2026 يوليو/جويلية 2 - تم تعديله في [التاريخ]

«الورور» وفيلمي «المغني»!.. قاسم حول

يستعرض السينمائي العراقي قاسم حول شهادة شخصية عن سنوات الدكتاتورية في العراق، مستعيدًا تفاصيل ألهمت فيلمه «المغني»، في عمود رأي يتناول الاستبداد والذاكرة والسينما بوصفها وسيلة لتوثيق التاريخ.



كلمة “ورور” العراقية، تعني المسدس، وهي مأخوذة من الكلمة الإنكليزية: Revolver، مثلها مثل كلمة “دريول” العراقية، أي السائق، وهي مأخوذة من الكلمة الإنكليزية: Driver، ومثلها مثل كلمة “دللـ..ول” العراقية، أي التهويدة أو التنويمة، النومة الهادئة للطفل، ومأخوذة من الكلمة الإنكليزية: Lull، وقد يكون القاموس الإنكليزي قد أخذها من السومريين حيث وجدت محفورة على أحد الرقم الطينية..!

عام 1978 كنت في القطار المتوجه من مدينة “فلورنسا” إلى “روما” وحدي في كابينة القطار، عندما دخلت امرأة عراقية الملامح في حوالي الخمسين من عمرها، ومعها صبية ساحرة الجمال حقا، التي سألتني بالإنكليزية، أن كانت المقاعد شاغرة، فأشرت لها بكلمة واحدة “تفضلوا” ومسكت صحيفة إيطالية لأشغل نفسي بصورها، وأنا أتطلع إلى المساحات الخضراء من الشباك، حين فاجأتني الصبية الجميلة بالقول.. أنت عراقي وأظنك السينمائي “قاسم حول” لم تكن تعرف أني في إيطاليا مهاجراً ولست في رحلة مؤقتة، وسألتهما إن كانتا في إجازة عائلية أم هم في إقامة دائمة في إيطاليا، أجابت الصبية الجميلة، نحن في سفرة هدية من “السيد النائب” وتعبير السيد النائب كناية عن الدكتاتور الفاشي “صدام حسين” حين لم يصبح بعد رئيسا، وجمالها الأخاذ يشي بطبيعة الهدية..! 

أثارتني القصة وأنا أكتب بسيناريو فيلمي “المغني”..!

الموضوع صار مثيراً، أن يكون حدثاً في فيلم المغني، فدعوتهما لعشاء لليوم الثاني، وفي اليوم التالي جاءت الأم على الموعد في الموقع التاريخي الروماني “الكولوسيوم” وقالت لي “بنتي ستأتي بعد وقت” سألتها “دردشة” عن حياتها فخبرتني انها زوجة “فلان النجفي” الذي كان قائداً في محلية الحزب الشيوعي العراقي في مدينة النجف حينما أعدم تعذيبا من قبل البعثيين، في الانقلاب الذي حصل ضد جمهورية نبي العراق المعاصر، عبد الكريم قاسم في الثامن من شهر فبراير 1963 وقالت، كان عمر ابنتي آنذاك ثمان سنوات.. اقتربت الصورة عندي، وأنا أتذكر اسم زوجها الذي تردد في الأوساط السياسية، وروت لي بعض التفاصيل المتناثرة وكيف تمت زيارة ابنتها للسيد النائب “صدام” في مكتبه، وصارت تزوره كلما طلبها.. وسكتت.. نزلت الدموع من عينيها صمتا ومسحتها.. وأردفت القول وكأنما تحدث نفسها، أو كأنها تعاتبه سبحانه ” إلهي.. لماذا خلقت ابنتي بهذا الجمال..؟!”

قطعت حديثنا وصمتنا التالي، أصوات أبواق وموكب دراجات بخارية “موتور سايكل” عددها بالعشرات يعتليها شلة من الفاشيين الإيطاليين المعروفين بالفوضى والتخريب، وكلهم يلبسون ملابس جلدية ويتمنطقون بالسلاسل الحديدية وعلى عيونهم نظارات سوداء ويقودهم رئيس الشلة الفاشية، وتوقف الموكب قرب “الكولوسيوم” وفوجئت بأن الصبية الجميلة كانت في المقعد الخلفي لرئيس المجموعة وكانت تطوقه ونزلت ومنحته قبلة. ودعته وتوجهت نحو المكان الذي ننتظرها فيه وغادرت مجموعة الفاشيين المكان وهم يطلقون أصوات الأبواق التي صار صوتها معروفا عند الإيطاليين..!

ثمة وقفة سريعة أمام المشهد والصبية تطوق الرئيس الفاشي، وتمنحه قبلة وتتوجه صوبنا. إن الحالة التي شاهدتها، هي بمثابة انتقام سيكولوجي من الحياة ومن المجتمع.. هي ردة فعل عبثية جنونية على فعل الاغتصاب في اللقاء الأول، ومن ثم الاعتياد في الأيام التالية على الحادث، موقف فيه بعض الخبل، تجتمع مفرداته في ذاتها لتشكل انعكاس الموقف الفاشي والتصرف بردة فعل جنونية باللاوعي، وكان يمكن أن يكون العكس، أن تتحول إلى ثائرة تحاكي جيفارا وحسن سريع وسلام عادل ومحمد باقر الصدر وبنت الهدى، ودلال المغربي وسناء محيدلي، وكثير من بطلات وأبطال التاريخ النضالي في الكون، ويمكن أن تكون الحالة التي شاهدتها هي البديل الذي يدفع للانتقام من المجتمع، انعكاسا لحالات الاغتصاب المتتالية التي مارسها الوحش مع الصبية التي خسرت والدها طفلة، يغتصبها قرد كثيف الشعر الذي كتب عنه “يوجين أو- نيل”.. الحالتان حدثا ممكنا، حسب الوعي الاجتماعي والفردي الإنساني، وحسب تدني أو ارتقاء المجتمع وعيا، على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية..!

التقاني السيد النائب في مؤسسة المطار العراقي حين زارها بجولة تفتيشية، تقول الفتاة ساحرة الجمال، وتضيف “وتوقف عندي ثوان ومعه مدير المطار، ثم همس لمرافقه، واستمر يفتش غرف الموظفين، ولم يلحق به المرافق قبل أن يأخذ مني رقم الهاتف وعنوان المنزل، وصرت أرتجف من الخوف..!

في اللقاء الأول مع الدكتاتور المغتصب للوطن ولأهل الوطن، تقول الصبية الجميلة، كنت خائفة لأنه كان يحدثني وهو يعبث بالمسدس الذي اسمته “الورور”، تجرأت القول “سيدي أني أخاف أن يطلق الورور علي النار” فأبتسم وقهقه مثل صوت تموج الصفيحة، وركن الورور جانبا، لكنني في المرات اللاحقة اعتدت على الحالة.. كم مكثت معه؟.. قرابة الشهرين.. حسب..!! وهل فتشوك قبل اللقاء؟.. تفتيش بسيط، ولكنهم كانوا عند تفتيش بعض الأشخاص يغطون عيونهم بعصّابة قماش، حتى لا يستدلوا على المكان.. ويتم تجريدهم من ملابسهم كاملة، والتطلع عبر العدسة المكبرة المرفقة بالضوء الصغير، ويتطلعون إلى المناطق الحساسة من أجسامهم، وهو ما حصل للشاعر “فلان” الذي كتب شعراً يمتدح فيه السيد النائب!

أهم التفاصيل التي حدثتني عنها الصبية الجميلة، موجودة في فيلمي “المغني” الذي شاهده كل جمهور أوربا عبر قنوات “الآر- تي” وشاهده أغلب جمهور المغرب والجزائر وتقريبا كل جمهور تونس في كل مدنها، عدا جمهور العراق حيث يشعرون بــ “العيب والخجل” من مشاهدة الفيلم وفيه نصف دقيقة ذات بعد تعبيري وليس ذات بعد فاضح، من اغتصاب صبية عراقية بريئة وجميلة من قبل دكتاتور وحش، دلالة في الفيلم عن اغتصاب وطن بريء وجميل! الفيلم حصد الذهبية، ووصفه مقال “الدكتور أحمد القاسمي” أستاذ النقد السينمائي في جامعة “منوبة” بتونس، وصفه بالفيلم الموازي لفيلم “الدكتاتور لشارلي شابلن” والمقال موجود في موقع قناة الجزيرة بعنوان “شدو حزين في كنف حجاج العصر- أقترح أن يقرأ المقال كل عراقي يحب العراق ومشاهدة فيلمي المغني” حتى يعي مضمون الوطن، وما ينبغي عمله لاستعادة براءة وطيبة وطن كان جميلا يوما ما..!

مشهد تفتيش الضيوف من الجنسين في الفيلم، وبكافة الرتب المدنية والعسكرية، يشكل مشهداً تفصيليا ومثيراً ومؤثراً في فيلمي “المغني” وهو بمثابة مشهد من مشاهد الكوميديا السوداء.. الكوميديا المرة..!!

حديث الصبية الجميلة المؤلم ودموع أمها التي انسابت بصمت، واللقاء الأول قبل الاغتصاب وهو يتسلى بالمسدس “الورور” دلني على الظاهرة العراقية التي انتشرت بين صفوف العراقيين في مواقع عملهم في كل الحقبة الدكتاتورية الفاشية والذين يحملون لقب “فلان الورور”، حتى في وزارة الثقافة وبالذات في دائرة السينما والمسرح والفنون الشعبية والموسيقية..!؟ 

كان الدكتاتور ينتقي بعض شرطة الثقافة أو مخبري الثقافة ويمنحهم لقب “صديق صدام” مع هدية مسدس “الورور” وصاروا يضعون المسدس على طاولة العمل وأحيانا يعبثون به ويتسلون أمام ضيوفهم ومنتسبي وزاراتهم، كما يفعل الدكتاتور مع ضيوفه.. وعرفوا في وظائفهم بكنية الورور، كما عرفوا أنهم يحملون لقب “أصدقاء صدام” فيقال مثلا عن فلان في دائرة السينما والمسرح “إبراهيم ورور مع الاعتذار عن الخطأ في كتابة الاسم..!!!!!” مثل هؤلاء يشاهدون اليوم بوضوح وبوقاحة، على مساحة الوطن، وما النبل والنقاء، سوى ظاهرة استثنائية.. وهو أمر مؤلم حقا..! 

عرف أحد شيوخ عشائر الجنوب بموقفه العادل والعاقل والنظيف، في مجتمعات الجنوب العراقي، واستدعي من قبل الدكتاتور الفاشي، صدام، حين أصبح رئيسا للوطن المبتلى ليستميله، وكان الدكتاتور السادي، يجمع الناس طواعية أو قسراً لفرض صيغة المحبة والإعجاب التي أسهمت بشكل مباشر في خراب وطن، وخراب النفوس العراقية التي تهيمن على مواقع القرار، قبل وما بعد سقوط الدكتاتور البشع. اقتادوا شيخ العشيرة بسيارة خاصة وعصبوا عينية، حتى وصلوا مقر اللقاء. وقبل الدخول تم تفتيش الشيخ بتجريده من ملابسه كاملة، ومن ثم نظروا بالعدسة المكبرة والضوء إلى المنطقة الخلفية من جسمه، ولبس ملابسه العراقية “الأصيلة” ودخل ديوان الرئيس الذي اختصر الكلام وهو يعبث بمسدسه، ثم أهداه مسدساً..! 

غادر الشيخ ديوان الرئاسة ووصل إلى عشيرته الذين كانوا ينتظرونه بالمضيف وكما يقال “على أحر من الجمر”.. دخل المضيف.. وقال لهم جملة واحدة..

“انتخبوا رئيس عشيرة غيري..!!!” 

غادر المضيف وسمعوا صوت أطلاقه وصداها يتردد بين قصب البردي في أهوار العراق.. هرعوا خارج المضيف ووجدوا الدم ينزف من رأس شيخ العشيرة، والورور مسجى إلى جانبه..!!؟

“دللـ.. لول.. يا الولد يبني دللـ..لول.. عدوك عليل وساكن الجول..!!؟”

قاسم حول سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا



في نفس الركن