*بقلم: بوشعيب حمراوي*
لم تعد مشاكل الوداديات السكنية في المغرب مجرد نزاعات عابرة بين منخرطين ومكاتب مسيرة، ولا حالات استثنائية يمكن اختزالها في رئيس أساء التدبير هنا أو أمين مال أخطأ الحساب هناك، بل أصبحت، بالنظر إلى تكرار الشكايات وتشابه الوقائع وتعدد المدن والأقاليم التي ظهرت فيها الملفات، قضية تستحق وقفة تشريعية وإدارية وقضائية حقيقية؛ لأن الأمر يتعلق في النهاية بمدخرات أسر، وبسنوات من العمل والاغتراب، وبحلم السكن الذي قد يبدأ بوصل انخراط وينتهي بعد عشر سنوات أو أكثر بملف ثقيل أمام القضاء.
وقد كان لافتًا خلال مناسبة اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج، الذي خُلّد هذه السنة تحت شعار «المغاربة المقيمون بالخارج في خدمة أوراش المغرب 2030»، أن يعود ملف العقار والوداديات السكنية بقوة إلى الواجهة. ففي الصخيرات–تمارة، أعلن ضحايا مافيا العقار والوداديات السكنية عن احتجاج بالتزامن مع المناسبة، مؤكدين أن ضمن المتضررين عددًا مهمًا من مغاربة العالم الذين استثمروا مدخراتهم للحصول على سكن. وفي بنسليمان، استحوذ ملف إحدى الوداديات على جزء مهم من اللقاء التواصلي، إلى درجة أن عامل الإقليم اتهم مكتبها بلعب دور منعش عقاري وممارسة نشاط يتجاوز، في تقديره، الوظيفة الأصلية للودادية.
وهنا بالضبط يجب أن نطرح السؤال الذي تأخر كثيرًا: ما هي الودادية السكنية أصلًا؟ ولماذا وُجدت؟ ومتى تحولت بعض الوداديات من آلية للتضامن بين المواطنين إلى واجهة لممارسة نشاط عقاري بملايين الدراهم؟
الودادية ليست شركة عقارية… والمنخرط ليس زبونًا عند رئيسها
الفكرة الأصلية للودادية السكنية بسيطة ونبيلة؛ مجموعة من المواطنين تجمعهم حاجة مشتركة إلى السكن، فيتكتلون في إطار غير ربحي، ويوحدون إمكاناتهم المالية من أجل اقتناء أرض وتجهيزها وبنائها أو توزيع بقعها عليهم، بحيث يستفيد الجميع من قوة العمل الجماعي ومن تقليص الكلفة التي كان سيضيفها هامش ربح المنعش العقاري.
أي أن الودادية، في فلسفتها، ليست متجرًا لبيع الشقق والبقع، وليست شركة عقارية يملكها الرئيس وأعضاء المكتب، ولا يفترض أن يكون رئيسها «مول المشروع» وبقية المنخرطين مجرد زبناء ينتظرون منه مفاتيح مساكنهم.
الرئيس مؤتمن، والمكتب المسير مؤتمن، والأموال أموال المنخرطين، والعقار يفترض أن يكون لخدمتهم، والقرارات الكبرى يجب أن تعود إليهم وفق القانون الأساسي وقرارات الجموع العامة.
والأهم أن الودادية السكنية في صورتها الجمعوية لا تقوم أصلًا على توزيع الأرباح، وإنما على إنجاز مشروع سكني لفائدة أعضائها. لكن المفارقة القانونية الكبرى أن المغرب لا يتوفر إلى اليوم على قانون خاص ومتكامل بالوداديات السكنية يراعي خصوصية الأموال والعقار والمشاريع التي تديرها، ولذلك تخضع الوداديات المتخذة شكل جمعية للإطار العام المنظم للجمعيات، رغم أنها قد تجمع عشرات الملايين من الدراهم وتشتري عقارات وتبرم صفقات وتدير مشاريع ضخمة.
وهنا تبدأ المشكلة.
كيف يتحول رئيس ودادية إلى منعش عقاري دون أن يحمل الصفة؟
يبدأ الانحراف عندما تتغير العلاقة داخل الودادية؛ فلا يعود المنخرط شريكًا في مشروع جماعي يعرف أرضه وثمنها وتكلفة تجهيزها ومراحل الأشغال وحساباتها، بل يتحول تدريجيًا إلى شخص لا يعرف سوى رقم حساب يؤدي فيه الأقساط وينتظر.
ثم يبدأ المكتب في الاشتغال بمنطق مختلف: البحث عن أراض جديدة، إطلاق مشاريع متعددة، استقبال منخرطين جدد باستمرار، تحديد أسعار ومواعيد للتسليم، الترويج للمشاريع، التعامل مع المقاولات ومكاتب الدراسات، وأحيانًا الانتقال من مشروع إلى مشروع ومن جماعة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى.
وعندما تصل ودادية ما إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن فعلًا أمام جمعية هدفها تمكين أعضائها من السكن بالتكلفة، أم أمام نشاط للإنعاش العقاري يرتدي عباءة العمل الجمعوي؟
فالمنعش العقاري يمارس نشاطًا اقتصاديًا معروفًا، ويتحمل التزامات قانونية وضريبية وتجارية وتقنية، ويبيع منتجًا عقاريًا وفق قواعد محددة، بينما قد يتمكن شخص من إدارة عمليات عقارية ضخمة تحت اسم «ودادية» وبآليات رقابية لا تتناسب إطلاقًا مع حجم الأموال التي تمر بين يديه.
وهذا الاختلال ليس مجرد انطباع صحفي؛ فقد وصل إلى المؤسسة التشريعية، حيث طُرح بمجلس النواب سؤال رسمي حول الفراغ القانوني المؤطر للوداديات السكنية، أشار صراحة إلى أن بعض الجهات تستعمل صيغة الودادية لممارسة أنشطة ذات طبيعة عقارية واقتصادية خارج الضوابط المفروضة على الفاعلين المهنيين، وما يترتب عن ذلك من مشاكل في حماية المواطنين والمنافسة والأمن التعاقدي.
من «رئيس متطوع» إلى متحكم في الملايين… هنا يكمن الخطر
لا يمكن أن نقبل بمنطق قانوني يسمح لجمعية عادية بأن تتعامل مع عشرات أو مئات الملايين من الدراهم، وربما أكثر، بالطريقة الرقابية نفسها تقريبًا التي تُدار بها جمعية ثقافية صغيرة في حي.
العقار ليس نشاطًا جمعويًا بسيطًا. هناك شراء للأرض، وتحفيظ، وتجهيز، ودراسات، ورخص، ومقاولات، وربط بالماء والكهرباء والتطهير، وضرائب ورسوم والتزامات تعاقدية وآجال وتسليم، وهناك قبل كل ذلك أموال مواطنين قد تكون حصيلة عشرين أو ثلاثين سنة من العمل.
وقد كشفت ملفات وصلت إلى القضاء والإعلام عن اتهامات خطيرة في بعض الحالات: تحويلات إلى حسابات لا تخص الودادية، سوء تدبير، تبديد أموال، تأخر مشاريع لسنوات طويلة، خلافات حول العقارات والحسابات، ورؤساء أو مسيرين يجد المنخرطون أنفسهم في مواجهتهم أمام القضاء بدل أن يجدوا أنفسهم أمام أبواب مساكنهم.
وفي إحدى القضايا بالمنصورية سبق أن صدرت إدانة ابتدائية في حق رئيس ودادية بعد متابعته في ملف اتُّهم فيه بالنصب والاحتيال وتبديد مبالغ ضخمة، وكان ضمن المنخرطين المتضررين مهاجرون مغاربة بأوروبا. وفي آسفي، كشفت قضية أخرى، بحسب ما نشر إعلاميًا استنادًا إلى وثائق الملف، عن اتهامات مرتبطة بإيداع بعض أموال المنخرطين في حسابات لا تعود للودادية.
لسنا أمام مخاوف نظرية، بل أمام تجارب صنعت ضحايا حقيقيين.
لماذا يصبح مغاربة العالم صيدًا سهلًا لبعض المشاريع؟
مغربي العالم الذي قضى سنوات في فرنسا أو إيطاليا أو بلجيكا أو هولندا أو إسبانيا أو ألمانيا أو غيرها لا يبحث دائمًا عن مشروع تجاري عندما يضع ماله في العقار بالمغرب؛ كثيرون يريدون ببساطة بيتًا يعودون إليه صيفًا، أو مسكنًا للتقاعد، أو شقة لأبنائهم، أو قطعة أرض تحفظ صلتهم بالوطن.
وهنا تتحول الثقة والعاطفة أحيانًا إلى نقطة ضعف.
فالمهاجر يوجد آلاف الكيلومترات بعيدًا عن المشروع، ولا يستطيع زيارة الورش كل أسبوع، ولا حضور كل جمع عام، ولا مراقبة الوثائق باستمرار، وقد يكتفي بما يصله عبر الهاتف أو «واتساب» من صور ووعود وتطمينات.
تمر سنة ثم سنتان، ويقال له إن الرخصة تأخرت. ثم يقال إن التجهيز تعطل. ثم إن هناك مشكلة مع الجماعة. ثم الوكالة الحضرية. ثم المحافظة العقارية. ثم المقاول.ثم الماء والكهرباء.
وتستمر الأعذار، بينما تستمر المطالبة بالأقساط.
وعندما يعود المهاجر إلى المغرب بعد سنوات ليطالب بسكنه أو ماله، قد يكتشف أن القضية أكبر بكثير مما كان يعتقد، وأن أمامه عشرات المنخرطين في الوضع نفسه، ومشروعًا متوقفًا، وحسابات تحتاج إلى افتحاص، ونزاعات قضائية، وربما رئيسًا اختفى أو استقال أو أصبح خارج متناول المنخرطين.
وهنا لا تضيع الأموال وحدها؛ تُضرب الثقة في الوطن وفي الاستثمار داخله. وهذه أخطر خسارة يمكن أن يتكبدها المغرب.
ليس كل رئيس ودادية متهمًا… وليس كل مشروع فاشل نتيجة سرقة
ومن الإنصاف، ونحن نفتح هذا الملف، ألا نحول جميع الوداديات السكنية إلى قفص اتهام جماعي. هناك وداديات نجحت، وهناك رؤساء وأعضاء مكاتب اشتغلوا بنزاهة وتطوع وتحملوا سنوات من الضغط من أجل إيصال المشاريع إلى نهايتها، وهناك مشاريع تعطلت فعلًا بسبب تعقيدات التعمير أو نزاعات عقارية أو بطء إداري أو ارتفاع تكاليف التجهيز ومواد البناء أو عراقيل خارجة عن إرادة المكاتب.
كما أن بعض المنخرطين أنفسهم قد يتوقفون عن أداء المساهمات، فتتعطل المشاريع بسبب غياب السيولة. لذلك لا يجوز الخلط بين مشروع متعثر ومشروع تعرض لسوء تدبير ومشروع تحوم حوله شبهات جنائية.
لكن وجود وداديات نزيهة لا يلغي الحاجة إلى القانون؛ بل على العكس، القانون القوي يحمي الوداديات النزيهة بقدر ما يحمي المنخرطين، لأنه يميز العمل التضامني الحقيقي عن التجارة العقارية المتخفية.
آن الأوان لقانون خاص… لأن ملايين الدراهم لا يمكن أن تحكمها النيات الحسنة
المغرب بحاجة إلى إخراج الوداديات السكنية من المنطقة الرمادية.
نحتاج إلى قانون خاص يحدد بدقة متى يمكن إنشاء ودادية سكنية، وعدد مشاريعها، وطريقة جمع الأموال، وكيفية التصرف فيها، وشروط اقتناء الأراضي، ومن يراقب الحسابات، ومتى يصبح التدقيق المالي إلزاميًا، وكيف يتم إخبار المنخرطين، وما هي مسؤولية الرئيس وأمين المال وبقية أعضاء المكتب.
وينبغي، في تقديري، منع إطلاق أي مشروع أو جمع مساهمات مالية كبيرة قبل تحديد العقار والوضعية القانونية والتعميرية للمشروع، وإلزام الودادية بحساب بنكي خاص بكل مشروع، ومنع تحويل أموال مشروع لتمويل مشروع آخر، وإخضاع الحسابات لافتحاص سنوي مستقل عندما تتجاوز المبالغ سقفًا محددًا، وإتاحة التقارير والوثائق الأساسية لجميع المنخرطين.
كما يجب التفكير في منع الودادية الواحدة من إطلاق مشاريع متعددة في مناطق مختلفة دون شروط صارمة؛ لأن الودادية التي تتحول إلى ماكينة دائمة لاقتناء الأراضي واستقطاب آلاف المنخرطين وإطلاق المشاريع المتتالية تقترب عمليًا من وظيفة المنعش العقاري، حتى ولو استمرت في حمل صفة جمعية.
وإذا أراد شخص ممارسة الإنعاش العقاري، فليمارسه بصفته الحقيقية ووفق القوانين المنظمة له، لا أن يستفيد من ثقة المواطنين ومن الغطاء الجمعوي ثم يمارس نشاطًا اقتصاديًا واسعًا.
لا يكفي اعتقال الرئيس بعد ضياع الأموال
أكبر خطأ هو أن تظل الدولة تنتظر وقوع الكارثة.
ماذا يستفيد المنخرط إذا حُكم على رئيس ودادية بعشر سنوات سجنا بينما اختفت أمواله؟
ماذا تستفيد أسرة دفعت مدخرات عشرين سنة إذا صدر حكم قضائي بعد عشر سنوات أخرى دون أن تجد الأموال لاسترجاعها؟
العدالة الجنائية ضرورية عندما تثبت الجريمة، لكنها تأتي بعد وقوع الضرر.
أما المطلوب فهو الوقاية قبل الجريمة. نحتاج إلى رقابة مالية وإدارية استباقية، وإلى آلية إنذار مبكر عندما تتوقف الأشغال دون مبرر، أو تتجاوز المشاريع آجالها بشكل غير طبيعي، أو تتكرر شكايات المنخرطين، أو ترفض المكاتب تقديم الحسابات والوثائق، أو تظهر تحويلات مالية غير مبررة.
كما نحتاج إلى منصة وطنية رقمية للوداديات السكنية، يستطيع أي مواطن قبل أن يدفع درهمًا واحدًا أن يعرف من خلالها تاريخ تأسيس الودادية، وأعضاء مكتبها، والمشاريع التي تديرها، والوضعية القانونية للعقار، والرخص المتوفرة، وعدد المنخرطين، ونسبة تقدم المشروع، وتقارير الافتحاص المالي.
فلا يعقل أن يستطيع المواطن تتبع طرد بريدي لا تتجاوز قيمته مئات الدراهم لحظة بلحظة، بينما لا يستطيع تتبع مصير مئات الآلاف من الدراهم التي وضعها في مشروع سكني.
اليوم الوطني للمهاجر كشف الجرح… فلا نغلق الملف بانتهاء اللقاءات
الرسالة التي ينبغي أن نلتقطها من لقاءات مغاربة العالم ليست عدد الكراسي التي امتلأت ولا عدد العروض التي قُدمت ولا الصور التذكارية التي التُقطت.
الرسالة الحقيقية توجد في الشكايات. وعندما تتكرر مشاكل العقار والوداديات السكنية على ألسنة مغاربة العالم، فذلك يعني أن هناك خللًا يستحق أن ينتقل من قاعات العمالات إلى طاولة الحكومة والبرلمان ووزارة الداخلية ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ووزارة العدل.
لا ينبغي أن يعود المهاجر كل صيف ليعيد الشكاية نفسها. ولا ينبغي أن يسمع كل سنة العبارة نفسها: «ملفكم قيد الدراسة».
من حقه أن يعرف أين ذهبت أمواله، ومن حقه أن يعرف لماذا توقف مشروعه، ومن حقه أن يحصل على حسابات واضحة، ومن حقه أن يعرف من يتحمل المسؤولية.
الودادية وُجدت لتخفض ثمن السكن… لا لتخفض منسوب الثقة في الوطن. القضية في النهاية أكبر من شقة أو بقعة أرضية. إنها قضية ثقة.
عندما يدخر مهاجر مغربي جزءًا من راتبه عشرين سنة ثم يحوله إلى وطنه، فهو لا يحول المال فقط، بل يحول معه ثقته وأمله ومشروع عودته.
وحين تضيع تلك المدخرات داخل مشروع غامض، فإن الخسارة لا يتحملها الضحية وحده.
المغرب أيضًا يخسر. يخسر مستثمرًا محتملًا، ويخسر ثقة أسرة كاملة، ويخسر رسالة إيجابية كان يمكن لذلك المغربي أن يحملها إلى أبنائه وأصدقائه ومحيطه في بلد الإقامة.
لهذا فإن حماية ضحايا الوداديات السكنية ليست مجاملة لمغاربة العالم، وليست ملفًا موسميًا نفتحه في العاشر من غشت ونغلقه في الحادي عشر منه.
إنها جزء من حماية الاستثمار ومن الأمن العقاري ومن هيبة القانون.
والمطلوب اليوم ليس القضاء على الوداديات السكنية، لأن الفكرة في أصلها تضامنية ومفيدة ويمكن أن تساعد آلاف الأسر على امتلاك السكن بتكلفة معقولة، وإنما المطلوب إنقاذ الودادية من الذين حولوها إلى مشروع تجاري شخصي، وإنقاذ المنخرط من أن يبقى ممولًا بلا سلطة، وإنقاذ المال من أن يبقى تحت رحمة الثقة وحدها.
فالودادية الحقيقية يجب أن تكون تجمعًا لمن يريدون السكن، لا وسيلة لمن يريدون الاغتناء من الباحثين عن السكن.
ومن أراد أن يكون منعشًا عقاريًا، فليدخل من باب الإنعاش العقاري، وليؤد ضرائبه، وليتحمل التزاماته، وليخضع لرقابته.
أما أن نضع لافتة «ودادية سكنية» فوق مشروع عقاري ضخم، ونجمع أموال مئات الأسر، ثم عندما يتعثر المشروع نترك الضحايا يبحثون سنوات بين العمالة والمحكمة ومقر الودادية عن الرئيس وعن أموالهم وعن حلمهم الضائع، فذلك وضع لم يعد مقبولًا.
لقد حان الوقت لقانون يقول بوضوح: الودادية للسكن التضامني… وليست قناعًا للإنعاش العقاري.