الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
خلف كلمات الامتنان، يظل السؤال الأصعب مؤجلًا: هل نمنح الأستاذ ما يحتاج إليه ليؤدي رسالته، أم نحمّله أعطاب المدرسة ثم نتركه يواجهها وحده؟
يحل الخامس من أكتوبر من كل سنة، فتنتعش الكلمات الجميلة عن المدرس، وتخرج عبارات الاعتراف والامتنان من الأدراج، وتمتلئ الصفحات بصور السبورة والطباشير والكتاب، وتتكرر العبارة التي حفظناها جميعًا عن الذي «كاد أن يكون رسولًا»، ثم ينتهي اليوم ويعود المدرس صباح الغد إلى قسمه، ويعود التلميذ إلى مقعده، وتعود المدرسة المغربية إلى أسئلتها المؤجلة، وكأن تكريم الأستاذ يمكن أن يكتمل بباقة ورد افتراضية أو ببلاغ رسمي أو بكلمات ثناء لا تغير شيئًا في شروط تكوينه وعمله، ولا في واقع المؤسسة التي يفترض أن يصنع داخلها مستقبل أبناء المغاربة.
لكن الخامس من أكتوبر 2026 ينبغي ألا يمر بالطريقة نفسها، لأن هذه السنة توافق مرور ستين عامًا على توصية اليونسكو ومنظمة العمل الدولية لسنة 1966 بشأن أوضاع المدرسين، وهي مناسبة تعيد إلى الواجهة أسئلة المكانة والحقوق وظروف العمل والتكوين والمشاركة في القرار، في عالم تقول اليونسكو إنه يحتاج إلى عشرات الملايين من المدرسين الإضافيين بحلول 2030.
والأجدى بالمغرب، بدل الاكتفاء بتكريم نساء ورجال التعليم بالكلمات، أن يستغل المناسبة ليفتح الملف من بدايته، لا من نهايته، وأن يسأل نفسه قبل أن يسأل الأستاذ عن نتائج التلاميذ: كيف نصنع المدرس المغربي أصلًا؟
◊ قبل أن نحاسب المدرس… فلنسأل كيف أعددناه
نريد من الأستاذ جودة التعلمات، وضبط القسم، ومعالجة التعثرات، ومراعاة الفروق الفردية، وتدريس أطفال تختلف مستوياتهم وظروفهم الاجتماعية والنفسية، والتعامل مع الاكتظاظ، وإدماج الأطفال في وضعية إعاقة، ومواجهة العنف المدرسي، واستعمال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتواصل مع الأسر، واحترام البرامج والمذكرات والتقويمات، والتكيف مع الإصلاحات التي لا يكاد واحد منها يستقر حتى يأتي آخر.
وكل هذه المطالب مشروعة، لأن الأستاذ مؤتمن على عقل الطفل ومستقبله.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك هو: بأي تكوين أعددناه لهذه المسؤوليات كلها؟
فالولوج إلى مسالك تأهيل أطر التدريس يمر عبر الشهادة الجامعية واستيفاء شروط المباراة، ثم اختبارات كتابية وشفوية، سواء تعلق الأمر بالتعليم الابتدائي أو الثانوي الإعدادي أو الثانوي التأهيلي، وبعد النجاح تبدأ مرحلة يفترض أنها تحول حامل شهادة جامعية إلى مهني في التربية والتعليم.
وهنا تبدأ المشكلة.
لأن التكوين الفعلي للأفواج الأخيرة ينطلق في حدود منتصف يناير أو نهايته، وينتهي الجزء الأساسي منه في يونيو، وبين التاريخين ينبغي أن تتسع الأشهر القليلة للمجزوءات النظرية والديداكتيك وعلوم التربية والتخطيط والتقويم والتشريع والأنشطة والامتحانات، ثم التدريب الميداني داخل المؤسسات.
أي أننا نطلب من بضعة أشهر أن تقوم بما يفترض أن تقوم به عملية بناء مهني عميقة ومتدرجة.
واللافت أن وزارة التربية الوطنية نفسها نظمت في 3 يونيو 2026 لقاءً وطنيًا خصصته لـ«تجويد التكوين الأساس للأستاذات والأساتذة»، واعتبرت تطوير نموذج التكوين وتعزيز التنسيق بين المتدخلين محطة استراتيجية، وهو ما يؤكد أن ملف التكوين نفسه أصبح موضوع مراجعة رسمية، وليس مجرد انتقاد صادر من خارج المنظومة.
◊ الإجازة تثبت التحصيل… ولا تصنع وحدها مدرسًا
أن يحمل شخص إجازة في الرياضيات أو الفيزياء أو اللغة العربية أو الفرنسية أو التاريخ يعني أنه راكم معرفة أكاديمية في تخصصه، لكنه لا يعني تلقائيًا أنه أصبح قادرًا على تحويل تلك المعرفة إلى تعلم لدى طفل أو مراهق.
فمعرفة الرياضيات شيء، والقدرة على جعل طفل يحب الرياضيات ويفهمها شيء آخر.
ومعرفة قواعد اللغة شيء، والقدرة على جعل المتعلم يقرأ ويفهم ويكتب ويتحدث بها بسلامة ووضوح شيء آخر.
وحفظ نظريات التربية شيء، والوقوف أمام أربعين تلميذًا مختلفي الطباع والمستويات والظروف، ثم قيادة حصة منتجة معهم، شيء آخر تمامًا.
ولهذا لم توجد علوم التربية والديداكتيك وعلم نفس الطفل والمراهق والتداريب الميدانية من أجل ملء جداول الحصص داخل مراكز التكوين، بل لأنها جوهر المهنة نفسها.
والإنصاف يفرض التمييز بين من يأتي من مسار جامعي تربوي راكم خلاله بعض التأهيل للمهنة، وبين حامل إجازة أكاديمية صرفة لم يعرف القسم إلا وهو تلميذ، ثم وجد نفسه مطالبًا خلال أشهر قليلة بأن يصبح أستاذًا.
◊ الآخرون لا يستعجلون صناعة المدرس بهذا الشكل
لا ينبغي أن نستنسخ تجارب البلدان الأخرى، فلكل دولة نظامها وخصوصياتها، لكن المقارنة مفيدة لأنها تجعلنا نكتشف حجم المسافة بين اختيار المدرس وصناعة المدرس.
في فنلندا، مثلًا، تتطلب أهلية مدرس الفصل الابتدائي شهادة ماستر في التربية، كما يحتاج مدرس المادة إلى الماستر، ودراسة معمقة في تخصصه، وما لا يقل عن 60 رصيدًا دراسيًا من الدراسات البيداغوجية، فيما يتم التدريب داخل مدارس مرتبطة بالجامعات وتحت إشراف مدرسين مكوّنين؛ وتصف جامعة هلسنكي هذه المؤسسات بما يشبه، من حيث الوظيفة، المستشفيات الجامعية التي يتدرب فيها طلبة الطب.
وفي فرنسا، دخل ابتداءً من دورة 2026 إصلاح جديد يجعل المباراة في المستوى الجامعي +3، لكن النجاح فيها لا يعني إرسال الناجح مباشرة إلى القسم باعتباره مدرسًا مكتمل التكوين، بل يعقبه مسار تكوين مهني مؤدّى عنه يمتد سنتين في مستوى الماستر، وتتضمن السنة الأولى اثني عشر أسبوعًا من الملاحظة والممارسة المؤطرة، ثم ينتقل المتدرب تدريجيًا نحو تحمل المسؤولية المهنية.
وفي سنغافورة، يوفر المعهد الوطني للتربية مسارات مختلفة لإعداد المدرسين، منها مسار دبلوم مهني بعد الجامعة، ويتضمن التكوين ممارسة مدرسية فعلية؛ ففي أحد تنظيمات البرنامج خُصصت أربعة أسابيع للعمل كمساعد مدرس، ثم عشرة أسابيع كاملة للتدريب التدريسي، إلى جانب التكوين الأكاديمي والبيداغوجي.
لسنا مطالبين بأن نصبح فنلندا أو فرنسا أو سنغافورة، لكن من حقنا أن نسأل: إذا كانت هذه الأنظمة تعتبر الممارسة الطويلة والمواكبة جزءًا أصيلًا من تكوين المدرس، فلماذا نقبل نحن بأن يكون احتكاك أستاذنا المتدرب بالقسم جزءًا محدودًا داخل بضعة أشهر مزدحمة أصلًا بكل شيء؟
◊ التكوين المستمر مطلوب… لا أن يتحول إلى «ترقيع» لما لم يُنجز في البداية
ثم تأتي مفارقة أخرى.
فبعد أن يتخرج الأستاذ ويلتحق بمقر عمله، تظهر الحاجة إلى تكوينات إضافية واستدراكية ومستمرة، بعضها يأتي بعد أسابيع أو أشهر فقط من دخوله المهنة، وكأننا نعترف عمليًا بأن التكوين الأول لم يكن كافيًا، فنحاول استكمال ما لم يتسع له الزمن بعد أن أصبح الأستاذ مسؤولًا بالفعل عن أقسام وتلاميذ واستعمال زمن.
ولا اعتراض على التكوين المستمر، بل هو ضرورة مهنية لا غنى عنها، لأن التعليم يتغير، والمناهج تتطور، والتكنولوجيا تتقدم، ولا يمكن لأستاذ أن يعيش أربعين سنة مهنية برصيد ما تعلمه في سنة التخرج.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التكوين المستمر تعويضًا عن نقص التكوين الأساس بدل أن يكون امتدادًا نوعيًا له، وحين تُبرمج بعض الدورات بطريقة تضغط على الزمن المدرسي، فتقتطع من حصص كان يفترض أن يستفيد منها التلاميذ، أو تُرحَّل إلى العطل التي يحتاج فيها الأستاذ بدوره إلى الراحة والاستعداد.
والأخطر من الزمن هو المحتوى.
فالتكوين الذي يعيد على الأستاذ عموميات يعرفها، أو يكتفي بعروض جاهزة وشرائح نظرية لا علاقة لها بالمشكلات التي يواجهها داخل القسم، أو ينتهي بتوقيع ورقة الحضور والحصول على شهادة المشاركة، لا يبني كفاية مهنية مهما كان عنوانه كبيرًا.
ولعل أبلغ مؤشر ساخر ومؤلم في الوقت نفسه هو أن تسمع بعض المستفيدين بعد بعض الدورات يتحدثون مطولًا عن وجبة الغداء والاستراحة والتنظيم والإقامة، أكثر مما يتحدثون عن فكرة تربوية واحدة حملوها معهم إلى أقسامهم.
وليست المشكلة في الوجبة بطبيعة الحال، بل في أن يصبح ما هو هامشي أكثر حضورًا في ذاكرة المستفيد مما يفترض أنه جوهر التكوين.
والوزارة نفسها تتحدث اليوم عن تطوير «هندسة التكوين المستمر»، وجرّبت خلال 2026 صيغًا جديدة لهذا التكوين، وهو توجه مطلوب، لكن المعيار الحقيقي للنجاح لن يكون عدد الدورات ولا عدد المستفيدين ولا عدد الشواهد، وإنما سؤال واحد: ماذا تغير في ممارسة الأستاذ داخل القسم بعد التكوين؟
◊ مدرس لا يمتلك لغة التدريس… كيف سيصنع تعلمًا سليمًا؟
ثم هناك ملف يكاد يكون أكثر حساسية من التكوين البيداغوجي نفسه: اللغة.
فالمدرس لا ينقل المعرفة بالصمت، وأهم أداة عمل يحملها معه إلى القسم ليست الحاسوب ولا السبورة ولا الكتاب، إنها اللغة.
وإذا كان الأستاذ يجد صعوبة في التعبير السليم بالعربية الفصحى، أو في بناء جملة واضحة، أو في شرح مفهوم وتجريده وإعادة صياغته بلغة يفهمها التلميذ، فإن المشكلة لا تبقى لغوية فقط، بل تتحول مباشرة إلى مشكلة في التعلم.
والأمر يصبح أكثر تعقيدًا في المواد العلمية التي أصبحت الفرنسية حاضرة بقوة في تدريسها ضمن سياسة التناوب اللغوي؛ فالقانون الإطار 51.17 نفسه ينص على إتقان اللغتين الرسميتين واللغات الأجنبية، ولا سيما في التخصصات العلمية والتقنية، وعلى اعتماد التناوب اللغوي في التدريس.
لكن ماذا نفعل إذا كان الأستاذ يعرف الفيزياء ولا يستطيع شرح الفيزياء بالفرنسية بالقدر الذي تتطلبه المادة؟ وماذا يحدث حين يفكر المدرس في المفهوم بلغة، ويضطر إلى شرحه بلغة ثانية لا يتحكم فيها بما يكفي، ثم يستقبله تلميذ يعاني هو الآخر أصلًا صعوبة في فهم لغة التدريس؟
نكون أمام عائقين فوق بعضهما: صعوبة المفهوم العلمي وصعوبة اللغة التي يُحمل بها ذلك المفهوم.
وهذه ليست مسألة هامشية، فنتائج TALIS 2024 تشير إلى أن أكثر من 60 في المائة من المدرسين المغاربة يدرّسون أقسامًا تضم نسبة معتبرة من التلاميذ الذين يواجهون صعوبات في فهم لغة التدريس.
لهذا ينبغي أن تصبح الكفاية اللغوية جزءًا صريحًا من الانتقاء والتكوين والتقويم، لا أن نتعامل معها باعتبارها تفصيلًا يُفترض أنه محسوم لمجرد حصول المترشح على الإجازة.
ويجب أن نسأل بصراحة: هل تختبر مباريات الولوج فعلًا قدرة الأستاذ المقبل على استعمال لغة التدريس شفهيًا وكتابيًا داخل وضعيات مهنية حقيقية؟ وهل يستفيد المتدرب الذي تظهر لديه ثغرات لغوية من برنامج علاجي مكثف قبل تسليمه قسمًا؟
فلا يمكن أن نطالب التلميذ بلغة سليمة ومدرسه يصارع أدوات التعبير عنها، ولا أن نريد منه فهم الرياضيات والفيزياء والكيمياء بلغة لم يتمكن أستاذه نفسه من امتلاكها مهنيًا بالشكل الكافي.
◊ لا نريد مدرسًا يتعلم مهنته على حساب تلاميذه
التدريب الميداني لا ينبغي أن يكون زيارة للقسم ولا سلسلة حصص متفرقة نؤشر بعدها في ملف المتدرب بأنه «اجتاز التدريب»، وإنما ينبغي أن يكون قلب التكوين ومحوره.
يبدأ بالملاحظة، ثم بالمشاركة، ثم بتدريس أجزاء من الحصة، ثم بحصص كاملة، ثم بتحمل القسم تحت الإشراف، مع تحليل ما حدث بعد كل تجربة: لماذا فهم هؤلاء؟ لماذا تعثر أولئك؟ لماذا انفلت القسم في هذه اللحظة؟ لماذا لم ينجح التقويم؟ وكيف كان يمكن صياغة السؤال أو تقديم المفهوم بطريقة أفضل؟
فالمدرس لا ينبغي أن يتعلم كل هذه الإجابات بعد تعيينه على حساب أفواج من التلاميذ.
والأفضل أن يخطئ وهو متدرب وإلى جانبه مؤطر يصحح له، من أن يخطئ وحيدًا وهو الأستاذ الرسمي الوحيد المسؤول عن أربعين طفلًا.
◊ سنة حقيقية للتكوين… ومرافقة حقيقية بعد التعيين
المطلوب إذن ليس زيادة مجزوءتين أو ثلاث، ولا حشو البرنامج بمزيد من العناوين، وإنما إعادة النظر في فلسفة تكوين المدرس.
نحتاج إلى سنة فعلية كاملة على الأقل بعد الإجازة، لا سنة إدارية تبدأ فعليًا في يناير وتنتهي تربويًا في يونيو، ويجب أن يحتل التدريب العملي مساحة كبيرة منها، مع تقوية اللغات والتخصص والديداكتيك وعلم النفس وتدبير القسم والتربية الدامجة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ثم لا ينبغي أن تنتهي الصناعة المهنية يوم التخرج.
فالأستاذ الجديد يحتاج خلال سنته الأولى إلى أستاذ مرشد ذي خبرة، يعود إليه ويناقشه ويحضر معه بعض الحصص ويرافقه في معالجة الصعوبات، بدل أن يستلم استعمال الزمن ومفاتيح القسم ثم يقال له: تفضل، أصبحت أستاذًا.
وتكشف TALIS أن 13 في المائة فقط من المدرسين المبتدئين في المغرب أفادوا بتوفرهم على مرشد معيّن لهم، وهي نسبة تجعل مسألة المرافقة المهنية بعد التخرج أكثر إلحاحًا.
◊ لا تضعوا أزمة المدرسة كلها فوق ظهر المدرس
كل هذا لا يعني أن المدرس وحده مسؤول عن أزمة التعليم، ولا أن تحسين تكوينه عصا سحرية ستحل مشكلات المدرسة المغربية.
فحين يكون القسم مكتظًا، وحين يجر الطفل تعثراته من مستوى إلى آخر، وحين تتفاوت المؤسسات بين المدن والقرى، وحين تضغط الظروف الاجتماعية للأسر، وحين تدخل الهواتف والشبكات الاجتماعية ومشكلات المجتمع إلى المدرسة، لا يجوز أن نبحث عن موظف واحد لنضع فوق ظهره تاريخًا كاملًا من الاختلالات.
لكن الدفاع عن المدرس لا يعني أيضًا إعفاء المهنة من الجودة والمحاسبة.
على الدولة أن تنتقي جيدًا، وتكوّن جيدًا، وتؤطر جيدًا، وتوفر شروط العمل والكرامة والأجر والتحفيز والتكوين المستمر، ثم يصبح من حقها ومن حق المجتمع أن يطالبا الأستاذ بالكفاءة والانضباط والعطاء والنتيجة. فالحقوق والواجبات تسيران معًا.
◊ الخامس من أكتوبر ليس يومًا للورود
أجمل تكريم يمكن أن نقدمه للأستاذ في الخامس من أكتوبر ليس أن نكتب له «شكرًا أستاذي» ثم نعود في السادس منه إلى المشكلات نفسها.
تكريمه الحقيقي أن نحسن اختياره قبل دخوله المهنة، وأن نمنحه الزمن الكافي ليتعلمها، وأن نقوي لغته ومعرفته وديداكتيكه، وأن نجعله يتدرب طويلًا داخل القسم تحت إشراف ممارسين ذوي خبرة، وأن نحول التكوين المستمر من مناسبات عابرة إلى حاجة مهنية محددة الأهداف والنتائج، وأن نرافقه في سنوات البداية بدل أن نتركه يكتشف المهنة وحده.
فالمدرس الجيد لا يولد يوم نجاحه في المباراة.
ولا تصنعه الإجازة وحدها، ولا تصنعه مقابلة شفوية.
ولا تستطيع بضعة أشهر أن تختصر كل ما يحتاج إليه من معرفة وممارسة ولغة ونضج مهني.
المدرس يُصنع. وإذا كانت الدولة تريد منه أن يصنع أجيال المستقبل، فمن واجبها أولًا أن تمنحه ما يكفي من الوقت والمعرفة والممارسة حتى تصنع منه المدرس الذي يستحقه ذلك المستقبل.
ولهذا، ونحن نحتفي في الخامس من أكتوبر بالمدرس، ربما علينا أن نقلل قليلًا من الورود والخطب، وأن نواجه السؤال الأكثر إزعاجًا والأكثر صدقًا:
كيف نطالب أستاذًا بأن يصلح في سنوات قليلة ما راكمته المدرسة من أعطاب لعقود، بينما لم نمنحه نحن حتى سنة فعلية كاملة ليتعلم المهنة التي حمّلناه مسؤوليتها؟
والسؤال الأخطر ليس: هل أنصفنا الأستاذ؟
بل: هل أنصفنا أبناء المغاربة حين وضعنا مستقبلهم بين يدي مدرس، ثم بخلنا عليه نحن بالوقت والتكوين واللغة والممارسة والثقة التي يحتاجها حتى يصبح المدرس الذي نريد؟
نبني المدرس ليبني المستقبل