الرباط: أنس الشعرة
لم يعد حضور المغاربة في إسبانيا مجرد ظاهرة ديموغرافية عابرة، بل تحول إلى معطى اقتصادي بنيوي يساهم بشكل مباشر في دينامية سوق العمل وفي إعادة تشكيل التوازنات الاجتماعية والإنتاجية داخل الاقتصاد الإسباني. فعددهم الذي يتجاوز 1.16 مليون شخص يجعلهم العمود الفقري للوجود الأجنبي في البلاد، ليس فقط من حيث الحجم، بل أيضاً من حيث الامتداد التاريخي والوظيفي في قطاعات حيوية مثل الزراعة المكثفة والبناء والخدمات.
ويفسر هذا الحضور المتجذر، الذي راكمته عقود من الهجرة المتواصلة، لماذا تضع مدريد الجالية المغربية في قلب سياساتها الجديدة المرتبطة بتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين.
فقرار الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز إطلاق واحدة من أوسع عمليات التسوية الإدارية، بما يشمل مئات الآلاف من المقيمين دون وضع قانوني مستقر، لا يُفهم فقط في سياق اجتماعي أو إنساني، بل كخيار اقتصادي عملي يهدف إلى إدماج قوة عمل قائمة بالفعل داخل الدورة الرسمية للإنتاج والضرائب والضمان الاجتماعي.
وبحكم وزنها الديمغرافي وانتشارها المهني، تبدو الجالية المغربية من أبرز المستفيدين من هذا المسار، خاصة أن نسبة كبيرة منها مندمجة فعلياً في سوق العمل غير المهيكل.
وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء الإسباني (INE) إلى أن الأجانب يمثلون أكثر من 14 في المائة من سكان البلاد، في حين يقدَّر عدد المهاجرين غير النظاميين بنحو مليون شخص، ما يجعل التسوية أداة لإعادة تنظيم سوق العمل وتحسين إنتاجيته بدل بقائه في هامش الاقتصاد.
ولا يقتصر التحول على البعد الاقتصادي الداخلي، بل يرتبط بإعادة صياغة العلاقات المغربية الإسبانية نفسها. فالتقارب السياسي المتسارع، الذي وصفه وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بأنه أفضل مرحلة في تاريخ العلاقات الثنائية، يترجم عملياً في مشاريع تعاون ملموسة، من بينها تشغيل البنية الجمركية التجارية في سبتة ومليلية، بما يعكس مستوى غير مسبوق من الثقة والتكامل الأمني والاقتصادي عبر الحدود.
ويمتد هذا المسار إلى مبادرات ذات رمزية استراتيجية، أبرزها الاستعداد المشترك لتنظيم كأس العالم 2030، في تعبير واضح عن انتقال العلاقة من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء فضاء متوسطي متكامل اقتصادياً وسياسياً.
داخل هذا السياق، يصبح دور المغاربة المقيمين في إسبانيا أكثر من مجرد مساهمة في سوق العمل؛ إنهم حلقة وصل بشرية واقتصادية بين ضفتي المتوسط، ورافعة إنتاجية تضمن استمرارية قطاعات تعتمد بشكل كبير على اليد العاملة المهاجرة. ويبرز ذلك بوضوح في مناطق مثل كاتالونيا، حيث يشكل المغاربة أكبر جالية أجنبية، وفي الأقاليم الزراعية جنوب البلاد التي تقوم ديناميتها الإنتاجية على العمل الموسمي المكثف.
ومع ذلك، فإن هذه القوة الاقتصادية تتعايش مع تحديات اجتماعية حقيقية، أبرزها التركز في الأحياء منخفضة الدخل وصعوبات الاندماج السكني. غير أن هذه التحديات نفسها تعزز أهمية سياسات الإدماج القانونية والاقتصادية، مثل التسوية الاستثنائية، بوصفها آلية لتحويل الهجرة من ملف إداري معقد إلى مورد تنموي منظم.
لم تعد الهجرة المغربية في إسبانيا مجرد مسألة حدود أو أرقام سكانية، بل أصبحت جزءاً من معادلة اقتصادية استراتيجية تربط ازدهار سوق العمل الإسباني بعمق العلاقات الثنائية. وبين دينامية التسوية القانونية وتصاعد الثقة السياسية، تتبلور ملامح شراكة متوسطية جديدة، يقوم فيها الإنسان المهاجر بدور الفاعل الاقتصادي والجسر الجيوسياسي في آن واحد.