2026 أغسطس/أوت 29 - تم تعديله في [التاريخ]

براميل مقابل المواقف… حين يتحول النفط والغاز الجزائريان إلى خزينة لشراء النفوذ السياسي

يفكك الكاتب بوشعيب حمراوي توظيف الجزائر لعائدات النفط والغاز والقروض والامتيازات الاقتصادية في بناء النفوذ السياسي وخدمة البوليساريو وملاحقة المعارضين.


الكاتب بوشعيب حمراوي

*بقلم: بوشعيب حمراوي*
من دعم البوليساريو إلى ملاحقة المعارضين خارج الحدود… هل أصبحت الطاقة والقروض والامتيازات الاقتصادية أثمانًا غير مكتوبة لمواقف تحتاجها السلطة الجزائرية؟

هناك فرق كبير بين أن تمتلك دولة النفط والغاز فتستثمر عائداتهما في تنمية شعبها، وبين أن تتحول المحروقات إلى صندوق سياسي مفتوح، تُستعمل عائداته وعقوده وقروضه وإمداداته لبناء مناطق نفوذ، واستمالة حكومات، ومعاقبة أخرى، والدفاع خارج الحدود عن ملفات تعتبرها السلطة جزءًا من صراعها الإقليمي ومن خياراتها السياسية الثابتة.

وهنا بالضبط يطرح النموذج الجزائري أسئلة لم يعد ممكنًا اختزالها في المنافسة الاقتصادية الطبيعية أو في العلاقات العادية بين الدول.

فكلما تابعنا تحركات الدبلوماسية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، وجدنا الغاز والنفط والقروض والتسهيلات والامتيازات التجارية حاضرة بقوة في خلفية العلاقات الخارجية؛ تُفتح الأبواب أمام الدول التي تقترب من المواقف الجزائرية، وتظهر القيود والضغوط عندما تختار دول أخرى الاصطفاف في اتجاه لا ينسجم مع مصالح النظام الجزائري، خصوصًا في ملف الصحراء المغربية.

قد لا نعثر على وثيقة رسمية مكتوب فيها حرفيًا: «نعطيكم الغاز مقابل دعم البوليساريو»، أو «نمنحكم قرضًا مقابل تغيير موقفكم»، أو «نساعدكم اقتصاديًا مقابل التعاون معنا ضد معارضينا».

والدول لا تكتب عادة تفاهماتها السياسية الحساسة بهذه اللغة المباشرة. لكن السياسة لا تُقرأ بالعقود المنشورة وحدها.

تُقرأ كذلك بالتوقيت، وبتغير المواقف، وبحجم المصالح، وبالعلاقة بين الحاجة الاقتصادية والقرار السياسي، وبما يحدث قبل الموقف وما يأتي بعده.

الغاز الجزائري سفيرًا فوق العادة

الجزائر بلد غني بالمحروقات، ومن حقها، مثل كل دولة، أن تستثمر ثرواتها الطبيعية في تقوية اقتصادها وحضورها الدولي.

ولا أحد يستطيع أن يعتبر تصدير الغاز أو منح القروض أو عقد الشراكات الاقتصادية في حد ذاته تهمة.

لكن السؤال يبدأ حين تتحول الطاقة من وسيلة تعاون اقتصادي إلى أداة نفوذ وضغط سياسي، وحين يصبح الوصول إلى السوق أو الغاز أو القروض مرتبطًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بموقع الدولة المستفيدة داخل خريطة الصراعات الإقليمية.

وهذا ليس مجرد استنتاج صادر من الرباط أو من وسائل إعلام مغربية.

فدراسة صادرة عن مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط تناولت صراحة توظيف الأدوات الاقتصادية لخدمة الأهداف الجيوسياسية في التنافس المغربي الجزائري، وخلصت إلى أن الجزائر تستعمل ثقلها الطاقي والتجاري لبناء علاقات أوثق مع شركاء تحتاج إلى دعمهم، كما تستطيع استعمال السوق والتجارة والطاقة لإرسال رسائل سياسية إلى الدول التي تتخذ مواقف لا تنسجم مع خياراتها الخارجية.

وتطرقت الدراسة إلى قرار الجزائر عدم تجديد عقد أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، الذي كان يمر عبر المغرب، معتبرة أن التحكم في البنية التحتية للطاقة تحول في هذه الحالة إلى أداة داخل الصراع الجيوسياسي مع المملكة.

وهنا تبدأ الصورة في الاتضاح: الغاز ليس مجرد سلعة، والنفط ليس مجرد مورد مالي، والسوق ليست مجرد فضاء تجاري.

إنها جميعًا أوراق يمكن أن تدخل، عندما تريد السلطة، إلى حقيبة الدبلوماسية.

إسبانيا… عندما تغير الموقف فتحرك الاقتصاد والطاقة

تقدم الأزمة الجزائرية الإسبانية سنة 2022 مثالًا بالغ الدلالة.

فحين أعلنت حكومة بيدرو سانشيز دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية نزاع الصحراء، لم يظل الرد الجزائري محصورًا في البيانات الدبلوماسية.

تدهورت العلاقات بسرعة، وعُلقت معاهدة الصداقة وحسن الجوار، وتأثرت المبادلات التجارية، وأصبحت مسألة الغاز جزءًا من الخطاب المصاحب للأزمة.

وفي تلك المرحلة صدرت إشارات جزائرية بشأن إمكانية مراجعة أسعار الغاز الموجه إلى الزبون الإسباني، كما حذرت الجزائر من أن تحويل الغاز الجزائري من إسبانيا نحو المغرب يمكن أن يؤدي إلى فسخ العقود ذات الصلة.

صحيح أن الجزائر واصلت، في نهاية المطاف، تنفيذ جانب مهم من التزاماتها الغازية تجاه إسبانيا، وصحيح كذلك أن مراجعات الأسعار قد تدخل جزئيًا في منطق العقود طويلة الأمد وتقلبات الأسواق.

لكن التزامن السياسي كان قويًا ولا يمكن تجاهله.

لقد تغير موقف مدريد من الصحراء، فتحركت بالتوازي أدوات دبلوماسية وتجارية وطاقية.

والرسالة هنا لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ فالدول الأخرى تراقب، وتفهم، وتحسب كلفة كل موقف قبل أن تعلنه.

تونس… الأرقام تبدأ في تفسير السياسة

لكن الحالة التونسية أكثر إثارة للأسئلة. تونس بلد شقيق يمر منذ سنوات بصعوبات اقتصادية ومالية عميقة، ويحتاج إلى التمويل والطاقة والدعم الخارجي.

وقد استفادت خلال السنوات الأخيرة من قروض وودائع وتسهيلات جزائرية مهمة.

وتشير دراسة لمركز مالكوم كير–كارنيغي إلى أن القروض والودائع الجزائرية لدى تونس، خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2022، بلغت نحو 650 مليون دولار، إلى جانب استفادة تونس من الغاز الجزائري بشروط تفضيلية ومن تسهيلات مرتبطة بالأداء.

والسؤال هنا لا يتعلق بكون الجزائر تساعد جارًا عربيًا. ذلك أمر يمكن أن يكون إيجابيًا في الظروف العادية.

السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث لحرية القرار السياسي عندما تصبح دولة تعاني أزمة مالية وطاقية شديدة الاعتماد على دولة أخرى قادرة على تزويدها بالمال والغاز والغذاء؟

وهنا تأتي أهمية دراسة كارنيغي. فالدراسة لم تكتف بتسجيل ارتفاع مستوى المساعدات الجزائرية لتونس، وإنما ربطت تزايد الاعتماد المالي والطاقي والغذائي التونسي على الجزائر بتنامي النفوذ السياسي الجزائري وباقتراب تونس من الموقف الجزائري في التنافس مع المغرب.

وحددت استقبال الرئيس التونسي قيس سعيد لزعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، سنة 2022، باعتباره محطة بارزة في ابتعاد تونس عن حيادها التقليدي بشأن نزاع الصحراء.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل كان التحول التونسي مجرد اقتناع سياسي مفاجئ بأطروحة البوليساريو، أم أن الاعتماد المالي والطاقي المتزايد بدأ يضيق هامش استقلال القرار الدبلوماسي التونسي؟

لا نملك وثيقة تقول إن الغاز بيع مقابل استقبال إبراهيم غالي.

ولا ينبغي اختراع وثيقة غير موجودة. لكننا نملك تسلسلًا سياسيًا واقتصاديًا يستحق أن يوضع أمام القارئ:

تزايد في الدعم، وتزايد في الاعتماد، وتزايد في النفوذ، ثم تغير في السلوك الدبلوماسي. وهنا تصبح الأسئلة واجبًا صحفيًا لا تحريضًا سياسيًا.

من البوليساريو إلى المعارضين… الملف يصبح أخطر

لكن القضية تصبح أكثر خطورة حين نغادر نزاع الصحراء إلى ملف المعارضين الجزائريين الموجودين خارج بلدهم.

وقضية سليمان بوحفص واحدة من أكثر الحالات إثارة للانتباه.

بوحفص كان لاجئًا جزائريًا يقيم في تونس ويتمتع بالحماية الدولية التي تمنحها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

في غشت 2021، اختفى من مكان إقامته في تونس، ثم ظهر بعد أيام معتقلًا في الجزائر.

قصته مرت بثلاث مراحل أساسية. ففي 6 شتنبر 2016، حكم عليه القضاء الجزائري بثلاث سنوات سجنًا بسبب منشورات على فيسبوك اعتُبرت مسيئة إلى الإسلام والنبي محمد، استنادًا إلى المادة 144 مكرر 2 من قانون العقوبات. وأمضى قرابة عامين في السجن قبل أن يُفرج عنه سنة 2018 بعفو رئاسي. بعد ذلك غادر الجزائر إلى تونس، وحصل سنة 2020 على صفة لاجئ معترف بها من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

أما الواقعة الأخطر فحدثت في 25 غشت 2021. فبحسب عائلته وشهود نقلت شهاداتهم منظمة العفو الدولية، وصل رجال بملابس مدنية إلى منزله في حي التحرير بتونس العاصمة وأجبروه على مغادرته في سيارة. اختفى أربعة أيام، ثم علمت أسرته في 29 غشت أنه محتجز في الجزائر، وظهر في 1 شتنبر 2021 أمام قاضي التحقيق بمحكمة سيدي امحمد في الجزائر العاصمة.

منظمتا هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية تحدثتا عن ظروف تثير شبهة الاختطاف والإعادة القسرية، وطالبتا بكشف كيفية انتقال شخص يتمتع بالحماية الدولية من الأراضي التونسية إلى قبضة السلطات الجزائرية.

كما طالب خبراء مستقلون تابعون للأمم المتحدة بتوضيحات بشأن القضية.

السلطات الجزائرية قدمت روايتها الخاصة، وقالت إن الرجل أوقف داخل الأراضي الجزائرية.

لكن السؤال الجوهري بقي قائمًا: كيف غادر لاجئ محمي دوليًا الأراضي التونسية ووصل إلى الجزائر بهذه الطريقة؟

ومن سمح بذلك؟ وهل عبر الحدود بطريقة عادية؟ وإن لم يكن الأمر كذلك، فمن تولى نقله؟ ولماذا لم يكشف تحقيق تونسي علني كل تفاصيل ما وقع؟

المعارض الجزائري أضعف من أنبوب الغاز

المشكلة لا تكمن فقط في قضية فردية، بل في السياق الذي حدثت داخله.

دولة تحتاج إلى المال، وتحتاج إلى الغاز، وتحتاج إلى الدعم الاقتصادي، وتقترب تدريجيًا من الجزائر سياسيًا، ثم يتغير موقفها في ملف الصحراء، وفي أراضيها يختفي معارض جزائري يتمتع بحماية دولية ليظهر معتقلًا في الجزائر.

لا يمكن الجزم بوجود صفقة مباشرة تجمع كل هذه الوقائع دون دليل. لكن لا يمكن كذلك مطالبة الرأي العام بأن يتعامل معها كما لو كانت أحداثًا لا رابط بينها.

فالنفوذ بين الدول لا يُمارس دائمًا بالأوامر، ولا يحتاج دائمًا إلى وثيقة مكتوبة.

الدولة المحتاجة تعرف من يستطيع تمويلها، وتعرف من يزودها بالطاقة، وتعرف من يمكنه تمديد آجال الأداء، وتعرف من يستطيع مساعدتها في وقت قد تُغلق أمامها أبواب جهات أخرى.

وفي مثل هذه العلاقات غير المتكافئة، قد يصبح مجرد وجود هذا الاعتماد كافيًا للتأثير في القرار. وهذا ربما أخطر من الأمر المباشر.

لأن النفوذ هنا لا يحتاج إلى هاتف يقول: افعلوا كذا.

الحاجة نفسها تصبح رسالة.

النفط والغاز… وسيلة تنمية أم خزينة للنفوذ؟

وهنا يجب نقل السؤال من العواصم الأجنبية إلى داخل الجزائر نفسها.

من حق المواطن الجزائري أن يسأل: كم أنفقت بلاده طوال نصف قرن على ملف البوليساريو؟ كم من الأموال؟ كم من الجهد الدبلوماسي؟ كم من الموارد؟ كم من العلاقات الدولية وُضعت في خدمة نزاع أصبح واحدًا من أطول النزاعات الإقليمية؟

إننا لا نتحدث فقط عن دعم سياسي، بل عن إيواء، وتمويل، وتسليح، وتحرك دبلوماسي واسع، ودفاع مستمر داخل المنظمات الدولية، ومحاولات متواصلة لاستقطاب دول وحكومات.

وكل ذلك يحتاج إلى المال، والمال في الجزائر يأتي بدرجة كبيرة من المحروقات. ومن هنا يصبح السؤال شرعيًا: هل عائدات النفط والغاز ملك للشعب الجزائري أم رصيد مفتوح لدبلوماسية النظام؟

وهل الأولوية هي بناء اقتصاد قوي يحرر الجزائر من التبعية للمحروقات، أم إبقاء نزاع الصحراء حاضرًا في كل علاقة خارجية؟

وهل الأولى أن تتحول عائدات الطاقة إلى مصانع وجامعات ومستشفيات وفرص شغل ومشاريع ماء ونقل وسكن، أم إلى أدوات لاستمالة حكومات والحفاظ على اصطفافات دولية تخدم أطروحة لم تحقق أهدافها منذ نصف قرن؟

فرنسا… أُغلقت أبواب التجارة ولم يُغلق صنبور النفط

والحالة الفرنسية بدورها تستحق القراءة بعناية. بعد أن دعمت باريس بصورة واضحة السيادة المغربية على الصحراء والمبادرة المغربية للحكم الذاتي، دخلت العلاقات الفرنسية الجزائرية أزمة حادة.

سُحب السفير الجزائري، وتراجعت مستويات التعاون، وظهرت عراقيل اقتصادية وتجارية أمام مصالح ومنتجات فرنسية.

ومن بين الوقائع التي أثارت الانتباه استبعاد القمح الفرنسي من مناقصات جزائرية في سياق تدهور العلاقات بين البلدين.

لكن الدقة تفرض هنا عدم الادعاء بأن الجزائر أوقفت الغاز أو النفط عن فرنسا بسبب موقفها من الصحراء.

لم يحدث ذلك بصورة مثبتة، بل استمرت المبادلات الطاقية.

وهذا في حد ذاته يكشف طبيعة السياسة الجزائرية بصورة أدق.

فالسلطة لا تستخدم دائمًا أقصى العقوبات.

إنها تتحرك داخل هامش يسمح لها بالضغط دون الإضرار الكبير بمصالحها المالية.

تعاقب حيث تستطيع، وتلوح حيث يكفي التلويح، وتحافظ على العقود حين يكون كسرها مكلفًا عليها هي أيضًا.

وهذا هو معنى توظيف الاقتصاد لخدمة السياسة الخارجية.

إيطاليا… الوجه الآخر للعملة

وإذا كانت إسبانيا وفرنسا تمثلان وجه الضغط، فإن إيطاليا تقدم الوجه الآخر.

في الوقت الذي توترت فيه العلاقات الجزائرية الإسبانية، تعززت الشراكة الجزائرية الإيطالية بصورة لافتة، خصوصًا في مجال الغاز.

ارتفعت أهمية الجزائر بالنسبة إلى إيطاليا، التي كانت تبحث عن بدائل للغاز الروسي، وازداد التعاون الطاقي والاستثماري بين البلدين.

وهنا نرى الوجه الآخر لدبلوماسية الطاقة: ليس فقط معاقبة من يبتعد، بل أيضًا مكافأة من يقترب. فالنفوذ الاقتصادي لا يعمل دائمًا بالعقاب، بل يعمل كذلك بالامتياز.

والدولة التي تعرف أن السوق الجزائرية والغاز الجزائري والاستثمارات الجزائرية يمكن أن تتسع أمامها عندما تكون العلاقات السياسية جيدة، ستأخذ ذلك بعين الاعتبار في حساباتها.

البوليساريو… مشروع سياسي مكلف يدفع ثمنه الجزائري

لا يستطيع أحد أن يمنع النظام الجزائري من اختيار حلفائه أو الدفاع عن مواقفه. لكن من حق الجزائريين أن يعرفوا ثمن تلك الخيارات، ومن حقهم أن يسألوا لماذا ظلت قضية البوليساريو مركزية في السياسة الخارجية الجزائرية أكثر مما ظلت قضايا اقتصادية واجتماعية ملحة مركزية في النقاش العام الداخلي.

فالدولة التي تملك احتياطيات ضخمة من الغاز والنفط كان يمكن أن تتحول إلى قوة صناعية واقتصادية إفريقية كبرى.

كان يمكن أن تكون عائدات المحروقات أساسًا لاقتصاد متنوع.

وكان يمكن أن تصبح الجزائر مركزًا للتكنولوجيا والصناعة والزراعة المتطورة.

لكن استمرار الاعتماد الكبير على تصدير المحروقات يجعل السؤال أكثر إيلامًا:

كم من ثروة الأجيال الجزائرية استُهلك في تمويل معركة خارجية امتدت خمسين عامًا ولم تغير الجغرافيا؟

السيادة لا تعني شراء صمت الآخرين

الخطاب الرسمي الجزائري يكثر من الحديث عن السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهذا مبدأ ينبغي احترامه.

لكن احترام السيادة يجب أن يكون متبادلًا. فإذا تحولت القروض إلى وسيلة لتضييق هامش القرار المستقل لدولة محتاجة، فهذه مشكلة.

وإذا تحول الغاز إلى ورقة ضغط، فهذه مشكلة.

وإذا أصبحت السوق مفتوحة أمام من يقترب سياسيًا ومغلقة أمام من يبتعد، فهذه ليست تجارة خالصة.

وإذا أصبحت علاقات الاعتماد المالي والطاقي قادرة على إنتاج صمت عن قضايا حقوقية أو تساهل مع ملاحقة معارضين، فإننا نكون أمام مسألة تتجاوز المغرب والجزائر. نكون أمام سؤال متعلق بسيادة الدول نفسها.

المغرب لا يحتاج إلى اختراع الاتهامات… جمع الوقائع يكفي

المغرب لا يحتاج إلى اختراع روايات ضد الجزائر. يكفي أن توضع الوقائع إلى جانب بعضها البعض:

إغلاق مسار أنبوب الغاز عبر المغرب، وأزمة إسبانيا بعد تغيير موقفها من الصحراء، وضغوط تجارية، وتسهيلات لدول أخرى، ومساعدات وقروض لتونس، وغاز بشروط تفضيلية، وتحول في الموقف التونسي، واستقبال إبراهيم غالي، واختفاء لاجئ جزائري محمي دوليًا من تونس وظهوره معتقلًا في الجزائر، وتدهور العلاقات الاقتصادية مع فرنسا عقب تحول موقف باريس من الصحراء، وتعزيز الشراكات الطاقية مع دول أخرى تتمتع بعلاقات أفضل مع الجزائر.

كل واقعة منفردة قد تجد لها تفسيرًا. لكن السياسة لا تُقرأ دائمًا واقعة بواقعة. أحيانًا لا تظهر الصورة إلا عندما تجمع القطع كلها.

وحين تجتمع تصبح الأسئلة مشروعة: هل نحن أمام تعاون اقتصادي طبيعي، أم أمام تحويل النفط والغاز والقروض والسوق إلى أدوات لشراء النفوذ والمواقف والصمت؟

وهنا لا يعود الحديث عن توظيف الاقتصاد لأغراض سياسية مجرد اتهام صادر من خصوم الجزائر.

بل يصبح موضوعًا تتناوله مراكز أبحاث دولية، من بينها مركز مالكوم كير–كارنيغي، الذي درس كيف يمكن توظيف القوة الاقتصادية والتجارية والطاقية لخدمة الأهداف الجيوسياسية في التنافس المغربي الجزائري.

برميل النفط لا يصنع قناعة إلى الأبد

في النهاية، النفط ينضب، والغاز ينضب، والقروض تنتهي، والحكومات تتغير، والتحالفات القائمة على المصالح تتحول، أما الجغرافيا فتبقى.

ولا يمكن شراء قناعة العالم إلى الأبد بأنبوب غاز، ولا يمكن الحفاظ على اعتراف سياسي مدى الحياة بقرض، ولا يمكن ضمان صمت دولة إلى ما لا نهاية بامتياز اقتصادي.

والتجربة نفسها تثبت ذلك. فدول كثيرة غيرت مواقفها من نزاع الصحراء رغم عقود طويلة من الجهد والإنفاق الجزائري، ودول سحبت اعترافاتها بالبوليساريو، وأخرى فتحت قنصليات في الأقاليم الجنوبية للمملكة.

وقوى دولية كبرى أصبحت تنظر إلى المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسًا جديًا وواقعيًا للتسوية.

قد يشتري النفط وقتًا، وقد يصنع الغاز نفوذًا، وقد يشتري القرض مجاملة دبلوماسية، وقد تجعل الحاجة حكومة ما أكثر استعدادًا لمراعاة رغبات ممولها.

لكن النفط لا يستطيع شراء التاريخ، والغاز لا يستطيع تغيير الجغرافيا، والمال لا يستطيع أن يصنع إلى الأبد قناعة سياسية لا تعيش إلا ما دامت المصالح التي غذتها قائمة.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على النظام الجزائري ليس فقط: كم دولة ما زالت تؤيد البوليساريو؟

بل السؤال الأثقل: كم برميلًا من ثروة الجزائريين صُرف طوال نصف قرن لإبقاء هذا النزاع حيًا، وكم فرصة تنمية ضاعت في سبيل نفوذ سياسي قد يتبخر في اليوم الذي يتوقف فيه القرض أو يُغلق فيه صنبور الغاز؟

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي



في نفس الركن