؟
عندها فقط سنفهم أن تعطيل المحكمة ليس تعطيل بناية ومكاتب وحواسيب وجلسات. إنه تعطيل لحياة بشر.
دافعوا عن حقوقكم.. لكن لا تنسوا حق من جاء يطلب العدالة
فالعدالة التي تطلب من المظلوم أن ينتظر بلا نهاية حتى ينتهي الآخرون من خلافاتهم، تحتاج هي نفسها إلى من يترافع من أجلها.
لذلك، فالمعادلة الصعبة ليست بين حق الإضراب ومنعه، وإنما في أن ننجح في حماية حق المضرب من دون أن نهدم حق المتقاضي؛ لأن دولة الحق لا تبنى بحق واحد على حساب حق آخر، والعدالة لا تكون عادلة فعلاً إلا عندما تحمي الجميع، وخصوصاً ذلك المواطن الواقف بصمت أمام باب المحكمة، ينتظر فقط أن يأتي دوره في الإنصاف.
ولذلك، فإن هذه المقالة ليست ضد المحامين، وليست ضد موظفي المحاكم، وليست دفاعاً عن الحكومة أو وزارة العدل، كما أنها لا تسعى إلى الطعن في شرعية الإضراب أو الاحتجاج، أو التقليل من شأن المطالب المهنية والاجتماعية المشروعة لأي فئة من الفئات العاملة داخل منظومة العدالة؛ إنها ببساطة مرافعة من أجل ذلك الطرف الذي لا يملك نقابة تفاوض باسمه، ولا هيئة مهنية تصدر البلاغات دفاعاً عنه، ولا وزارة تجلس إلى طاولة الحوار لعرض مطالبه، ومع ذلك فهو الطرف الذي يفترض أن المنظومة كلها أنشئت أساساً من أجله: المتقاضي.
نؤمن بحق الإضراب.. لكننا نؤمن أيضاً بحق المواطن في العدالة
ليس مطلوباً من المحامي أن يتخلى عن حقه في الدفاع عن استقلال مهنته وكرامتها وحصانة الدفاع، وليس مطلوباً من المنتدب القضائي أو المحرر القضائي أو كاتب الضبط أن يصمت عندما يرى أن له حقوقاً مهنية أو مادية أو إدارية لم تتحقق، وليس مطلوباً من النقابات أن تتخلى عن دورها في الترافع والضغط والتفاوض، لأن الإضراب والاحتجاج جزء من الحقوق التي يضمنها النظام الدستوري والقانوني، ولأن الحقوق المهنية لا تصبح أقل قيمة لمجرد أن أصحابها يعملون داخل مرفق حساس.
لكن الاعتراف بحق الإضراب لا يعني أن نتوقف عن التفكير في حدوده عندما يصطدم بحقوق أساسية لأشخاص لا علاقة لهم بالنزاع، ولا يعني أن يصبح كل ما يترتب عن الإضراب مباحاً ومقبولاً لمجرد أن أصل الاحتجاج مشروع، لأن الحقوق لا تعيش في جزر معزولة، ولأن ممارسة حق لا ينبغي أن تتحول، إذا أمكن تجنب ذلك، إلى إلغاء عملي لحقوق أشخاص آخرين.
وهنا تبدأ المعادلة الصعبة التي يجب أن نمتلك الجرأة على مناقشتها دون مزايدات: الإضراب حق مشروع، ولكن هل من المشروع أن تصبح العدالة نفسها متوقفة إلى أجل غير معلوم؟
هناك فرق بين تعطيل مصلحة إدارية وتأجيل مصير إنسان
من السهل في اللغة الإدارية أن نقول إن جلسة أُجلت، وإن ملفاً سيعاد إدراجه في جلسة مقبلة، وإن إجراءً لم ينجز اليوم وسيتم إنجازه لاحقاً، لكن هذه الكلمات الباردة التي تبدو عادية على الورق قد تعني في حياة أصحابها شيئاً مختلفاً تماماً؛ فقد يعني التأجيل استمرار شخص في الاعتقال، أو استمرار امرأة وأطفالها في انتظار النفقة، أو استمرار أجير في انتظار مستحقاته، أو استمرار نزاع يمنع مواطناً من التصرف في ملكه، أو استمرار ضحية في معاناة نفسية واجتماعية لأن الملف لم يصل بعد إلى مرحلة ترتيب المسؤوليات والجزاءات.
المحاكم ليست إدارات عادية يمكن أن نقول فيها للمواطن: عد غداً، وكأن الغد لا يكلف شيئاً.
هناك أشخاص يقطعون عشرات أو مئات الكيلومترات لحضور جلسة، ويغادرون أعمالهم، وينفقون المال على النقل والإقامة وأتعاب الدفاع، ويعيشون أياماً من التوتر استعداداً لمواجهة خصومهم أو للاستماع إلى حكم قد يغير مسار حياتهم، ثم يفاجؤون بأن كل شيء تأجل لأن واحداً من مكونات المنظومة دخل في نزاع مع الحكومة.
ومن حقنا هنا أن نسأل: من يعوض هؤلاء عن الزمن؟
فالمال قد يعوض. لكن من يعيد شهراً ضاع من عمر معتقل؟
ومن يعيد الطمأنينة لأسرة ظلت تنتظر؟
ومن يعوض ضحية عن استمرار معاناتها؟
ومن يتحمل أثر تأخير جزاء كان يمكن أن يوقف ضرراً مستمراً؟
الفصل 120 ليس جملة دستورية للزينة
ينص الفصل 120 من الدستور المغربي بوضوح على أن «لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول. حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم». وهذه ليست عبارة إنشائية وضعت لتجميل النص الدستوري، وإنما التزام يضع المتقاضي وحقوق الدفاع والزمن القضائي في قلب مفهوم العدالة نفسه.
ومعنى ذلك أن الحديث عن العدالة لا يكتمل بمجرد وجود محكمة وقاض ومحام وموظف وملف يحمل رقماً؛ فالعدالة مرتبطة أيضاً بالوقت، لأن المشرع الدستوري لم يقل فقط إن لكل شخص الحق في حكم، وإنما أضاف عبارة شديدة الدلالة: «داخل أجل معقول».
وهذه العبارة يجب أن تقلقنا جميعاً كلما تكرر التأجيل بسبب نزاع مهني أو إضراب طويل، لأنها تجعل الزمن جزءاً من الحق نفسه، وتجعل السؤال عن التأخير سؤالاً دستورياً وحقوقياً، وليس مجرد تذمر من مواطن ضاق ذرعاً بالانتظار.
احتجاج المحامين اليوم يعيد سؤالاً قديماً لم نحسمه
الأزمة الحالية المرتبطة بالقانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة أعادت هذا السؤال بقوة إلى الواجهة، خصوصاً بعدما قرر مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في 18 غشت 2026، مواصلة الامتناع عن تقديم الخدمات المهنية، في سياق خلاف مستمر حول القانون ومضمونه ومسار اعتماده.
وللمحامين بكل تأكيد الحق في الدفاع عن تصورهم لمهنتهم، وعن استقلالية المحاماة وحصانة الدفاع وكل الضمانات التي يعتبرونها ضرورية لكي يظل المحامي قادراً على أداء رسالته دون تضييق أو تبعية، بل إن استقلال المحاماة ليس مطلباً خاصاً بالمحامي وحده، لأن المواطن نفسه يحتاج إلى محام مستقل وقوي وقادر على الدفاع عنه بحرية.
كما أن الحكومة، من جهتها، لها الحق والمسؤولية في اقتراح التشريعات وإصلاح المهن القانونية وتحديثها، وقد قدمت القانون باعتباره جزءاً من تحديث منظومة العدالة وتعزيز الحكامة والشفافية والتكوين وتنظيم العلاقة بين المحامي وموكله.
إذن نحن أمام موقفين لكل واحد منهما حججه، ولسنا مطالبين بأن نتحول إلى مشجعين لهذا الطرف أو ذاك.
لكننا مطالبون بأن نسأل الطرفين معاً: أين المتقاضي من كل هذا؟
لا نريد محامياً ضعيفاً.. ولا نريد متقاضياً بلا محام
إن استقلال المحامي جزء أساسي من شروط المحاكمة العادلة، ومن الخطأ أن ينظر المواطن إلى مطالب المحامين باعتبارها مجرد دفاع عن امتيازات مهنية، لأن المحامي حين يدافع عن حصانة الدفاع أو السر المهني أو استقلال قراره، فإنه في الأصل يحمي قدرة المواطن على أن يجد من يقف إلى جانبه في مواجهة خصم قد يكون أكثر قوة أو نفوذاً أو معرفة بالقانون.
لكن المفارقة تصبح مؤلمة عندما يتحول الدفاع عن شروط ممارسة الدفاع إلى وضع يجد فيه المتقاضي نفسه عاجزاً عن الاستفادة من الدفاع.
لا نريد محامياً منزوع الاستقلال. ولكننا أيضاً لا نريد متقاضياً يبحث عن محام فلا يجده بسبب توقف جماعي طويل.
لا نريد من الحكومة أن تفرض تصوراً مغلقاً على مهنة لها خصوصيتها واستقلاليتها. لكننا أيضاً لا نريد أن يصبح المواطن وسيلة ضغط غير معلنة على الحكومة.
ومن هنا يجب أن ينتقل السؤال من: من سينتصر في المواجهة؟ إلى سؤال أكثر قيمة: كيف نحمي استقلال المهنة دون أن يتوقف حق المواطن في العدالة؟
مشكلة تعطيل المحاكم لم تبدأ مع المحامين
سيكون ظلماً للمحامين أن نحملهم وحدهم مسؤولية ظاهرة سبق للمتقاضين أن عانوا منها خلال إضرابات واحتجاجات مكونات أخرى داخل المحاكم.
فهيئة كتابة الضبط، التي تضم وفق نظامها الأساسي المنتدبين القضائيين والمحررين القضائيين وكتاب الضبط، تشكل جزءاً محورياً من عمل المحاكم، ولا يمكن تصور سير يومي طبيعي للعدالة بدون الأدوار الإجرائية والإدارية التي تقوم بها هذه الأطر.
وقد وصفت وزارة العدل نفسها كتابة الضبط بأنها لم تعد مجرد جهاز مساعد للقضاء، بل فاعل محوري في النجاعة القضائية، بالنظر إلى ما تضطلع به من تتبع للملفات واحترام للآجال وتوثيق للإجراءات ومواكبة للزمن القضائي.
وهذا بالضبط ما يجعل أي توقف واسع لعمل هذه الفئات ذا أثر يتجاوز الموظف ووزارته ليصل مباشرة إلى المتقاضي.
فالمنتدب القضائي ليس مجرد رقم في سلم إداري. والمحرر القضائي ليس موظفاً هامشياً. وكاتب الضبط ليس مجرد شخص يجلس خلف مكتب.
إنهم حلقات داخل سلسلة، وإذا توقفت حلقات أساسية منها، تعطلت الحركة كلها.
وموظفو المحاكم كذلك أصحاب حقوق.. فلا نظلمهم ونحن ندافع عن المتقاضي
الحياد الحقيقي يفرض علينا ألا ندافع عن المواطن بتحويل الموظف إلى متهم. فموظفو هيئة كتابة الضبط لديهم ملفات مطلبية حقيقية، وقد عقدت وزارة العدل، في أبريل 2026، جلسات للحوار القطاعي مع النقابات الأكثر تمثيلية تناولت أوضاعاً إدارية ومالية، والترقي، والساعات الإضافية، والديمومة، والتعويضات، والتكوين، وغيرها من الملفات المهنية. وهذا يعني أن هناك أسباباً موضوعية للحوار ومطالب لا ينبغي السخرية منها أو تجاهلها.
لكن وجود المطالب شيء، والطريقة التي تدار بها تداعيات الاحتجاج على المواطنين شيء آخر.
ومثلما نقول للحكومة إن عليها أن تستمع إلى المحامين، نقول لها إن عليها أن تستمع إلى موظفيها قبل أن يصل الاحتقان إلى مرحلة يكون فيها إغلاق الشباك أو توقف الإجراء وسيلة الضغط الوحيدة.
ومثلما نقول للمحامين إن المتقاضي لا ينبغي أن يصبح ضحية صراعهم مع الحكومة، نقول للمنتدبين القضائيين والمحررين القضائيين وكتاب الضبط إن المواطن ليس مسؤولاً عن تأخر تسوية وضعية إدارية أو صرف تعويض أو تنفيذ اتفاق.
المعيار يجب أن يكون واحداً مع الجميع.
الحكومة ليست متفرجاً بريئاً
ومن غير المقبول أيضاً أن نتعامل مع الحكومة وكأنها تقف خارج المشهد تنتظر من المضربين أن يعودوا إلى أعمالهم.
فإذا كانت الاحتجاجات تتكرر في قطاع حساس إلى درجة أنها تؤثر في السير العادي للعدالة، فإن مسؤولية الحكومة لا تبدأ صباح يوم الإضراب، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، منذ لحظة ظهور المطالب وتراكمها وتعثر الحوار وتأخر تنفيذ الاتفاقات أو فشل التواصل أو وصول الثقة بين الوزارة والفئات المهنية إلى مستويات متدنية.
الحكومة التي تعلم أن توقف المحامين سيضر بالمتقاضين مطالبة ببذل أقصى الجهد لتجنب الوصول إلى التوقف.
والحكومة التي تعلم أن إضراب موظفي كتابة الضبط يمكن أن يشل إجراءات المحكمة مطالبة بألا تترك الملفات المطلبية حتى تتعفن.
لا يمكن أن نطلب دائماً من الطرف المحتج وحده أن يتحمل مسؤولية استمرارية المرفق، بينما يكتفي الطرف الحكومي بالتذكير بأن الإضراب أضر بالمواطنين.
الوقاية من تعطيل العدالة جزء من مسؤولية تدبير العدالة.
والمواطن لا يعنيه من ربح الجولة
قد تخرج الحكومة من أزمة ما وهي تقول إنها لم تتراجع. وقد تخرج هيئة مهنية وهي تقول إنها فرضت مطالبها. وقد تعلن نقابة أنها حققت نسبة استجابة مهمة لملفها المطلبي.
لكن المواطن الذي أمضى شهوراً ينتظر جلسة لا تعنيه كثيراً هذه اللغة. لا يهمه من كسب الجولة إذا كان هو من خسر الزمن. ولا يهمه عدد البلاغات إذا بقي ملفه مكانه. ولا تهمه قوة التصريحات إذا استمر الضرر الذي لجأ إلى المحكمة من أجل وقفه.
هناك متقاضون لا يبحثون عن تعويض مالي فقط، بل عن إنصاف.
وهناك قضايا لا يتعلق المطلوب فيها بمجرد إصدار حكم، بل بترتيب الجزاءات التي تجعل القانون قانوناً، وتجعل من يعتدي على حقوق الآخرين يدرك أن أفعاله لها تبعات.
وحين يتأخر هذا الجزاء طويلاً، فإننا لا نؤخر الملف فقط؛ قد نضعف أيضاً الأثر الردعي للقانون، ونترك الضحية تعيش إحساساً بأن المعتدي أسرع من العدالة.
بعض الملفات لا تحتمل منطق «سنعود إليها لاحقاً»
هناك دعاوى يمكن أن يؤدي تأخيرها إلى أضرار قابلة للتدارك.
لكن هناك ملفات أخرى يكون الزمن فيها عنصراً حاسماً.
قضية معتقل. نزاع أسري يمس طفلاً. نفقة أسرة لا مورد لها. عنف يستوجب الحماية. حق مهني أو اجتماعي يرتبط بمصدر رزق. نزاع تجاري قد يؤدي تأخره إلى إفلاس مقاولة. تنفيذ حكم ظل صاحبه ينتظره سنوات... وقضايا أخرى لا يمكن اختزالها في رقم جلسة مؤجلة.
ولهذا، فإن الحديث عن استمرارية العدالة يجب ألا يبقى شعاراً عاماً، وإنما ينبغي أن يتحول إلى نظام عملي واضح يحدد ما الذي لا يجوز أن يتوقف حتى في أشد لحظات الاحتجاج.
لماذا لا نتفق على حد أدنى لا يتوقف؟
إذا كان من غير الممكن أو غير العادل منع الإضراب، وإذا كان من غير المقبول أيضاً أن تتوقف العدالة بشكل يمس الحقوق الأساسية، فلماذا لا نبحث عن نقطة التوازن؟
لماذا لا تفتح الحكومة والهيئات المهنية والنقابات نقاشاً جدياً حول ضمان حد أدنى فعلي من الخدمات القضائية في الحالات التي تمس الحرية أو الآجال أو الحقوق الأسرية أو الأوضاع الاستعجالية، وفق ضمانات دقيقة لا تحول الحد الأدنى إلى وسيلة لإفراغ الإضراب من مضمونه، ولا تحول الإضراب، في المقابل، إلى شلل شامل يضع المتقاضي أمام أبواب مغلقة؟
لسنا بحاجة إلى حرمان المحتج من سلاحه المشروع.
نحن بحاجة إلى منع تحول المواطن إلى ذخيرة في هذا السلاح.
وهناك فرق كبير بين الأمرين.
أبدعوا في الاحتجاج بدل أن يكون المتقاضي أقصر طريق للضغط
المحامون، وهم أصحاب خبرة في القانون والمرافعة، قادرون على ابتكار أشكال احتجاجية قوية تجعل رسالتهم تصل إلى الحكومة والمجتمع دون أن يكون المواطن أكبر المتضررين.
والنقابات التي تمثل موظفي المحاكم قادرة بدورها على تطوير وسائل نضالية تضغط على الوزارة وتحافظ، في الوقت نفسه، على القضايا شديدة الاستعجال.
والحكومة مطالبة قبل الجميع بأن تخلق مؤسسات حوار حقيقية لا تكون اجتماعاتها موسمية، ولا تتحرك فقط عندما تصل الأزمة إلى الباب الأخير.
فليس من العدل أن يصبح الطريق الأسرع للضغط على الحكومة هو تعطيل مصالح المواطنين.
لأن في ذلك مفارقة غير مقبولة: المواطن الذي لم يصنع الأزمة يتحول إلى وسيلة لحلها.
ليس كل تأخير مجرد تأجيل
يجب أن نغير لغتنا أيضاً.
حين نقول «أجلت القضية» يبدو الأمر وكأنه انتقال بسيط من تاريخ إلى تاريخ. لكن التأجيل في الواقع قد يعني شهراً إضافياً من الخوف.
شهراً إضافياً من انتظار حق مالي. شهراً إضافياً من استمرار خصومة. شهراً إضافياً من عدم تنفيذ حكم. شهراً إضافياً من شعور الضحية بأن القانون لم يصل إليها بعد.
ولهذا، فإن «الأجل المعقول» الوارد في الدستور لا ينبغي التعامل معه كعبارة تقنية، بل كمبدأ إنساني قبل كل شيء.
فالعدالة التي تصل متأخرة جداً قد تنصف الملف، لكنها لا تستطيع دائماً إصلاح كل ما سببه الانتظار للإنسان.
لا تجعلوا المتقاضي أضعف حلقة لأنه لا يستطيع الإضراب
المفارقة المؤلمة أن كل طرف داخل المنظومة يملك وسيلة للدفاع عن نفسه.
الحكومة تملك التشريع والقرار والإدارة. والمحامون يملكون هيئاتهم وقوتهم المهنية وأشكال احتجاجهم. والموظفون يملكون نقاباتهم وإضراباتهم. أما المتقاضي فلا يملك إلا الانتظار.
لا يستطيع المواطن أن يعلن إضراباً ضد تأجيل قضيته. ولا يستطيع المعتقل أن يعيد يوماً إضافياً من حياته. ولا تستطيع الأم التي تنتظر نفقة أطفالها أن تطلب من الزمن أن يتوقف حتى يعود السير العادي للمحكمة. ولا يستطيع ضحية اعتداء أن يقول لمعاناته النفسية والاجتماعية: انتظري حتى تنتهي المفاوضات.
وهنا تكمن مسؤولية الجميع. فكلما كان الطرف أضعف، كان واجب حمايته أكبر.
لا غالب ولا مغلوب.. إلا إذا خسر المتقاضي
ليست العدالة حلبة صراع بين وزارة العدل والمحامين.
وليست ميداناً لإثبات قدرة النقابة على شل المرفق أو قدرة الإدارة على كسر الإضراب. ولا ينبغي أن تصبح حقوق المواطنين خسائر جانبية في معارك الإصلاح والمطالب المهنية.
نريد حكومة قوية، ولكن قوة الحكومة في قدرتها على حل الأزمات، لا في انتظار إنهاك أصحابها. ونريد محاماة قوية ومستقلة، ولكن قوة المحاماة تظهر أيضاً في قدرتها على حماية المواطن حتى وهي تدافع عن نفسها.
ونريد موظفين يتمتعون بالكرامة والحقوق والتحفيز، لأن الموظف الذي يعيش الظلم المهني لن يكون في أفضل الظروف لخدمة العدالة.
لكننا، فوق ذلك كله، نريد عدالة قوية. وعدالة تتوقف كلما دخل أحد مكوناتها في خلاف مع الآخر لا تزال بحاجة إلى بناء آليات أقوى لحماية استمراريتها.
متى يلتفت الجميع إلى صاحب الملف القضائي؟
هذا هو السؤال الذي نريد أن يبقى بعد قراءة كل هذه السطور.
متى تلتفت الحكومة، ومعها المحامون والمنتدبون القضائيون والمحررون القضائيون وكتاب الضبط وكل من له دور في السير اليومي للمحاكم، إلى أن الملفات القضائية التي يرونها فوق المكاتب ليست أوراقاً صامتة، وإنما وراء كل واحد منها قصة إنسان قد يكون وصل إلى المحكمة بعدما استنفد كل الحلول الأخرى؟
متى ندرك أن وراء رقم القضية شخصاً قد لا ينام؟
وأن وراء طلب التنفيذ أسرة تنتظر؟
وأن وراء شكاية ضحية ألماً؟
وأن وراء ملف معتقل حرية؟
وأن وراء حكم منتظر نهاية لنزاع استنزف سنوات من حياة أصحابه؟
عندها فقط سنفهم أن تعطيل المحكمة ليس تعطيل بناية ومكاتب وحواسيب وجلسات. إنه تعطيل لحياة بشر.
دافعوا عن حقوقكم.. لكن لا تنسوا حق من جاء يطلب العدالة
فالعدالة التي تطلب من المظلوم أن ينتظر بلا نهاية حتى ينتهي الآخرون من خلافاتهم، تحتاج هي نفسها إلى من يترافع من أجلها.
لذلك، فالمعادلة الصعبة ليست بين حق الإضراب ومنعه، وإنما في أن ننجح في حماية حق المضرب من دون أن نهدم حق المتقاضي؛ لأن دولة الحق لا تبنى بحق واحد على حساب حق آخر، والعدالة لا تكون عادلة فعلاً إلا عندما تحمي الجميع، وخصوصاً ذلك المواطن الواقف بصمت أمام باب المحكمة، ينتظر فقط أن يأتي دوره في الإنصاف.