2026 شتنبر 11 - تم تعديله في [التاريخ]

النار تكشف هشاشة سبتة.. 42 كوخًا تحترق ووثائق تفضح إنذارًا سبق الطوفان البشري

قبل أن تلتهم النار 42 مأوى في تاراخال، كان الإنذار فوق مكاتب مدريد.. وثائق رُفعت عنها السرية تكشف ما عرفته الأجهزة، بينما بقي آلاف العالقين يدفعون ثمن أزمة سبتة.


حريق مخيم تاراخال ووثائق التحذير

*العلم الإلكترونية*

لم تكن النيران التي التهمت، فجر اليوم الجمعة 11 شتنبر 2026، عشرات الأكواخ داخل مخيم عشوائي للمهاجرين في منطقة «نافيس ديل تاراخال» بسبتة المحتلة حادثًا منفصلًا عن الأزمة التي تعيشها المدينة، بل حلقة جديدة كشفت هشاشة الأوضاع الإنسانية والأمنية بعد أكثر من شهر على موجة العبور الجماعي، في وقت أظهرت وثائق رُفعت عنها السرية أن تحذيرات استخباراتية سبقت الانفجار الحدودي بيوم كامل.

واندلع الحريق قبيل منتصف الليل داخل تجمع عشوائي أقامه مهاجرون قرب المستودعات الصناعية بمنطقة تاراخال، قبل أن تمتد ألسنة اللهب بسرعة بين الأكواخ المبنية من الخشب والكرتون والأغطية البلاستيكية ومواد شديدة الاشتعال.

وأسفر الحريق عن تدمير 42 كوخًا ومأوى مؤقتًا، فيما أخلت السلطات مئات الأشخاص الذين كانوا ينامون داخل المخيم أو بالقرب منه، من دون تسجيل إصابات بشرية أو أضرار في المباني والمنشآت المجاورة.

واستغرقت فرق الإطفاء قرابة ساعتين للسيطرة على النيران، بمشاركة عناصر من الشرطة الوطنية والشرطة المحلية والقوات المسلحة الإسبانية. ولا تزال أسباب الحريق قيد التحقيق، وسط فرضيات أولية تربطه بموقد أو شمعة مشتعلة داخل المخيم، من دون حسم رسمي في مصدره حتى الآن.

ولم تكن تلك النيران الوحيدة التي شهدتها سبتة خلال الليلة نفسها؛ إذ تدخلت فرق الإطفاء للتعامل مع حرائق طالت ثماني سيارات وأربعة حاويات في مناطق متفرقة، ما جعل أجهزة الطوارئ تصفها بأنها واحدة من أصعب الليالي التي عاشتها المدينة خلال الفترة الأخيرة.

لكن الحريق الأكبر أعاد الأنظار إلى آلاف المهاجرين الذين ما زالوا عالقين داخل سبتة، بعدما عبر أكثر من 72 ألف شخص الحدود يومي 30 و31 يوليوز الماضي، وفق المعطيات الإسبانية المتداولة، في أكبر موجة عبور تشهدها المدينة.

وتقدر الحكومة الإسبانية عدد الذين ما زالوا داخل سبتة بنحو خمسة آلاف شخص، بينهم عدد كبير من القاصرين، فيما ترفع السلطات المحلية التقديرات إلى ما بين سبعة آلاف وعشرة آلاف، يعيش بعضهم في مراكز الإيواء، بينما يبيت آخرون داخل المخيمات العشوائية أو في الفضاءات العامة.

وبينما كانت النيران تلتهم الأكواخ، بقي سؤال آخر يشتعل داخل المؤسسات السياسية والأمنية الإسبانية: هل كانت مدريد تعلم مسبقًا بما يُعد على حدود سبتة؟

فقد كشفت مجموعة تضم أكثر من 40 وثيقة رفعت الحكومة الإسبانية عنها السرية أن المركز الوطني للاستخبارات أصدر، يوم 29 يوليوز، تحذيرات بشأن دعوات متداولة عبر مجموعات على «واتساب» و«فيسبوك» لاقتحام السياج الحدودي وعبور البحر نحو سبتة في اليوم التالي.

ووفق الوثائق المنشورة، أشار أحد التنبيهات إلى وجود مجموعتين رقميتين تضمان نحو 180 ألف متابع، تتداولان دعوات للعبور الجماعي تزامنًا مع احتفالات عيد العرش، بما يعطي فكرة عن اتساع نطاق التعبئة التي سبقت الأزمة.

كما أظهرت المراسلات أن التحذيرات وُجهت إلى مندوبية الحكومة الإسبانية في سبتة والحرس المدني والأجهزة المغربية المختصة، وأن مركز الهجرة والحدود الإسباني تحدث عن احتمال «مرتفع» لتنفيذ عمليات عبور عن طريق السباحة، إلى جانب احتمالات أخرى لاجتياز السياج البري.

وتضع هذه الوثائق الحكومة الإسبانية أمام أسئلة ثقيلة بشأن مدى استجابتها للإنذارات التي توصلت بها، والسبب وراء عدم رفع مستوى الاستعداد، رغم أن الدعوات كانت منتشرة داخل مجموعات تضم عشرات الآلاف من المتابعين.

ويرفض رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، اعتبار تلك التحذيرات دليلًا على أن السلطات كانت تعرف مسبقًا حجم ما سيحدث، مؤكدًا أن الأجهزة كانت تتابع الدعوات، لكنها لم تتوقع عدد المشاركين ولا طبيعة موجة العبور التي شهدتها المدينة.

كما سبق لسانشيز أن أكد عدم وجود أدلة تثبت أن المغرب دبر عملية العبور الجماعي، في وقت تحاول فيه المعارضة الإسبانية تحميل حكومته مسؤولية التقصير، مستندة إلى الوثائق التي أثبتت وجود تحذيرات أمنية قبل بداية الأزمة.

وبين رواية الحكومة وهجوم المعارضة، بقي آلاف المهاجرين في الشوارع والمخيمات، وبقيت سبتة عاجزة عن توفير أماكن إيواء كافية، حتى جاءت النيران لتدمر جزءًا من المأوى الهش الذي أقاموه بأنفسهم.

وهكذا لم يعد حريق تاراخال مجرد حادث عرضي داخل مخيم عشوائي؛ فقد تحول إلى صورة مكثفة لأزمة كانت إشاراتها ظاهرة قبل الانفجار، ثم تُركت تتفاقم حتى أصبح آلاف الأشخاص عالقين بين سياج مغلق وبحر خطير ومدينة لم تعد قادرة على استيعابهم.



في نفس الركن