☰
2026 أكتوبر 28 - تم تعديله في [التاريخ]

الموانئ الكبرى.. حين تتحول الرؤية الملكية إلى رافعة للتنمية المجالية

كيف تعبر ثمار الموانئ الكبرى إلى حياة المواطنين؟ محمد اليطفتي يقرأ الرؤية الملكية من زاوية فرص الشغل والتكوين والإنصاف المجالي بعيدًا عن الاكتفاء بأرقام الاستثمار.


محمد اليطفتي يقرأ أبعاد الرؤية الملكية للموانئ الكبرى ورهانات التنمية المجالية
★ العلم الإلكترونية - بقلم: محمد اليطفتي ★

ليست المشاريع المينائية الكبرى التي يواصل المغرب إنجازها مجرد أوراش للبنية التحتية، ولا هي استثمارات تقاس حصرًا بمليارات الدراهم أو بملايين الحاويات التي تستطيع استقبالها، وإنما هي تعبير عن اختيار استراتيجي يروم إعادة تشكيل موقع المملكة داخل الاقتصاد العالمي، وتوسيع آفاقها التنموية، وربط التنافسية الاقتصادية بتحسين شروط عيش المواطنين.

ومن هذا المنطلق، تكتسي جلسة العمل التي ترأسها جلالة الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، لتتبع تقدم إنجاز المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط ومشروع توسعة طنجة المتوسط، أهمية تتجاوز البعد التقني والاستثماري، لتؤكد استمرارية الرؤية الملكية التي جعلت من البنيات التحتية الكبرى رافعة للتحول الاقتصادي، وأداة لتعزيز إشعاع المغرب وتنافسيته.

لقد أدرك المغرب، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الدولي، أن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لصناعة القوة الاقتصادية، ما لم تتم مواكبته ببنيات مينائية ولوجيستية وصناعية قادرة على استثمار المؤهلات الوطنية وتحويلها إلى فرص حقيقية للنمو. ومن هنا، جاء الرهان على تطوير مركب طنجة المتوسط، الذي رسخ موقع المملكة ضمن سلاسل التجارة العالمية، وعلى إحداث مركب الناظور غرب المتوسط، بما يفتحه من إمكانات جديدة أمام الاستثمار والصناعة والخدمات اللوجيستية والأنشطة الطاقية.

إننا أمام مشروعين متكاملين، لا يتنافسان على الأدوار بقدر ما يعززان قدرة المغرب على تنويع أقطابه الاقتصادية وتوسيع امتداده التجاري والصناعي. فطنجة المتوسط، بما راكمه من قدرات وخبرات وشبكات دولية، يواصل تعزيز مكانته من خلال مشروع «طنجة المتوسط 3»، الذي سيضيف طاقة استيعابية تبلغ 4.5 ملايين حاوية سنويًا، بينما يتهيأ الناظور غرب المتوسط للاضطلاع بدور استراتيجي في استكمال المنظومة المينائية الوطنية، مستندًا إلى استثمارات عمومية وخاصة بلغت، وفق المعطيات المعلنة، 54 مليار درهم.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الأوراش لا تختزل في أرقام الاستثمار، ولا في ترتيب الموانئ ضمن التصنيفات الدولية، على أهمية ذلك كله، بل تكمن في قدرتها على إنتاج تنمية تتجاوز أسوار الميناء، وتمتد إلى المدن والقرى والمجالات الترابية المحيطة به. فالميناء الناجح ليس فقط الذي يستقبل السفن ويعالج الحاويات، وإنما الذي يخلق حوله نسيجًا اقتصاديًا منتجًا، ويحفز ظهور المقاولات، ويتيح فرصًا للشغل، ويمنح الشباب إمكانات جديدة للاندماج المهني والاجتماعي.

وهنا تبرز دلالة التوجيه الملكي الداعي إلى ضمان استفادة جميع الأقاليم المعنية من الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع، مع تسريع برامج التكوين الملائمة لحاجيات الأنشطة الناشئة. فهذا التوجيه يضع المسألة الاجتماعية في صلب المعادلة الاستثمارية، ويؤكد أن الغاية من تعبئة الموارد وإقامة المنشآت الكبرى ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل جعل هذا النمو محسوسًا في الحياة اليومية للمواطنين.

ولعل الرهان المطروح اليوم يتمثل في تحويل فرص الاستثمار إلى مناصب شغل مستدامة، وربط التكوين المهني والجامعي بالحاجيات الفعلية للمقاولات، وتمكين الشباب من اكتساب المهارات المطلوبة في مجالات اللوجيستيك والصناعة والتكنولوجيا والخدمات المرتبطة بالموانئ. كما يقتضي الأمر مواكبة المقاولات المحلية، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، حتى تتمكن من الاندماج في سلاسل التوريد والخدمات التي ستنشأ حول هذه الأقطاب الاقتصادية.

ولا تقل البنيات التحتية للربط أهمية عن الموانئ نفسها؛ فالخط السككي سلوان – الناظور غرب المتوسط، والطريق السيار جرسيف – الناظور غرب المتوسط، وتأهيل الشبكة الطرقية، تشكل جميعها عناصر أساسية لضمان اندماج المشروع في محيطه، وتوسيع دائرة المستفيدين من آثاره الاقتصادية. فالتنمية المجالية لا تتحقق بإنشاء قطب اقتصادي معزول، وإنما بإقامة شبكة من العلاقات الاقتصادية والمجالية التي تجعل ثماره ممتدة إلى أبعد من موقعه الجغرافي المباشر.

وهذا ما يجعل من التكامل بين طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط فرصة لتعزيز التوازن في توزيع الاستثمار والأنشطة الاقتصادية، وتثمين المؤهلات المختلفة لمناطق المملكة، وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني. كما أن البعد الطاقي الذي يتضمنه مشروع الناظور غرب المتوسط يمنحه أهمية إضافية، بالنظر إلى ارتباط الأمن الطاقي بالسيادة الاقتصادية وبقدرة البلاد على تأمين حاجياتها ومواكبة التحولات التي تعرفها الأسواق الدولية.

إن الرؤية التي تؤطر هذه الأوراش تستحق أن تُقرأ في سياقها الوطني الشامل؛ فهي لا تفصل بين بناء الاقتصاد وتعزيز العدالة المجالية، ولا تجعل من التنافسية غاية منفصلة عن التنمية البشرية. وهو توجه ينسجم مع جوهر الاختيار التعادلي الذي يجعل الإنسان والمجال في صلب السياسات العمومية، ويعتبر أن قوة الاقتصاد لا تكتمل إلا بقدرته على توسيع فرص الاندماج وتقليص الفوارق وتحقيق الإنصاف في توزيع ثمار التنمية.

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة الانتقال من إنجاز البنيات التحتية إلى تعظيم مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية، عبر حكامة فعالة، وتنسيق متواصل بين القطاعات والمؤسسات المعنية، وتوفير الشروط اللازمة لجذب الاستثمارات المنتجة، وتطوير التكوين، وضمان استفادة المجالات الترابية المحيطة من فرص الشغل والخدمات والأنشطة الاقتصادية الجديدة.

إن المغرب الذي يستثمر اليوم في موانئ المستقبل، إنما يستثمر في موقعه داخل الاقتصاد العالمي، وفي قدرته على مواجهة التقلبات الدولية، وفي آفاق أجياله الصاعدة. لكن القيمة النهائية لهذه الاستثمارات ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على إحداث التحول المنشود في حياة المواطنين، وجعل التنمية نتيجة ملموسة لا مجرد وعد مؤجل.

ذلك هو جوهر الرهان في هذه الأوراش الملكية الكبرى: أن تكون الموانئ بوابات للعبور نحو الأسواق العالمية، وأن تتحول في الوقت نفسه إلى بوابات للتنمية داخل الوطن، وأن يقترن إشعاع المغرب الاقتصادي بتحسين ظروف عيش أبنائه، حتى يصبح التقدم في مؤشرات التنافسية ترجمة فعلية للتقدم في مؤشرات الكرامة والإنصاف وتكافؤ الفرص.



في نفس الركن