العلم الإلكترونية - بوشعيب حمراوي
يحل اليوم الدولي للمعالم والمواقع الأثرية، أو ما يُعرف عالميًا باليوم العالمي للتراث، بتاريخ 18 أبريل من كل سنة، وهي مناسبة أقرّها المجلس الدولي للمعالم والمواقع، واعتمدتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة المعروفة اختصارا بمنظمة (اليونيسكو). قصد تنبيه الشعوب والدول إلى قيمة ذاكرتها التاريخية، وأهمية حماية المعالم الأثرية وصيانة التراث المادي واللامادي من الإهمال والاندثار والسرقة والتحريف.
شعار 2026: الاستجابة للطوارئ للتراث الحي في سياقات الصراعات والكوارث
وقد حملت نسخة سنة 2026 شعارًا بالغ الدلالة (الاستجابة للطوارئ للتراث الحي في سياقات الصراعات والكوارث ). في إشارة واضحة إلى ما يعيشه العالم اليوم من حروب مدمرة ونزاعات دامية وكوارث طبيعية، باتت تُسقط البشر والحجر معًا، وتمحو معالم حضارية وتاريخية دون أدنى احترام لذاكرة الأمم ومسار حضاراتها.
إن اختيار هذا الشعار لم يأت من فراغ، بل لأن العالم صار يشاهد يوميًا مدنًا تاريخية تُقصف، ومتاحف تُنهب، ومساجد وكنائس ومكتبات تُدمر، ومواقع أثرية تتحول إلى ركام تحت هدير السلاح أو قسوة الكوارث. وكأن بعض القوى المتصارعة لا تكتفي بإسقاط الإنسان، بل تسعى أيضًا إلى قتل ذاكرته ومحو ما يربطه بأرضه وتاريخه. فالتراث حين يُدمر، لا تسقط بناية فقط، بل يسقط جزء من روح شعب، وتُمحى صفحات من كتاب الإنسانية.
يوم للتقييم وليست للخطابات
غير أن هذه المناسبة، في المغرب، تمر في كثير من الأحيان كما تمر تواريخ كثيرة: خطابات قصيرة، صور بروتوكولية، أنشطة مناسباتية محدودة، ثم يعود الصمت من جديد، وكأن الأمر لا يتعلق بجذور أمة عمرها قرون طويلة، بل أكثر من اثني عشر قرنًا كدولة متواصلة، وآلاف السنين كحضارة إنسانية ضاربة في عمق التاريخ.
المؤلم أن كثيرًا من المغاربة يعرفون تفاصيل حضارات بعيدة، ويحفظون أسماء ملوك وأبطال من أمم أخرى، لكنهم يجهلون أحيانًا سجلات ملوكهم وسلاطينهم، و تاريخ مدنهم، وأسماء قصباتهم، والشخصيات التي بصمت في عدة مجالات بوطنهم.ومسارات المقاومة في مناطقهم، وأصول عاداتهم، وقيمة الفنون الشعبية التي نشؤوا في محيطها.
إن ضعف الوعي بالأصول ليس خطأ المواطن وحده، بل نتيجة تراكمات من التقصير في المدرسة، وفي الإعلام، وفي السياسات الثقافية، وفي غياب مشروع وطني يجعل الهوية المغربية مادة يومية حية، لا مجرد درس عابر أو مهرجان موسمي. فالهوية لا تُحمى بالشعارات، بل بالتربية، والإنتاج الثقافي، والبحث العلمي، والتواصل الذكي، وإشراك الشباب في اكتشاف كنوز وطنهم.
المغرب يملك رصيدًا حضاريًا هائلًا: مدن عتيقة، قصبات، مواقع أثرية، زوايا، مساجد تاريخية، مخطوطات، فنون موسيقية، حرف تقليدية، أزياء، مطبخ متنوع، لهجات غنية، عادات اجتماعية، ذاكرة مقاومة، وتراث صحراوي وجبلي وسهلي وبحري نادر. لكن جزءًا كبيرًا من هذا الرصيد لا يجد من يسوق له كما ينبغي، ولا من يدافع عنه بالنجاعة المطلوبة. كثير من المعالم تُترك للنسيان، وكثير من الكنوز اللامادية لا تُوثق، وكثير من الأجيال الجديدة لا تتعرف عليها إلا صدفة أو عبر محتوى أجنبي يقدمه من زاويته الخاصة.
قصور دور الإعلام في إبراز مميزات المملكة التراثية
أما الإعلام، الذي يفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن الذاكرة الوطنية، فما يزال في حالات كثيرة أسير الإثارة السطحية والسبق العابر. نحتاج إلى إعلام متخصص في التراث والهوية، يصنع الوثائقيات، ويواكب الاكتشافات، ويكشف الإهمال، ويعرّف المغاربة بما يملكون، ويرد على حملات السطو الثقافي، ويحول التراث إلى قوة ناعمة تخدم صورة المغرب عالميًا. فلا يعقل أن تُصرف أموال كبيرة على مواد ترفيهية عابرة، بينما يظل تاريخنا العظيم محتاجًا لمن يرويه للأجيال بلغة العصر.
أنشطة مناسباتية دون مستوى رصيد المملكة
كما أن أداء بعض القطاعات الوصية لا يرقى دائمًا إلى مستوى التحدي. إذ ما يزال العمل في أحيان كثيرة مناسباتيًا، مرتبطًا بتاريخ عالمي أو زيارة رسمية أو حدث عابر. تُنظم أنشطة، تُلتقط صور، تُنشر بلاغات، ثم ينتهي كل شيء بانتهاء المناسبة. بينما المطلوب هو سياسات مستدامة: ترميم جاد، رقمنة للأرشيف، دعم للباحثين، تشجيع للسينما التاريخية، إدماج للتراث في المناهج، مسارات سياحية ثقافية، وتمويل مبادرات المجتمع المدني الجاد.
غياب آليات للترافع والدفاع
الأخطر من ذلك هو غياب آليات قوية للترافع والدفاع عن كل ما هو مغربي، خاصة في زمن تتسابق فيه بعض الجهات إلى نسب عناصر من تراثنا إليها، أو تحريف أصولها، أو تسويق روايات مزيفة عنها. هنا لا يكفي الغضب على مواقع التواصل، بل نحتاج إلى عمل مؤسساتي: خبراء قانونيون، فرق توثيق، دبلوماسية ثقافية، مراكز بحث، محتوى متعدد اللغات، وشراكات دولية تُثبت الحقائق وتحمي الملكية الرمزية للمغرب.
إن الدفاع عن التراث ليس ترفًا ثقافيًا، بل دفاع عن السيادة الرمزية للأمم. فالدول لا تُقاس فقط بجيشها واقتصادها، بل أيضًا بقدرتها على حماية ذاكرتها، وتقديم قصتها للعالم، وصون خصوصيتها من الذوبان أو السرقة. والمغرب، بما يملكه من عمق تاريخي وتنوع حضاري، مؤهل ليكون قوة ثقافية كبرى إذا أحسن استثمار رأسماله الرمزي.
في حاجة إلى وقفة صادقة
في 18 أبريل، لا نحتاج احتفالًا عابرًا، بل وقفة صادقة مع الذات. نحتاج أن نسأل: لماذا لا يعرف كثير من أبنائنا تاريخ مناطقهم؟ لماذا لا تتحول معالمنا إلى مدارس مفتوحة؟ لماذا لا يصبح التراث موضوعًا وطنيًا دائمًا؟ ولماذا نتحرك غالبًا بعد وقوع الضرر؟
إن الوقت قد حان لانتقال حقيقي من منطق المناسبة إلى منطق المشروع، ومن التذكر الموسمي إلى الوعي المستمر، ومن رد الفعل إلى المبادرة. لأن أمة لا تحرس ذاكرتها، قد تستيقظ يومًا لتجد غيرها يروي تاريخها بدلًا عنها.