الإعلامي والباحث عبد الفتاح الصادقي
*بقلم: عبد الفتاح الصادقي*
تُشكّل عملية الاقتراع التي جرت في 15 شتنبر 2026 محطة مهمة في مسار إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. فمن أصل 3421 صحافيًا مسجلًا، أدلى 1681 منهم بأصواتهم، مما يعكس نسبة مشاركة وطنية بلغت 49,14 في المائة؛ حيث تم احتساب 1529 صوتًا صحيحًا وإلغاء 152 ورقة تصويت. وقد أسفرت العملية عن انتخاب سبعة ممثلين عن الصحافيين المهنيين، بينما تم تعيين سبعة ممثلين عن الناشرين وفقًا للإطار القانوني الجديد.
وبعيدًا عن طبيعة النتائج المسجلة، يمثل هذا الاقتراع إنجازًا لمرحلة من مراحل إعادة تنظيم هيئة مهنية ليست كباقي الهيئات المهنية، ويفتح الباب أمام التنصيب الرسمي لأجهزتها واستئناف مهامها بالكامل. كما تُعد نسبة المشاركة، التي قاربت نصف الهيئة الناخبة، مؤشرًا يستوجب الأخذ به عند تحليل طبيعة الجسم الصحافي ومستوى التعبئة المهنية حول الصيغة المؤسساتية الجديدة للمجلس...
لقد كان من المفروض أن يندرج هذا الاستحقاق في إطار مسار عميق لتعزيز التنظيم الذاتي لمهنة تعاني أشكالًا مختلفة من الهشاشة. ووفقًا للقانون رقم 09.26، أُسس هذا المجلس ليكون هيئة مستقلة تتألف من صحافيين مهنيين منتخبين، وناشرين معينين، وممثلين عن مؤسسات دستورية. وتتمثل مهامه بوضوح في ضمان احترام أخلاقيات المهنة، وحماية الصحافيين، وتعزيز التعددية الإعلامية، وإصدار بطاقات الصحافة؛ وهي عناصر جوهرية للاعتراف بالمهنة وتحصينها وإضفاء الشرعية عليها.
والملاحظ أن هذه المحطة التنظيمية تأتي والجسم الصحافي المغربي يواجه عللًا وصعوبات عديدة، منها، على وجه الخصوص، هشاشة الأوضاع المهنية والاقتصادية، وضعف أجور أغلبية الصحافيات والصحافيين (دون الحديث عن الأوضاع المزرية التي يعيشها المحالون على التقاعد الإداري)، وهشاشة أغلب المؤسسات الصحافية، وصعوبة الوصول إلى المعلومة، والضغوط المرتبطة بممارسة المهنة، فضلًا عن التحديات الأخلاقية والتقنية المتعلقة بالتحول الرقمي، والتي تؤثر بشكل سلبي في قضايا الاستقلالية والتعددية والشفافية وحماية الصحافيين.
والحقيقة أن إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة تزداد أهميةً ارتباطًا بما يواجهه قطاع الإعلام من تحديات غير مسبوقة، تتمثل في تفشي التضليل الإعلامي، والضغوط الاقتصادية والسياسية، وسطوة العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ إذ يتعين على المجلس أن يؤدي دور الحصن المنيع في مواجهة هذه التهديدات والتحديات، من خلال ضمان توفير معلومات موثوقة تلتزم بالمعايير الأخلاقية للجمهور.
وعلى الرغم من الأهمية البالغة لهذه الاستحقاقات، فإن سير العملية الانتخابية كان بعيدًا كل البعد عن المأمول؛ وربما أضر أشد الضرر بالجسم الصحافي، وهو أمر عاينه الصحافيون والصحافيات، وأنا واحد منهم؛ حيث اتسم يوم الاقتراع بوجود اختلالات كبيرة أثارت حالة من الارتباك، وأضعفت الثقة في المسار الانتخابي برمته. فقد تأخرت عملية الاقتراع، بشكل غير معقول، وانتظر المصوتون والمصوتات أكثر من ثلاث ساعات من أجل الإدلاء بأصواتهم، وحصلت صعوبات في الوصول إلى مراكز الاقتراع، إلى جانب العبثية والفوضى اللتين هيمنتا على التنظيم. وقد استُخدمت فضاءات ضيقة وغير ملائمة لاستقبال مئات الصحافيين والصحافيات، كمثال صارخ على القيود اللوجستية وغياب التخطيط. كما تم الإبلاغ عن حوادث لا تليق بالجسم الصحافي، مثل تبادل أوراق الاقتراع داخل مكتب التصويت نفسه، مما أثار تساؤلات حقيقية حول نزاهة العملية الانتخابية. ولا شك أن هذه الاختلالات التنظيمية أثرت، بشكل مباشر، في نسبة المشاركة، التي لم تتجاوز 49,14 في المائة من الصحافيين المهنيين المسجلين؛ حيث تثير هذه النسبة المنخفضة في المشاركة، إلى جانب المشكلات التنظيمية المذكورة، تساؤلات حول تمثيلية الأعضاء المنتخبين في المجلس الوطني ومشروعيتهم في نظر المهنيين؛ إذ إن هيئة ناخبة تواجه صعوبات كهذه في حشد أعضائها قد تثير شكوكًا بشأن متانة الأسس الديمقراطية للعملية. فتدني نسبة المشاركة في هذا الاقتراع، الذي يهم شريحة من النخبة المهنية المدعوة إلى المساهمة في تشكيل رأي عام واعٍ وفاعل، يثير قلقًا حقيقيًا؛ فهذه النسبة تعكس، من جهة، عزوفًا من جانب الجسم الصحافي عن مؤسساته التمثيلية، وتطرح تساؤلًا أوسع حول قدرة هذه المؤسسات على حشد المهنيين وتعبئتهم حول قضايا المهنة ومصداقيتها ومستقبلها. كما قد تدفع إلى التساؤل عما إذا كانت هناك رغبة لدى بعض الأطراف الفاعلة في إضعاف تماسك الجسم الصحافي وتقليص قدرته على الاضطلاع الكامل بمهامه المتمثلة في الإعلام، والرقابة، والمساءلة، والمساهمة في النقاش العام؛ وهي مهام لا غنى عنها في مجتمع ديمقراطي منفتح...
والحقيقة التي يجب إدراكها بعد اقتراع 15 شتنبر أن المجلس الوطني للصحافة الجديد، الذي يضم في تشكيلته النهائية سبعة صحافيين مهنيين منتخبين، وسبعة ناشرين معينين، وثلاثة ممثلين عن مؤسسات دستورية، يواجه جملة من التحديات؛ إذ سيتوقف نجاح مهمته على قدرته على تحويل هذه التحديات إلى فرص لبناء صحافة مغربية أكثر قوة ومصداقية. ومن هذا المنطلق، من المفترض أن يدرك الجميع أن المجلس ليس فضاءً للتبارز والتنافس بين الناشر والصحافي، بل أداة للتكامل والتعاضد بين الاثنين من أجل الرقي بمهنة الصحافة وتقديم خدمة إعلامية جيدة للجمهور.
فإلى جانب دفاعه عن احترام أخلاقيات المهنة وتصديه لمختلف الانزلاقات المهنية، تُعد مسألة الاستقلالية والشرعية في صلب التحديات؛ إذ يتعين على المجلس الوطني للصحافة أن يثبت نفسه كهيئة مستقلة قادرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية والداخلية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو مهنية. كما أن شرعيته ستتعزز بقدر ما ينجح في ترسيخ صورته كمدافع حقيقي عن الصحافيين وحرية التعبير، وليس كأداة للرقابة؛ وهذا يتطلب شفافية أكبر في أعماله وقراراته، وفي علاقاته مع مختلف الفاعلين.
وفي ظل مشهد إعلامي دائم التطور، يُعد الالتزام بآداب المهنة وأخلاقياتها أمرًا بالغ الأهمية. وسيتعين على المجلس وضع مدونة سلوك واضحة وضمان تطبيقها، والتعامل مع الشكاوى، والوقاية من تضارب المصالح وحالات التنافي، والتحقق من امتثال الممارسات المهنية للمعايير الدولية؛ فالصحافة ليست مهنة يمكن أن يتطفل عليها أيّ كان، وهي ليست مهنة من لا مهنة له.
إن مهنة الصحافة هي المهنة الوحيدة التي يستطيع أبناؤها الترافع عن الآخرين، لكنهم لا يستطيعون الترافع عن أنفسهم. وهي المهنة الوحيدة التي يتصارع فيها أبناؤها فيما بينهم، على عكس باقي المهن الأخرى التي يتضامن أبناؤها فيما بينهم، وهو إشكال حقيقي من الضروري معالجته في إطار المجلس الوطني للصحافة، اعتمادًا على تدبير مبتكر، حتى وإن كان ذلك ليس من اختصاصاته...
وإضافة إلى ما سبق، يتعين على المجلس بلورة أدوات فعالة لمكافحة التضليل الإعلامي و«الأخبار الزائفة»، وهي آفة تقوّض ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، وتقوّض أسس المجتمع الديمقراطي.
ويمثل اتساع المجال الرقمي والذكاء الاصطناعي فرصة وتحديًا في آن واحد. وسيتعين على المجلس مواكبة المهنة في هذا التحول، وذلك من خلال تقديم برامج تدريبية ملائمة، وتشجيع الابتكار مع حماية حقوق المؤلف وضمان جودة المعلومات المُنتَجة. ويطرح الذكاء الاصطناعي، على وجه الخصوص، تساؤلات أخلاقية ومهنية جديدة تستدعي التفكير العميق ووضع أطر تنظيمية محددة للتعامل مع هذا المعطى.
وتتمثل إحدى القضايا الجوهرية الأخرى في دعم مؤسسات الصحافة الإقليمية والمحلية؛ إذ تؤدي هذه الوسائل الإعلامية دورًا حيويًا في إطلاع المواطنين على المستجدات محليًا، وغالبًا ما تكون الأكثر هشاشة من الناحية الاقتصادية. لذا، سيتعين على المجلس وضع آليات لمساندتها وتعزيز تطورها وضمان تعددية أصواتها، مما يسهم في دعم الحيوية الديمقراطية في البلاد.
إن انتخابات المجلس الوطني للصحافة، التي جرت في 15 شتنبر 2026، تشكل منعطفًا مهمًا بلا شك في مسار مهنة الصحافة بالمغرب؛ إذ تفتح الباب أمام حقبة جديدة من التنظيم الذاتي، وهو أمر جوهري لضمان مصداقية وسائل الإعلام واستقلاليتها. ومع ذلك، فإن الاختلالات التي شابت العملية الانتخابية تُذكّرنا بأهمية التحلي باليقظة الدائمة والعمل المستمر على تحسين الممارسات الديمقراطية.
إن الطريق الذي يتعين قطعه طويل ومعقد؛ إذ سيتعين على المجلس الوطني للصحافة في صيغته الجديدة التصدي بحزم لتحديات الاستقلالية، وأخلاقيات المهنة، والتحول الرقمي، والتضليل الإعلامي. ومن المؤكد أن قدرة المجلس على تجاوز هذه العقبات، واستعادة ثقة المهنيين والجمهور، وترسيخ مكانته كهيئة قوية ومشروعة، ستحدد مستقبل الصحافة المغربية بشكل عام. فمن خلال إجراءات ملموسة وحكامة تتسم بالشفافية، سيتمكن المجلس فعليًا من تجسيد تطلعات صحافة حرة ومسؤولة تخدم الحقيقة.
الخوف كل الخوف أن يصبح المجلس الوطني للصحافة مجرد موسيقي يعزف لحنًا واحدًا...
تُشكّل عملية الاقتراع التي جرت في 15 شتنبر 2026 محطة مهمة في مسار إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. فمن أصل 3421 صحافيًا مسجلًا، أدلى 1681 منهم بأصواتهم، مما يعكس نسبة مشاركة وطنية بلغت 49,14 في المائة؛ حيث تم احتساب 1529 صوتًا صحيحًا وإلغاء 152 ورقة تصويت. وقد أسفرت العملية عن انتخاب سبعة ممثلين عن الصحافيين المهنيين، بينما تم تعيين سبعة ممثلين عن الناشرين وفقًا للإطار القانوني الجديد.
وبعيدًا عن طبيعة النتائج المسجلة، يمثل هذا الاقتراع إنجازًا لمرحلة من مراحل إعادة تنظيم هيئة مهنية ليست كباقي الهيئات المهنية، ويفتح الباب أمام التنصيب الرسمي لأجهزتها واستئناف مهامها بالكامل. كما تُعد نسبة المشاركة، التي قاربت نصف الهيئة الناخبة، مؤشرًا يستوجب الأخذ به عند تحليل طبيعة الجسم الصحافي ومستوى التعبئة المهنية حول الصيغة المؤسساتية الجديدة للمجلس...
لقد كان من المفروض أن يندرج هذا الاستحقاق في إطار مسار عميق لتعزيز التنظيم الذاتي لمهنة تعاني أشكالًا مختلفة من الهشاشة. ووفقًا للقانون رقم 09.26، أُسس هذا المجلس ليكون هيئة مستقلة تتألف من صحافيين مهنيين منتخبين، وناشرين معينين، وممثلين عن مؤسسات دستورية. وتتمثل مهامه بوضوح في ضمان احترام أخلاقيات المهنة، وحماية الصحافيين، وتعزيز التعددية الإعلامية، وإصدار بطاقات الصحافة؛ وهي عناصر جوهرية للاعتراف بالمهنة وتحصينها وإضفاء الشرعية عليها.
والملاحظ أن هذه المحطة التنظيمية تأتي والجسم الصحافي المغربي يواجه عللًا وصعوبات عديدة، منها، على وجه الخصوص، هشاشة الأوضاع المهنية والاقتصادية، وضعف أجور أغلبية الصحافيات والصحافيين (دون الحديث عن الأوضاع المزرية التي يعيشها المحالون على التقاعد الإداري)، وهشاشة أغلب المؤسسات الصحافية، وصعوبة الوصول إلى المعلومة، والضغوط المرتبطة بممارسة المهنة، فضلًا عن التحديات الأخلاقية والتقنية المتعلقة بالتحول الرقمي، والتي تؤثر بشكل سلبي في قضايا الاستقلالية والتعددية والشفافية وحماية الصحافيين.
والحقيقة أن إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة تزداد أهميةً ارتباطًا بما يواجهه قطاع الإعلام من تحديات غير مسبوقة، تتمثل في تفشي التضليل الإعلامي، والضغوط الاقتصادية والسياسية، وسطوة العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ إذ يتعين على المجلس أن يؤدي دور الحصن المنيع في مواجهة هذه التهديدات والتحديات، من خلال ضمان توفير معلومات موثوقة تلتزم بالمعايير الأخلاقية للجمهور.
وعلى الرغم من الأهمية البالغة لهذه الاستحقاقات، فإن سير العملية الانتخابية كان بعيدًا كل البعد عن المأمول؛ وربما أضر أشد الضرر بالجسم الصحافي، وهو أمر عاينه الصحافيون والصحافيات، وأنا واحد منهم؛ حيث اتسم يوم الاقتراع بوجود اختلالات كبيرة أثارت حالة من الارتباك، وأضعفت الثقة في المسار الانتخابي برمته. فقد تأخرت عملية الاقتراع، بشكل غير معقول، وانتظر المصوتون والمصوتات أكثر من ثلاث ساعات من أجل الإدلاء بأصواتهم، وحصلت صعوبات في الوصول إلى مراكز الاقتراع، إلى جانب العبثية والفوضى اللتين هيمنتا على التنظيم. وقد استُخدمت فضاءات ضيقة وغير ملائمة لاستقبال مئات الصحافيين والصحافيات، كمثال صارخ على القيود اللوجستية وغياب التخطيط. كما تم الإبلاغ عن حوادث لا تليق بالجسم الصحافي، مثل تبادل أوراق الاقتراع داخل مكتب التصويت نفسه، مما أثار تساؤلات حقيقية حول نزاهة العملية الانتخابية. ولا شك أن هذه الاختلالات التنظيمية أثرت، بشكل مباشر، في نسبة المشاركة، التي لم تتجاوز 49,14 في المائة من الصحافيين المهنيين المسجلين؛ حيث تثير هذه النسبة المنخفضة في المشاركة، إلى جانب المشكلات التنظيمية المذكورة، تساؤلات حول تمثيلية الأعضاء المنتخبين في المجلس الوطني ومشروعيتهم في نظر المهنيين؛ إذ إن هيئة ناخبة تواجه صعوبات كهذه في حشد أعضائها قد تثير شكوكًا بشأن متانة الأسس الديمقراطية للعملية. فتدني نسبة المشاركة في هذا الاقتراع، الذي يهم شريحة من النخبة المهنية المدعوة إلى المساهمة في تشكيل رأي عام واعٍ وفاعل، يثير قلقًا حقيقيًا؛ فهذه النسبة تعكس، من جهة، عزوفًا من جانب الجسم الصحافي عن مؤسساته التمثيلية، وتطرح تساؤلًا أوسع حول قدرة هذه المؤسسات على حشد المهنيين وتعبئتهم حول قضايا المهنة ومصداقيتها ومستقبلها. كما قد تدفع إلى التساؤل عما إذا كانت هناك رغبة لدى بعض الأطراف الفاعلة في إضعاف تماسك الجسم الصحافي وتقليص قدرته على الاضطلاع الكامل بمهامه المتمثلة في الإعلام، والرقابة، والمساءلة، والمساهمة في النقاش العام؛ وهي مهام لا غنى عنها في مجتمع ديمقراطي منفتح...
والحقيقة التي يجب إدراكها بعد اقتراع 15 شتنبر أن المجلس الوطني للصحافة الجديد، الذي يضم في تشكيلته النهائية سبعة صحافيين مهنيين منتخبين، وسبعة ناشرين معينين، وثلاثة ممثلين عن مؤسسات دستورية، يواجه جملة من التحديات؛ إذ سيتوقف نجاح مهمته على قدرته على تحويل هذه التحديات إلى فرص لبناء صحافة مغربية أكثر قوة ومصداقية. ومن هذا المنطلق، من المفترض أن يدرك الجميع أن المجلس ليس فضاءً للتبارز والتنافس بين الناشر والصحافي، بل أداة للتكامل والتعاضد بين الاثنين من أجل الرقي بمهنة الصحافة وتقديم خدمة إعلامية جيدة للجمهور.
فإلى جانب دفاعه عن احترام أخلاقيات المهنة وتصديه لمختلف الانزلاقات المهنية، تُعد مسألة الاستقلالية والشرعية في صلب التحديات؛ إذ يتعين على المجلس الوطني للصحافة أن يثبت نفسه كهيئة مستقلة قادرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية والداخلية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو مهنية. كما أن شرعيته ستتعزز بقدر ما ينجح في ترسيخ صورته كمدافع حقيقي عن الصحافيين وحرية التعبير، وليس كأداة للرقابة؛ وهذا يتطلب شفافية أكبر في أعماله وقراراته، وفي علاقاته مع مختلف الفاعلين.
وفي ظل مشهد إعلامي دائم التطور، يُعد الالتزام بآداب المهنة وأخلاقياتها أمرًا بالغ الأهمية. وسيتعين على المجلس وضع مدونة سلوك واضحة وضمان تطبيقها، والتعامل مع الشكاوى، والوقاية من تضارب المصالح وحالات التنافي، والتحقق من امتثال الممارسات المهنية للمعايير الدولية؛ فالصحافة ليست مهنة يمكن أن يتطفل عليها أيّ كان، وهي ليست مهنة من لا مهنة له.
إن مهنة الصحافة هي المهنة الوحيدة التي يستطيع أبناؤها الترافع عن الآخرين، لكنهم لا يستطيعون الترافع عن أنفسهم. وهي المهنة الوحيدة التي يتصارع فيها أبناؤها فيما بينهم، على عكس باقي المهن الأخرى التي يتضامن أبناؤها فيما بينهم، وهو إشكال حقيقي من الضروري معالجته في إطار المجلس الوطني للصحافة، اعتمادًا على تدبير مبتكر، حتى وإن كان ذلك ليس من اختصاصاته...
وإضافة إلى ما سبق، يتعين على المجلس بلورة أدوات فعالة لمكافحة التضليل الإعلامي و«الأخبار الزائفة»، وهي آفة تقوّض ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، وتقوّض أسس المجتمع الديمقراطي.
ويمثل اتساع المجال الرقمي والذكاء الاصطناعي فرصة وتحديًا في آن واحد. وسيتعين على المجلس مواكبة المهنة في هذا التحول، وذلك من خلال تقديم برامج تدريبية ملائمة، وتشجيع الابتكار مع حماية حقوق المؤلف وضمان جودة المعلومات المُنتَجة. ويطرح الذكاء الاصطناعي، على وجه الخصوص، تساؤلات أخلاقية ومهنية جديدة تستدعي التفكير العميق ووضع أطر تنظيمية محددة للتعامل مع هذا المعطى.
وتتمثل إحدى القضايا الجوهرية الأخرى في دعم مؤسسات الصحافة الإقليمية والمحلية؛ إذ تؤدي هذه الوسائل الإعلامية دورًا حيويًا في إطلاع المواطنين على المستجدات محليًا، وغالبًا ما تكون الأكثر هشاشة من الناحية الاقتصادية. لذا، سيتعين على المجلس وضع آليات لمساندتها وتعزيز تطورها وضمان تعددية أصواتها، مما يسهم في دعم الحيوية الديمقراطية في البلاد.
إن انتخابات المجلس الوطني للصحافة، التي جرت في 15 شتنبر 2026، تشكل منعطفًا مهمًا بلا شك في مسار مهنة الصحافة بالمغرب؛ إذ تفتح الباب أمام حقبة جديدة من التنظيم الذاتي، وهو أمر جوهري لضمان مصداقية وسائل الإعلام واستقلاليتها. ومع ذلك، فإن الاختلالات التي شابت العملية الانتخابية تُذكّرنا بأهمية التحلي باليقظة الدائمة والعمل المستمر على تحسين الممارسات الديمقراطية.
إن الطريق الذي يتعين قطعه طويل ومعقد؛ إذ سيتعين على المجلس الوطني للصحافة في صيغته الجديدة التصدي بحزم لتحديات الاستقلالية، وأخلاقيات المهنة، والتحول الرقمي، والتضليل الإعلامي. ومن المؤكد أن قدرة المجلس على تجاوز هذه العقبات، واستعادة ثقة المهنيين والجمهور، وترسيخ مكانته كهيئة قوية ومشروعة، ستحدد مستقبل الصحافة المغربية بشكل عام. فمن خلال إجراءات ملموسة وحكامة تتسم بالشفافية، سيتمكن المجلس فعليًا من تجسيد تطلعات صحافة حرة ومسؤولة تخدم الحقيقة.
الخوف كل الخوف أن يصبح المجلس الوطني للصحافة مجرد موسيقي يعزف لحنًا واحدًا...
★ عبد الفتاح الصادقي - إعلامي باحث في القانون العام والعلوم السياسية
صندوق الاقتراع بين رهانات التنظيم الذاتي للصحافة واختبار ثقة المهنيين