العلم الإلكترونية - هشام الدرايدي
فجعت الساحة الأكاديمية والثقافية بالمغرب، يوم أمس الجمعة 7 غشت الجاري بمدينة المحمدية، بنبأ وفاة الأستاذ والمؤرخ الفذ لطفي بوشنتوف، بعد معاناة مع المرض، ليرحل في صمت ويترك خلفه إرثا علميا وإنسانيا مميزا عزز من ثراء الخزانة التاريخية الوطنية والجامعية.
وقد رحل بوشنتوف بعد مسار أكاديمي حافل بالبحث العلمي والتدريس الأكاديمي والتأليف، تشكّلت خلاله شخصيته العلمية الرصينة التي جعلت منه أحد أبرز أسماء الجيل الجديد من المؤرخين المغاربة الذين أعادوا قراءة تاريخ المغرب بمنهجية علمية تنبش في البنيات الاجتماعية والثقافية والسياسية بعيدا عن السرد السطحي. ولعل أبرز ما جادت به قريحته هو مشروعه الفكري المتين حول جدلية المعرفة والسياسة، والذي تجسد في أطروحته وكتابه المرجعي الشهير "العالم والسلطان"، وهو العمل الذي غاص فيه بأسلوب تحليلي دقيق في طبيعة العلاقات المتبادلة بين الطبقة العالمة والشرائح الصوفية من جهة، ومؤسسة السلطة من جهة أخرى، مبرزا أشكال التوافق والتدافع وآليات إنتاج المشروعية.
لم يكن الأستاذ لطفي بوشنتوف مجرد مؤرخ يكتفي بتجميع الوثائق ونفض الغبار عن الأرشيف، بل كان صاحب رؤية التزم فيها بالصرامة المنهجية والنقد التاريخي الصارم. وقد أسس، عبر أبحاثه وتأطيره لطلبة الجامعة المغربية، لفكر تاريخي يربط الماضي بالحاضر، ويركز على فهم آليات الاستمرار والتحول في المجتمع المغربي عبر التاريخ الحديث والمعاصر. وكان الراحل يعرف بين زملائه وطلابه بدمائة الأخلاق، والتواضع التام، والحرص الدائم على التوجيه العلمي بروح أبوية وسخاء معرفي، مما جعل خبر وفاته يخلف حزنا عميقا في الأوساط الجامعية وعند كل من نهل من علمه أو رافقه في رحلته البحثية.