*العلم الإلكترونية - حكيمة الوردي*
واصلت أسعار النفط العالمية نزيفها، اليوم الأربعاء 26 غشت 2026، وهبطت إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من أسبوعين، بعدما عزز استئناف المحادثات بين إيران وسلطنة عُمان الآمال في إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف القيود المفروضة على الملاحة، ما أعاد بقوة سؤال انعكاس هذا التراجع على أسعار الغازوال والبنزين في محطات الوقود المغربية.
وأفادت وكالة «رويترز» بأن العقود الآجلة لخام برنت انخفضت خلال تداولات الأربعاء بنحو 3 في المائة، لتلامس 85.85 دولاراً للبرميل، قبل أن تتداول قرب 86.40 دولاراً، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 2.68 في المائة إلى نحو 80.15 دولاراً، بعدما سجل الخامان أدنى مستوياتهما منذ 10 غشت الجاري.
ويمدد هذا الهبوط الخسائر القوية المسجلة خلال جلسة الثلاثاء، حين فقد الخامان أكثر من 4 في المائة أثناء التداولات، قبل أن يقلصا جانباً منها عند التسوية ويغلقا على انخفاض تجاوز 3 في المائة.
وكان خام برنت قد نزل الثلاثاء إلى نحو 88.34 دولاراً للبرميل، فيما تراجع الخام الأمريكي إلى قرابة 81.67 دولاراً، بعدما تعامل المستثمرون مع العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران باعتبارها أقل تهديداً للإمدادات العالمية من سيناريو التصعيد العسكري المباشر أو الإغلاق المطول لطرق الملاحة.
غير أن موجة البيع الجديدة التي شهدتها الأسواق الأربعاء ارتبطت أساساً بتجدد الآمال في إحراز تقدم دبلوماسي بشأن مضيق هرمز، عقب إعلان إيران استئناف محادثاتها مع سلطنة عُمان حول إدارة حركة الملاحة عبر الممر المائي الاستراتيجي.
وكانت طهران ومسقط قد أعلنتا، الثلاثاء، مناقشة إنشاء «ممر ملاحي مشترك مؤقت» عبر المضيق، إلى جانب الاتفاق على العمل من أجل تطهيره من الألغام، وهي مؤشرات دفعت المستثمرين إلى تقليص علاوة المخاطر التي رفعت أسعار النفط خلال الأسابيع الماضية.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى موقع مضيق هرمز في خريطة الطاقة العالمية، إذ كان يعبره نحو خمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي.
ورغم استمرار الضبابية بشأن قدرة المباحثات على إعادة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية، فإن مجرد الانتقال من لغة التصعيد والعقوبات إلى الحديث عن ممر مؤقت وإزالة الألغام كان كافياً لدفع الخامين القياسيين إلى مزيد من التراجع.
وتأتي هذه التطورات في وقت تراقب فيه الدول المستوردة للطاقة، ومن بينها المغرب، اتجاه الأسواق الدولية، أملاً في أن يفتح استمرار الهبوط المجال أمام مراجعة أسعار المحروقات محلياً مع بداية شهر شتنبر.
لكن انخفاض سعر برميل النفط الخام لا ينتقل بصورة فورية أو آلية إلى الأسعار المعروضة في محطات الوقود، لأن السوق المغربية تستورد أساساً منتجات بترولية مكررة، ويتحدد ثمنها انطلاقاً من تطور الأسعار الدولية للغازوال والبنزين، وليس من سعر النفط الخام وحده.
كما تدخل في بناء السعر النهائي عوامل أخرى، من بينها سعر صرف الدرهم مقابل الدولار، وكلفة الشحن والتأمين والتخزين، والرسوم والضرائب، إضافة إلى مصاريف وهوامش الاستيراد والتوزيع.
ويؤدي الفارق الزمني بين شراء الشحنات ووصولها إلى المغرب وتسويقها إلى تأخر ظهور التحولات المسجلة في الأسواق الدولية على المضخات، خاصة عندما تكون الشركات قد اقتنت مخزوناتها بأسعار سابقة مرتفعة.
وكانت أسعار المحروقات في المغرب قد عرفت، ابتداءً من ليلة 16 غشت، زيادة بنحو 65 سنتيماً في سعر لتر الغازوال، ليتراوح ثمنه في عدد من المحطات حول 14.90 و14.95 درهماً، بينما انخفض سعر البنزين بنحو 30 سنتيماً ليستقر في حدود 14.94 درهماً للتر، مع تسجيل فروق طفيفة بين المدن والمحطات وشركات التوزيع.
وجاءت هذه المراجعة بعد زيادة سابقة قاربت درهماً واحداً في بداية غشت، ما أعاد كلفة التزود بالوقود إلى صدارة انشغالات الأسر والمهنيين، خصوصاً العاملين في قطاع النقل، بالنظر إلى تأثيرها المباشر في مصاريف التنقل ونقل البضائع وأسعار عدد من المنتجات والخدمات.
وتخضع أثمان المحروقات في المغرب للمراجعة بصورة دورية، غالباً في بداية كل شهر ومنتصفه. ولذلك فإن استمرار تراجع النفط، واتساع الهبوط ليشمل الأسعار الدولية للغازوال والبنزين المكررين، قد يوفران مساحة لتخفيض محتمل خلال المراجعة المرتقبة مطلع شتنبر.
ومع ذلك، يظل تحديد قيمة أي تخفيض سابقاً لأوانه، لأن الشركات لا تعتمد سعر جلسة واحدة، وإنما متوسطات الأسعار خلال فترة زمنية محددة، إلى جانب تطور الدولار وكلفة الشحن والتأمين ومستويات المخزون المتاح.
وأظهر أحدث تقرير لمجلس المنافسة بشأن تتبع التزامات تسع شركات لتوزيع الغازوال والبنزين، والمتعلق بالربع الرابع من سنة 2025، أن رقم معاملات نشاط المحروقات لدى هذه الشركات بلغ نحو 70.4 مليار درهم، مقابل 77.3 مليار درهم خلال 2024، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 8.9 في المائة.
وبلغ صافي النتيجة المتراكمة لنشاط المحروقات لدى الشركات التسع نحو 2.16 مليار درهم خلال 2025، مقابل 2.3 مليار درهم في السنة السابقة، بينما استقر متوسط هامش الربح الصافي عند 3 في المائة.
وكشف التقرير نفسه أن متوسط الهامش الصافي للغازوال انخفض من 43 سنتيماً للتر في 2024 إلى 29 سنتيماً خلال 2025، في حين ارتفع هامش البنزين من 61 إلى 74 سنتيماً للتر خلال الفترة نفسها.
وتؤكد هذه المعطيات أن العلاقة بين الأسعار الدولية وأسعار البيع المحلية تمر عبر سلسلة من التكاليف والهوامش، لكنها تضع في الوقت ذاته سرعة انتقال الانخفاضات العالمية إلى المستهلك تحت المراقبة، خصوصاً بعدما أظهرت المحطات قدرة سريعة على تمرير الزيادات عند صعود الأسواق.
ولا يزال احتمال ارتداد أسعار النفط قائماً إذا تعثرت محادثات إيران وسلطنة عُمان، أو تجدد التصعيد العسكري، أو تعطلت الملاحة عبر مضيق هرمز. لكن استمرار تراجع الخام لعدة جلسات، وهبوطه إلى أدنى مستوى في أكثر من أسبوعين، يجعلان انتظار انعكاس هذا المسار على السوق المغربية أمراً مشروعاً.
وستشكل مراجعة مطلع شتنبر اختباراً حقيقياً لمدى تفاعل أسعار المحروقات في المغرب مع الانخفاض العالمي؛ فإما أن يجد التراجع طريقه إلى جيوب المستهلكين، ولو بعد فارق زمني تفرضه دورة الاستيراد، وإما أن تبتلعه مجدداً تكاليف الصرف والشحن والمخزون والهوامش.
وبين هبوط برنت إلى ما دون 86 دولاراً وترقب انفراج الملاحة في مضيق هرمز، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الأسواق العالمية قد تراجعت، بل متى وبأي مقدار سيصل أثر هذا التراجع إلى لوحات الأسعار في محطات الوقود المغربية.