☰
2026 أكتوبر 23 - تم تعديله في [التاريخ]

المغرب يريد ذكاءً اصطناعيًا سياديًا… فمن يملك بيانات المغاربة ومن يتحكم في عقول الآلات؟

ماذا لو احتاجت مؤسساتنا يومًا إلى إذن من الخارج كي تواصل العمل؟ بوشعيب حمراوي يفتح ملف السيادة الرقمية من السؤال الذي لا يحتمل التأجيل: في يد من توجد المفاتيح؟


الكاتب بوشعيب حمراوي
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★

من مخطط «المغرب الرقمي 2030» لحكومة أخنوش إلى تعهدات حكومة المنصوري… السيادة الرقمية ليست شعارات ولا خوادم مستوردة، بل معركة وطنية لحماية المعطيات وامتلاك التكنولوجيا وصناعة القرار.

◆ بيانات المغاربة جزء من السيادة الوطنية

لم تعد السيادة الوطنية تُقاس فقط بحدود الأرض والمياه والأجواء، ولا بقوة الاقتصاد والمؤسسات والقدرات الدفاعية. فقد ظهر مجال جديد تتنافس الدول على امتلاكه والتحكم فيه، مجال لا تحده الجغرافيا ولا تحميه الجيوش وحدها، وتُخاض داخله معارك صامتة حول المعلومات والخوارزميات والخوادم والقدرة على توجيه القرارات.

إنه مجال السيادة الرقمية، حيث يمكن لدولة أن تمتلك مؤسساتها ومرافقها، لكنها تعتمد في تشغيلها على أنظمة أجنبية، وتخزن معلومات مواطنيها داخل خوادم لا تتحكم كليًا في إدارتها، وتستعمل ذكاءً اصطناعيًا لا تعرف بدقة كيف يعالج بياناتها، ولا من يستطيع الوصول إليها.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز الحماس المشروع للتكنولوجيا: هل نريد مغربًا يستعمل الذكاء الاصطناعي، أم مغربًا يمتلك القدرة على إنتاجه والتحكم فيه وحماية مواطنيه من مخاطره؟

إنها قضية سيادة وطنية قبل أن تكون قضية تحديث إداري أو استثمار اقتصادي.

◆ من حكومة أخنوش إلى حكومة المنصوري… المشروع لا يبدأ من الصفر

من الإنصاف التذكير بأن المغرب لم ينتظر تشكيل الحكومة الحالية حتى يكتشف أهمية التحول الرقمي.

ففي 25 شتنبر 2024، أطلقت حكومة عزيز أخنوش استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، بهدف تحويل المملكة إلى قطب رقمي، وتطوير الخدمات العمومية، وتحفيز الاقتصاد الرقمي، مع استهداف إحداث 240 ألف منصب شغل مباشر بحلول 2030.

ثم انتقل الطموح إلى مرحلة أكثر تخصصًا، خصوصًا بعد المناظرة الوطنية للذكاء الاصطناعي المنعقدة في يوليوز 2025، وصولًا إلى تقديم خارطة الطريق «المغرب للذكاء الاصطناعي 2030»، أو «AI Made in Morocco»، في شتنبر 2026.

وتضمنت الخارطة أهدافًا طموحة: توليد 100 مليار درهم من القيمة المضافة للناتج الداخلي الخام، وإحداث 50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، وتكوين واعتماد 200 ألف كفاءة وموهبة بحلول 2030.

هذه أرقام مستهدفة، وليست حصيلة منجزة، كما أن أهداف التشغيل الخاصة بالاستراتيجيتين لا ينبغي جمعها آليًا، لاحتمال تداخل بعض مجالاتها.

أما حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، فقد وضعت في برنامجها المقدم أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026 السيادة الرقمية ضمن أولوياتها، مع الإعلان عن توجه لإرساء منظومة وطنية متكاملة للأمن السيبراني، وحماية البيانات والأنظمة الحيوية، وتطوير ذكاء اصطناعي آمن ومسؤول، ودعم المقاولات التكنولوجية الناشئة.

وهنا تبدأ المسؤولية الجديدة: ليس المطلوب إعادة تسمية المشاريع السابقة أو تقديمها باعتبارها منجزات جديدة، بل تقييم ما تحقق منها، واستكمال ما تعثر، وتصحيح الاختلالات، وتوفير شروط الانتقال من التخطيط إلى الإنتاج.

فالاستراتيجيات الوطنية لا ينبغي أن تتغير بتغير الحكومات، كما لا يجوز أن تتحول استمراريتها إلى ذريعة لإعفاء المسؤولين من المحاسبة.

◆ مائة مليار درهم… بين الوعد الاقتصادي وحقيقة الإنجاز

إن الحديث عن 100 مليار درهم من القيمة المضافة يثير اهتمامًا مشروعًا، لكنه يفرض تدقيقًا اقتصاديًا صارمًا.

فهذا الرقم ليس ميزانية مرصودة للاستثمار، ولا مبلغًا سيدخل مباشرة إلى خزينة الدولة، وإنما قيمة اقتصادية إضافية تستهدف الاستراتيجية توليدها من خلال استعمال الذكاء الاصطناعي وتطوير أنشطته.

والسؤال هو: كيف ستُحسب هذه القيمة؟ وما القطاعات التي ستنتجها؟ وكم ستستفيد منها المقاولات المغربية؟ وهل ستنعكس على الأجور وفرص التشغيل والقدرة التنافسية؟

ثم إن تكوين 200 ألف كفاءة لا ينبغي اختزاله في توزيع شهادات المشاركة في دورات قصيرة. فالمغرب يحتاج إلى مهندسين وباحثين ومطورين وخبراء في الأمن السيبراني وتحليل البيانات وصناعة الأنظمة الذكية.

ولا قيمة لآلاف الشهادات إذا ظلت المقاولات تبحث عن الكفاءات المتخصصة خارج البلاد، أو اضطر الشباب المؤهل إلى الهجرة بحثًا عن فرص تناسب تكوينه.

◆ من يملك بيانات المغاربة؟ السؤال الذي لا يحتمل الغموض

عندما يدخل المواطن إلى منصة إدارية، أو يحصل على خدمة صحية، أو يتعامل مع مؤسسة مالية، فإنه يترك وراءه معطيات قد تكشف هويته ودخله ووضعه الصحي وعلاقاته وتحركاته.

هذه البيانات ليست مجرد أرقام محفوظة في أجهزة إلكترونية، بل عناصر من حياته الخاصة وحقوقه الأساسية.

وإذا كانت المؤسسات تجمعها لأغراض مشروعة، فإن ذلك لا يمنحها حق التصرف فيها دون حدود.

لذلك ينبغي معرفة الجهة التي تجمع المعلومات، والجهة التي تعالجها، ومكان تخزينها، ومن يمتلك صلاحيات الولوج إليها، وما إذا كانت تنتقل إلى الخارج، وبأي ضمانات.

صحيح أن المغرب يتوفر على القانون 09.08 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، وعلى اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، لكن الثورة الحالية تفرض تقييم مدى ملاءمة هذه المنظومة للتحديات الجديدة.

فحماية المعطيات لا تتعلق فقط بمنع تسريبها، بل تشمل منع استغلالها خارج أغراض جمعها، أو توظيفها لتصنيف المواطنين ومراقبتهم والتأثير غير المشروع في اختياراتهم.

والسيادة الرقمية لا تعني منح الدولة سلطة مطلقة على بيانات المواطنين، بل ضمان حمايتها بمؤسسات مسؤولة وقوانين واضحة ورقابة مستقلة.

◆ الخوادم داخل المغرب… ولكن أين توجد مفاتيح التحكم؟

من الإيجابي التفكير في إنشاء مراكز بيانات وطنية وتطوير الحوسبة السحابية السيادية.

لكن إقامة الخوادم فوق التراب المغربي لا تعني تلقائيًا تحقيق السيادة.

فقد توجد الأجهزة داخل المغرب، بينما تتحكم شركات أجنبية في برمجيات تشغيلها وتحديثاتها ومفاتيح تشفيرها وخدمات صيانتها.

وقد تمتلك مؤسسة مغربية بياناتها قانونيًا، لكنها لا تستطيع تشغيل أنظمتها إذا توقف المورد الأجنبي عن تقديم خدماته.

وهنا يظهر الفرق بين امتلاك المعدات وامتلاك القدرة على التحكم فيها.

ولا يعني ذلك رفض التكنولوجيا الأجنبية أو الشراكات الدولية؛ فالتعاون ونقل الخبرات ضروريان. لكن العقود ينبغي أن تضمن التحكم في البيانات، وإمكانية تدقيق الأنظمة، ونقل المعرفة، واستمرارية الخدمات، والقدرة على تغيير المورد دون شل المرافق الحيوية.

◆ الذكاء الاصطناعي المغربي… بأي لغة وبأي عقل؟

لا يمكن الحديث عن ذكاء اصطناعي مغربي دون الاهتمام بالخصوصيات اللغوية والثقافية والاجتماعية للمملكة.

فالمغرب يحتاج إلى نماذج قادرة على فهم العربية والأمازيغية والدارجة المغربية، والتعامل مع الوثائق القانونية والإدارية والتربوية والطبية المحلية.

كما يحتاج إلى قواعد بيانات موثوقة وإنتاج علمي وطني يساهم في تطوير هذه النماذج.

ولهذا تكتسي مشاريع معاهد الجزري، ومصنع البيانات، ومصنع البرمجيات، والنماذج اللغوية الوطنية أهمية خاصة.

لكن يجب التمييز بين المشروع المعلن والمنجز القابل للاستعمال. فلا يكفي عرض منصة أو نموذج تجريبي للقول إن البلاد امتلكت تكنولوجيا سيادية.

فالاستقلال الحقيقي يُقاس بالقدرة على التطوير والصيانة والتحديث والتدقيق، وليس فقط بحمل المنتج اسمًا مغربيًا.

◆ الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية… جبهة رقمية لا يجوز إهمالها

لن تتحقق السيادة الرقمية إذا اقتصرت على الوزارات والإدارات المركزية.

فالجماعات الترابية، ومجالس الجهات والعمالات والأقاليم، والمؤسسات والمقاولات العمومية، والمجموعات المكلفة بتدبير المرافق المشتركة، وشركات التنمية المحلية والجهوية، تدير بدورها كميات مهمة من البيانات.

وتشمل هذه المعطيات التعمير والنقل والنظافة والماء والكهرباء والجبايات المحلية والصفقات العمومية.

لذلك ينبغي إخضاع عقود اقتناء البرمجيات وتدبير المعلومات لمعايير وطنية واضحة، حتى لا تتحول المؤسسات المحلية إلى رهائن تقنية لشركات تحتكر تشغيل الأنظمة وصيانتها.

فالرقمنة التي تزيد تبعية الإدارة بدل تقوية استقلالها لا يمكن اعتبارها نجاحًا مكتملًا.

◆ من يحمي المغاربة من أخطاء الخوارزميات؟

لا تكمن مخاطر الذكاء الاصطناعي في سرقة المعلومات وحدها.

فقد تنتج الأنظمة الذكية قرارات خاطئة أو تمييزية، خصوصًا إذا استُعملت في التوظيف أو التعليم أو الصحة أو الاستفادة من الخدمات الاجتماعية.

ومن غير المقبول أن يُحرم مواطن من حق أو خدمة بناءً على قرار آلي لا يستطيع فهمه أو الاعتراض عليه.

لهذا ينبغي اعتماد قواعد تضمن الشفافية، والمراقبة البشرية، وإمكانية الطعن، وتحديد المسؤولية عن الأضرار.

كما ينبغي تقوية الأمن السيبراني، وتأهيل القضاة والإداريين والأطباء والأساتذة، وتربية الأطفال والشباب على الاستخدام الواعي للتكنولوجيا.

◆ السيادة لا تُعلن… السيادة تُمارس وتُراقب

إن حكومة المنصوري أمام فرصة للبناء على المخطط الذي أطلقته الحكومة السابقة، لكنها أمام امتحان أكثر تعقيدًا: تحويل الطموح إلى قدرة وطنية قابلة للقياس والمساءلة.

وهذا يستدعي نشر حصيلة دقيقة للمشاريع الموروثة، وتحديد التمويلات والآجال والمسؤوليات، وإخضاع المنجزات لتقييم مستقل، وتمكين البرلمان من مراقبة تنفيذ الاستراتيجية.

فالخطر ليس في استعمال التكنولوجيا الأجنبية، وإنما في الارتهان الكامل إليها. وليس في جمع البيانات لخدمة المواطنين، وإنما في جمعها دون ضمانات. وليس في تبني الذكاء الاصطناعي، وإنما في التخلي له عن القرار والمسؤولية.

قد يمتلك المغرب آلاف الخوادم ومئات المنصات، لكنه لن يمتلك سيادته الرقمية ما لم يمتلك المعرفة والقدرة على التحكم والحماية والمحاسبة.

فالمعركة الحقيقية ليست أن يصبح المغرب مستهلكًا متقدمًا للذكاء الاصطناعي، بل أن يصبح منتجًا للمعرفة، وصانعًا للتكنولوجيا، وحاميًا لبيانات مواطنيه.

لأن الوطن الذي لا يتحكم في بياناته وأنظمته الحيوية قد يجد نفسه يومًا مطالبًا باستئذان الآخرين لتشغيل جزء من مؤسساته.

والسيادة التي حماها المغاربة فوق الأرض، يجب أن يحموها اليوم داخل العالم الرقمي أيضًا.

مفاتيح البيانات والذكاء الاصطناعي في قلب معركة السيادة الرقمية المغربية



في نفس الركن