*العلم الإلكترونية - فوزية أورخيص*
لم يعد الرهان المغربي على الاستثمار الأجنبي يختزل في استقطاب الرساميل ورفع حجم التدفقات المالية نحو المملكة، بل أصبح مرتبطاً بسؤال أكثر عمقاً: ما الذي يضيفه هذا الاستثمار فعلياً إلى الاقتصاد الوطني؟ وهل يتحول إلى مصانع وسلاسل إنتاج وتكنولوجيا وفرص تصدير، أم يظل جزء منه مرتبطاً بمشاريع لا تنتج بالضرورة القيمة المضافة الكافية داخل الاقتصاد؟
هذا السؤال يكتسب أهمية متزايدة في ظل الدينامية التي يعرفها المغرب في مجال الاستثمار، مدفوعة بجاذبية المملكة كموقع صناعي ولوجستي، وبشبكة اتفاقياتها التجارية، وبالمشاريع الكبرى التي يجري تطويرها في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والبطاريات والهيدروجين الأخضر والبنيات التحتية.
ويبدو أن طبيعة الاستثمار الأجنبي في المغرب بدأت تتغير تدريجياً. فبعدما كان جزء مهم من الاستثمارات يتركز في قطاعات تقليدية، أصبحت المملكة تستقطب مشاريع صناعية وتكنولوجية أكثر ارتباطاً بسلاسل القيمة العالمية. ويشكل قطاع السيارات نموذجاً بارزاً على هذا التحول، بعدما تمكن المغرب من بناء منظومة صناعية تضم المصنعين العالميين ومئات الموردين المحليين والدوليين.
وتتجه هذه الدينامية أيضاً إلى قطاعات جديدة، في مقدمتها صناعة البطاريات ومكوناتها، والهيدروجين الأخضر، والطاقات المتجددة، والصناعات المرتبطة بالتحول الطاقي. وهي مجالات تحمل إمكانات كبيرة ليس فقط لجذب رؤوس الأموال، وإنما لتغيير موقع الاقتصاد المغربي داخل سلاسل الإنتاج الدولية.
غير أن استقطاب الاستثمار، مهما بلغت قيمته، لا يمثل في حد ذاته ضمانة لتحقيق التنمية. فالمعيار الحقيقي يكمن في القيمة المضافة التي يخلقها داخل الاقتصاد الوطني، وفي حجم المشتريات المحلية، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وخلق وظائف ذات مهارات عالية، ومدى قدرة الشركات المغربية على الاندماج في سلاسل توريد الشركات الأجنبية.
وهنا تبرز إحدى أكبر تحديات المرحلة المقبلة: الانتقال من اقتصاد يستقطب المستثمر إلى اقتصاد يستفيد من المستثمر.
فوجود مصنع تابع لشركة عالمية داخل المغرب يكتسي أهمية كبيرة، لكنه يصبح أكثر تأثيراً عندما يؤدي إلى نشوء منظومة محلية من الموردين والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وعندما تنتقل المعرفة التقنية والإدارية إلى الكفاءات الوطنية، وعندما ترتفع نسبة المكونات المنتجة محلياً، بما يضاعف أثر الاستثمار على الناتج الداخلي وعلى الصادرات.
ومن هذه الزاوية، تبدو سياسة الاستثمار أمام اختبار نوعي. فالمغرب يتوفر على مزايا يصعب تجاهلها: موقع جغرافي قريب من أوروبا، بنية تحتية لوجستية متطورة، موانئ كبرى، مناطق صناعية، واستقرار نسبي في البيئة الاستثمارية، فضلاً عن اتفاقيات تجارية تتيح الوصول إلى أسواق واسعة.
كما أن التحولات الجيوسياسية العالمية أعادت ترتيب خريطة الاستثمارات الدولية. فالشركات العالمية أصبحت تبحث عن مواقع إنتاج أكثر أمناً وقرباً من الأسواق، وتعمل على تقليص مخاطر الاعتماد المفرط على منطقة جغرافية واحدة. وفي هذا السياق، يستطيع المغرب أن يقدم نفسه كمنصة صناعية ولوجستية تجمع بين القرب من أوروبا والانفتاح على إفريقيا.
ويكتسب دخول مستثمرين من قوى اقتصادية آسيوية، مثل كوريا الجنوبية والهند، أهمية خاصة في هذا السياق. فتنويع مصادر الاستثمار يمكن أن يمنح الاقتصاد المغربي قدرة أكبر على الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق وسلاسل الإنتاج الجديدة، ويقلل في الوقت نفسه من مخاطر الاعتماد على مجموعة محدودة من الشركاء.
لكن هذه الفرصة تفرض على المغرب، في المقابل، تطوير منظومة الأعمال المحلية حتى لا تبقى الشركات الوطنية في أسفل سلسلة القيمة. فالرهان لم يعد فقط على جذب المصنع، وإنما على جعل المقاولة المغربية شريكاً في الإنتاج والتكنولوجيا والتصدير.
ويبرز هنا دور التكوين والبحث والتطوير. فالانتقال إلى الصناعات المتقدمة يتطلب مهارات جديدة في الهندسة والذكاء الاصطناعي والبرمجة والروبوتات والطاقات النظيفة وإدارة سلاسل الإمداد. وكلما ارتفع مستوى الكفاءات الوطنية، ارتفعت قدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة التي ينتجها الاستثمار الأجنبي.
كما أن الاستثمارات الكبرى في القطاعات المستقبلية يجب أن تكون مرتبطة باستراتيجية واضحة للتنمية الصناعية، حتى لا تتحول المملكة فقط إلى موقع للتجميع والتصنيع لحساب شركات عالمية، وإنما إلى فضاء لتطوير المعرفة والابتكار والمنتجات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
ومن هنا، فإن نجاح السياسة الاستثمارية لا يقاس فقط بعدد المشاريع المعلنة أو بحجم الرساميل التي تدخل المغرب، وإنما بمؤشرات أكثر دلالة: كم وظيفة نوعية تم خلقها؟ كم شركة مغربية اندمجت في سلاسل الإنتاج؟ ما حجم التكنولوجيا التي تم نقلها؟ كم ارتفعت الصادرات ذات القيمة المضافة؟ وما نسبة القيمة التي بقيت داخل الاقتصاد الوطني؟
إن المغرب يقف اليوم أمام فرصة تاريخية تتيح له الاستفادة من إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى ثروة مستدامة يتطلب الانتقال من منطق استقطاب الاستثمار إلى تعظيم أثر الاستثمار.
فالمصنع الذي ينتج للتصدير مهم، لكن المصنع الذي يخلق حوله شبكة من المقاولات المغربية أكثر أهمية. والاستثمار الذي يوفر رأس المال مهم، لكن الاستثمار الذي ينقل التكنولوجيا ويبني الكفاءات ويخلق منظومة صناعية متكاملة هو الذي يمكن أن يغير بنية الاقتصاد.
وبذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام المغرب في المرحلة المقبلة لن يكون: كم استثمر الأجانب في المملكة؟ بل: كم من القيمة الاقتصادية والمعرفة والقدرة الإنتاجية استطاع المغرب أن يحتفظ بها ويعيد تدويرها داخل اقتصاده؟
وإذا نجحت المملكة في الإجابة عن هذا السؤال، فإن الاستثمار الأجنبي لن يكون مجرد تدفق للرساميل، بل يمكن أن يتحول إلى رافعة لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، وتعميق التصنيع، ورفع القدرة التصديرية، وبناء ثروة أكثر استدامة