الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
في مواجهة ترشيح ليبي عن شمال إفريقيا، يدخل المغرب سباق 2028–2029 بثلاث تجارب سابقة داخل المجلس، وحضور قوي في عمليات حفظ السلام، ودعم معلن من القمة العربية… لكن سؤالًا يفرض نفسه: لماذا تمسكت ليبيا بترشيحها رغم أن القمة العربية أيدت رسميًا ترشيح المغرب ودعت أعضاءها إلى دعمه؟
ليس كل ترشح لمنصب دولي مجرد رغبة في إضافة مقعد إلى سجل دبلوماسي، وليس كل حضور داخل مجلس الأمن مجرد صورة لسفير يجلس خلف لوحة تحمل اسم بلده؛ فهناك مقاعد تقاس قيمتها بما راكمته الدولة قبل الوصول إليها، وبما تستطيع أن تضيفه بعد الجلوس إليها.
ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة ترشح المغرب لعضوية غير دائمة في مجلس الأمن خلال الفترة 2028–2029.
فالمغرب لا يتقدم إلى المجلس للمرة الأولى، ولا يقترب من قضايا الأمن والسلم الدوليين بصفته متفرجًا جديدًا، بل يحمل وراءه ثلاث تجارب سابقة داخل مجلس الأمن، وسجلًا ممتدًا في عمليات حفظ السلام، وحضورًا دبلوماسيًا إفريقيًا وعربيًا ومتوسطيًا وأطلسيًا يجعل ترشيحه امتدادًا لمسار، وليس مغامرة دبلوماسية جديدة.
وقد أعلن وزير الخارجية ناصر بوريطة رسميًا في نيويورك ترشح المملكة للفترة 2028–2029، معتبرًا أن الهدف هو مواصلة الإسهام في حفظ الأمن والسلام الدوليين، والتعددية، واحترام السيادة والوحدة الترابية.
لكن الطريق إلى المقعد ليس خاليًا.
◆ ليبيا في السباق… والمنافسة تبدأ داخل البيت الإفريقي
المغرب ليس المرشح الوحيد من شمال إفريقيا.
فقرارات الاتحاد الإفريقي تسجل ترشيح المغرب وليبيا للمقعد المخصص لإقليم شمال إفريقيا، وتدعو دول الإقليم إلى التشاور والاتفاق على مرشح واحد قبل الوصول إلى الاستحقاق الأممي. وكان الاتحاد الإفريقي قد سجل الترشيحين معًا منذ أكتوبر 2021 على الأقل، ثم أعاد التأكيد عليهما في قرارات لاحقة.
وهذا يعني أن المنافسة الأولى للمغرب ليست مع نيجيريا، المرشحة عن غرب إفريقيا، بل مع ليبيا داخل إقليم شمال إفريقيا.
وليبيا بدورها أطلقت رسميًا حملتها في نيويورك في شتنبر 2026، مؤكدة أنها تريد تمثيل إفريقيا والعالم العربي والمساهمة في قضايا السلم والأمن. كما قال مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة إن طرابلس أكدت ترشحها لهذه الدورة منذ سنة 2020، وإنها تعتبر أن الدور الإقليمي في التناوب يؤول إليها.
وهنا تبدأ الأسئلة السياسية الحقيقية.
◆ قمة عربية تؤيد المغرب… فلماذا تمسكت ليبيا بترشيحها؟
في 17 ماي 2025، أيدت القمة العربية الرابعة والثلاثون، المنعقدة في بغداد، ترشيح المملكة المغربية لمقعد غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2028–2029، ولم تكتفِ بالإشارة إليه، بل دعت الدول الأعضاء إلى بذل الجهود في اتصالاتها مع الدول الصديقة لدعم الترشيح المغربي.
وهنا يبرز سؤال مشروع لا ينبغي القفز فوقه:
كيف يمكن أن تصدر عن أعلى مستوى في جامعة الدول العربية تزكية واضحة للترشيح المغربي، ثم تستمر دولة عربية أخرى، هي ليبيا، في المنافسة على المقعد نفسه؟
هل تحفظت ليبيا على القرار أثناء اعتماده؟
هل أعلنت أنها لا تعتبر نفسها معنية بالدعوة إلى دعم المغرب لأنها سبق أن قدمت ترشيحها؟
أم أن هناك خلافًا بين منطق التضامن العربي ومنطق التناوب الإفريقي؟
هذه أسئلة تحتاج إلى جواب رسمي واضح، لأن المصادر العلنية التي اطلعت عليها بشأن قرار قمة بغداد تؤكد دعم المغرب، لكنها لا تقدم سجلًا تفصيليًا للتصويت يبين إن كانت ليبيا وافقت أو تحفظت أو اعترضت.
وهذه النقطة مهمة، لأن ميثاق جامعة الدول العربية نفسه يميز بين القرار المتخذ بالإجماع والقرار المتخذ بالأغلبية: فالأول يلزم جميع الأعضاء، أما الثاني فلا يلزم سوى الدول التي تقبله. لذلك سيكون من المتسرع قانونيًا اتهام ليبيا بـ«عصيان» قرار الجامعة قبل معرفة كيفية اعتماد القرار وموقف طرابلس منه تحديدًا.
لكن يبقى السؤال السياسي قائمًا بقوة: إذا كانت القمة العربية قد اختارت دعم المغرب ودعت أعضاءها إلى حشد التأييد له، فلماذا لم ينجح البيت العربي في تجنب منافسة عربية–عربية على المقعد نفسه؟
◆ ليبيا تتعافى… بينما مجلس الأمن جزء من أزمتها نفسها
ولا يتعلق الأمر بالانتقاص من ليبيا أو من حقها السيادي في الترشح.
فليبيا بلد عربي وإفريقي مهم، له موقع استراتيجي وثروات وعمق متوسطي، وسبق له أن شغل عضوية مجلس الأمن مرتين.
لكن الإنصاف يقتضي كذلك استحضار الواقع الداخلي للدولة التي تريد اليوم المشاركة في صناعة قرارات الأمن الدولي.
فالأمم المتحدة ما زالت، إلى حدود 2026، تشرف على خارطة طريق سياسية في ليبيا تقوم أساسًا على توحيد مؤسسات الدولة، وإنشاء سلطة تنفيذية موحدة، وتهيئة الإطار لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة. وفي غشت وشتنبر 2026 فقط كانت البعثة الأممية تتحدث عن خطوات جديدة للخروج من الجمود السياسي واستكمال شروط الانتخابات.
أي أننا نتحدث عن ليبيا التي خرجت بصعوبة من سنوات الحرب والانقسام والصراع على الشرعية، والتي بدأت جراحها تلتئم، لكنها لم تلتئم كلها بعد، وما زالت تحتاج إلى وساطة أممية من أجل توحيد مؤسساتها وإنجاز انتخاباتها الوطنية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل من الطبيعي أن تنافس دولة لا تزال الأمم المتحدة نفسها تساعدها على توحيد مؤسساتها وإنهاء مرحلة انتقالية طويلة، دولة راكمت استقرارًا مؤسساتيًا وتجارب متكررة داخل مجلس الأمن ومساهمة ميدانية واسعة في حفظ السلام؟
ليس السؤال حكمًا على حق ليبيا في الترشح، بل مقارنة بين المسارين والتجربتين اللتين ستعرضان على الدول الإفريقية ثم على أعضاء الجمعية العامة.
◆ ثلاث تجارب مغربية… وخبرة لا تبدأ اليوم
شغل المغرب عضوية مجلس الأمن ثلاث مرات: 1963–1964، ثم 1992–1993، ثم 2012–2013، مقابل تجربتين سابقتين لليبيا.
وعندما خاض المغرب آخر انتخابات له سنة 2011، حصل من الجولة الأولى على 151 صوتًا من أصل 193 دولة، متجاوزًا أغلبية الثلثين المطلوبة. وهذه النتيجة لا تتنبأ بما سيحدث سنة 2027، لكنها تظل مؤشرًا تاريخيًا على شبكة علاقات دولية واسعة استطاع المغرب حشدها في استحقاق مماثل.
والمجلس ليس مكانًا للتعلم من الصفر.
إنه فضاء للتفاوض اليومي مع القوى الخمس الدائمة، ولصياغة القرارات، والتعامل مع النزاعات والحروب والعقوبات وعمليات حفظ السلام، والبحث عن تسويات بين مصالح دولية متناقضة.
وهنا تفيد الخبرة السابقة.
◆ المغرب لا يتحدث عن حفظ السلام من بعيد
ومن أهم الأوراق الواقعية في الملف المغربي سجل المملكة داخل عمليات حفظ السلام الأممية.
ففي يناير 2026 كان المغرب يساهم بـ1334 عنصرًا عسكريًا وشرطيًا في عمليات الأمم المتحدة، محتلاً المرتبة التاسعة عالميًا بين الدول المساهمة بالأفراد النظاميين.
وهذا معطى يستحق أكثر من سطر.
فالدولة التي تريد المشاركة في اتخاذ قرارات إرسال قوات حفظ السلام هي نفسها دولة ترسل جنودها إلى الميدان لتنفيذ تلك القرارات، وتتحمل نصيبًا عمليًا من مسؤولية السلم الدولي.
وهنا يصبح السؤال لكل مرشح بسيطًا: ماذا قدمتم فعليًا للأمن الجماعي؟
بالنسبة للمغرب، هناك أرقام ورجال ونساء على الأرض، وليس مجرد بيانات دبلوماسية.
◆ المغرب الإفريقي… رصيد تراكم بعد العودة إلى الاتحاد
كما أن المغرب الذي يترشح اليوم ليس المغرب نفسه الذي دخل مجلس الأمن قبل عقود.
منذ العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وسعت الرباط حضورها في القارة من خلال الاستثمار، والفلاحة، والأسمدة، والأمن، والتكوين الديني، والطاقة، والتعاون جنوب–جنوب، ثم أضافت في السنوات الأخيرة المبادرة الأطلسية الموجهة نحو دول الساحل ومشاريع الربط الاقتصادي الكبرى.
وهذا الحضور يعطي للترشيح المغربي بعدًا يتجاوز المصلحة الوطنية المباشرة.
فالمغرب يوجد في الوقت نفسه داخل إفريقيا والعالم العربي والفضاء المتوسطي والأطلسي، ويتعامل يوميًا مع ملفات الساحل والإرهاب والهجرة والطاقة والتجارة والأمن البحري.
وهذه تحديدًا ملفات تقع اليوم في قلب أجندة الأمن الدولي.
◆ الصحراء حاضرة… لكنها لا تختزل الترشيح
وطبعًا لا يمكن الحديث عن مجلس الأمن من دون استحضار الصحراء، لأن الملف موجود أصلًا على جدول أعمال المجلس.
وسيكون وجود المغرب، إن انتُخب، مهمًا لعرض رؤيته مباشرة داخل المؤسسة التي تناقش القضية وتجدد ولاية المينورسو.
لكن قوة الملف المغربي لن تكون في تحويل المقعد إلى مقعد للصحراء فقط.
فالدولة المرشحة لمجلس الأمن مطالبة بأن تقدم رؤيتها للسودان وغزة وليبيا والساحل والإرهاب والهجرة وحفظ السلام وإصلاح الأمم المتحدة، إضافة إلى قضاياها الوطنية.
وهنا يستطيع المغرب أن يقول إنه لا يأتي إلى المجلس بملف يطلب من الآخرين حله فقط، بل يأتي أيضًا بسجل من المشاركة في حل مشكلات الآخرين.
◆ المقعد ليس مجاملة لأحد
في النهاية، مجلس الأمن ليس ناديًا للمجاملات، وعضويته لا تمنح لأن دولة ترغب فيها أكثر من غيرها.
لكن الترشيحات تقارن بما خلفها من تجربة واستقرار وحضور دولي ومساهمة في الأمن الجماعي وقدرة على التفاوض.
والمغرب يدخل السباق بثلاث عضويات سابقة، ودعم معلن من القمة العربية، وحضور إفريقي متوسع، ومساهمة مصنفة ضمن الأكبر عالميًا في قوات حفظ السلام.
وفي الجهة الأخرى تدخل ليبيا السباق وهي تتمسك بحق تقول إنه يعود إليها في إطار التناوب الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه لا تزال تخوض مسارًا أمميًا لاستكمال توحيد مؤسساتها والوصول إلى انتخابات تنهي سنوات الانتقال والانقسام.
وهنا تصبح المسألة أبعد من المنافسة بين الرباط وطرابلس.
لماذا لم يستطع العرب الاتفاق مسبقًا على مرشح واحد رغم قرار قمة بغداد؟ وهل تحفظت ليبيا رسميًا على دعم المغرب أم قبلته ثم تمسكت بترشيحها؟ وكيف سيحسم الاتحاد الإفريقي التنافس بين دولتين من الإقليم نفسه؟ وعلى أي أساس سيختار: التناوب وحده، أم التجربة، أم المساهمة في حفظ السلام، أم شبكة العلاقات والقدرة على تمثيل القارة؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تطرح قبل انتخابات يونيو 2027.
لأن المغرب لا يطلب هذه المرة أن يمنحه العالم مقعدًا لمجرد الحضور.
إنه يقدم سجلًا، وتجربة، ومساهمة فعلية، ويطلب أن تُقرأ هذه العناصر كلها عندما يحين وقت الاختيار.
الصاروخ ومجلس الأمن العالمي