2026 فبراير 26 - تم تعديله في [التاريخ]

المغرب‭ ‬وإسبانيا‭ ‬شراكة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬توازنات‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬للمتوسط

فتح‭ ‬الجمارك‭ ‬في‭ ‬سبتة‭ ‬ومليلية‭ ‬المحتلتين‭ ‬يعكس‭ ‬مرحلة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬السياسية‭ ‬والتكامل‭ ‬الأمني‭ ‬والاقتصادي‭ ‬بين‭ ‬الرباط‭ ‬ومدريد


 
الرباط: أنس الشعرة
 
تشهد العلاقات بين المغرب وإسبانيا تحوّلًا نوعيًا يضعها في صدارة نماذج الشراكات الإقليمية الأكثر دينامية في الفضاء المتوسطي.

فبعد سنوات من التذبذب الحذر والتوترات الظرفية، تبدو الرباط ومدريد اليوم وكأنهما تعيدان هندسة العلاقة على أسس أكثر استقرارًا وعمقًا، تتجاوز إدارة الملفات الخلافية إلى بناء منظومة تعاون استراتيجي متكاملة، تمتد من الأمن والهجرة إلى الاقتصاد والتنمية المشتركة.

وفي هذا السياق، أكد وزير الشؤون الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن الجمارك التجارية في مليلية وسبتة المحتلتين تعمل مع المغرب بشكل طبيعي، مشيرًا إلى أن إحداث منشأة جمركية تشغيلية لأول مرة في سبتة المحتلة يعكس تحولًا عمليًا في إدارة المبادلات عبر الحدود.

 وجاءت تصريحات ألباريس، في مقابلة مع صحيفة (El Periódico de Cataluña)، حيث شدد على أن البنية الجمركية أصبحت قائمة وتشتغل ضمن مسار مؤسساتي منظم، مبرزًا أن هذه الخطوة تندرج ضمن ما وصفه بـ»أفضل مرحلة» في العلاقات بين البلدين، في إشارة إلى مستوى غير مسبوق من التنسيق الأمني والقضائي، إضافة إلى التعاون الوثيق في تدبير ملف الهجرة. ويعكس هذا المسار، وفق المسؤول الإسباني، إرادة سياسية مشتركة لتحويل العلاقة الثنائية إلى ركيزة استقرار إقليمي، بما يخدم المصالح الوطنية الإسبانية ويعزز في الوقت ذاته موقع المغرب كشريك استراتيجي محوري في جنوب المتوسط.

ولا يتوقف الزخم المتصاعد في العلاقات عند حدود تدبير القضايا الثنائية اليومية، بل يمتد إلى مبادرات ذات حمولة سياسية واقتصادية رمزية عالية، يتقدمها التحضير لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030 بشكل مشترك بين إسبانيا والمغرب والبرتغال.

ويُنظر إلى هذا الاستحقاق الدولي باعتباره مؤشراً ملموساً على مستوى متقدم من التقارب السياسي وتنامي الثقة المتبادلة، بما يمنح الرياضة وظيفة تتجاوز بعدها التنافسي لتغدو أداة دبلوماسية تعبّر عن تحوّل هيكلي في أنماط التفاعل الإقليمي.

وتحرص مدريد على تقديم تعاونها مع الرباط باعتباره جزءاً من تصور استراتيجي أشمل يتجاوز الإطار الثنائي الضيق، ويروم الإسهام في ترسيخ الاستقرار داخل المجال المتوسطي في ظل تداخل تحديات الهجرة وتعقيدات الأمن الإقليمي وتقلبات أسواق الطاقة. وضمن هذا الأفق، تبدو مدريد والرباط وكأنهما تمضيان نحو بلورة صيغة شراكة طويلة الأمد، تقوم على تشابك المصالح الاستراتيجية وتكامل الوظائف الجيوسياسية بين الضفتين.

وفي المقابل، يظل ملف الجمارك في سبتة ومليلية المحتلتين نقطة ارتكاز أساسية في رسم ملامح المستقبل الاقتصادي للعلاقات عبر الحدود، بالنظر إلى تأثيره المباشر على دينامية المبادلات التجارية وعلى التوازنات الاقتصادية المحلية داخل المدينتين. وبينما تؤكد السلطات الإسبانية أن التطورات الجارية تسير في منحى إيجابي، تواصل الأوساط المهنية المطالبة بإجراءات أكثر تحديداً ووضوحاً لضمان استقرار التبادل وتنظيم قواعده، في اختبار فعلي لقدرة المرحلة الراهنة على الانتقال من مجرد تهدئة سياسية إلى اندماج اقتصادي فعلي ومستدام.



في نفس الركن