2026 يونيو/جوان 5 - تم تعديله في [التاريخ]

بكالوريا 2026 : برادة والخمسة آلاف حرامي جهوي .. في انتظار رواد الغش في الامتحان الوطني


العلم الإلكترونية - بقلم بوشعيب حمراوي 
 
منذ الإعلان عن اعتماد أجهزة وتقنيات جديدة لمحاربة الغش في امتحانات البكالوريا، لم تترك وزارة التربية الوطنية مناسبة إلا وقدمت فيها هذه التجهيزات باعتبارها إحدى أبرز أدوات الإصلاح والتحديث، وكأن المدرسة المغربية كانت على موعد مع ثورة تكنولوجية ستضع حداً لواحدة من أخطر الظواهر التي نخرت مصداقية الامتحانات وأضعفت الثقة في قيمة الشهادات التعليمية. وقد تابع المغاربة باهتمام كبير تلك التصريحات والبلاغات التي تحدثت عن إجراءات استثنائية وعن وسائل تقنية متطورة وعن مقاربة جديدة يفترض أن تنقل معركة محاربة الغش من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الاستباق، ومن منطق تسجيل المخالفات إلى منطق منع وقوعها أصلاً.
 
لكن ما إن أعلنت الوزارة عن حصيلة حالات الغش خلال الامتحانات الإشهادية الجهوية الخاصة بمستوى الأولى بكالوريا والمرشحين الأحرار، حتى وجد الرأي العام نفسه أمام رقم يصعب المرور عليه مرور الكرام، ويتعلق الأمر بضبط 4929 حالة غش، أي ما يقارب خمسة آلاف حالة في امتحان واحد، مع ارتفاع تجاوز 167 في المائة مقارنة بالسنة الماضية. وهنا بدأت المفارقة الكبرى التي تستحق التوقف عندها طويلاً، لأن الوزارة كانت تتحدث عن نجاح الأجهزة، بينما كان الرقم يتحدث عن شيء آخر تماماً، أو على الأقل يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لا يمكن تجاهلها. 
 
هذا عن الامتحانات الجهوية، فماذا سينتظرنا من مفاجآت خلال الامتحانات الإشهادية الوطنية لمستوى الثانية بكالوريا، وباقي الامتحانات الإشهادية الإقليمية الخاصة بمستوى السادس ابتدائي وتلك الجهوية الخاصة بمستوى الثالثة إعدادي ؟؟؟؟. 
 
الأمن الوقائي الذي وصل متأخراً
 
في جميع الأنظمة الأمنية الحديثة، سواء تعلق الأمر بالمطارات أو بالملاعب أو بالمؤسسات الحساسة، تقوم فلسفة العمل على منع الخطر قبل وقوعه، لأن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المخالفين الذين تم ضبطهم بعد ارتكاب المخالفة، وإنما بعدد المخالفات التي لم تتح الفرصة لوقوعها أصلاً. ولذلك كان المنتظر من الأجهزة الجديدة أن تمارس دورها في الأمن التربوي الوقائي، عند أبواب المؤسسات التعليمية، وأن تكون وظيفتها الأساسية هي منع أي هاتف ذكي أو سماعة إلكترونية أو وسيلة اتصال من الوصول إلى قاعات الامتحان، حتى يدخل المترشح إلى قاعة الاختبار مجرداً من كل وسيلة قد تمكنه من التواصل مع الخارج أو الحصول على أجوبة جاهزة.
 
أما أن يصل آلاف التلاميذ إلى مرحلة تحرير الأجوبة وهم يحملون وسائل للغش أو يحاولون استعمالها، فذلك يعني أن النقاش لم يعد مرتبطاً فقط بعدد الحالات المضبوطة، بل بمدى نجاح المقاربة الوقائية نفسها. فالمواطن العادي لا ينتظر من أجهزة الكشف أن تحرر المحاضر، وإنما ينتظر منها أن تجعل تحرير تلك المحاضر أمراً نادراً واستثنائياً.
 
بين نجاح الأجهزة وفشل المهمة
 
قد يخرج علينا من يعتبر أن الرقم الكبير دليل على نجاح الأجهزة وليس على فشلها، بحجة أن تلك الوسائل التقنية هي التي مكنت من ضبط هذا العدد غير المسبوق من المخالفات، وأن ارتفاع الحالات المسجلة يعكس ارتفاع فعالية المراقبة وليس ارتفاع حجم الغش. وقد يبدو هذا التفسير منطقياً للوهلة الأولى، غير أن التمعن فيه يكشف مفارقة عجيبة تجعلنا أمام وضع يشبه الاحتفال بعدد الحرائق التي تم تسجيلها بدل الاحتفال بعدد الحرائق التي تم منعها.
 
فالوزارة ليست مطالبة بإثبات أن الأجهزة قادرة على اكتشاف الغشاشين بعد وصولهم إلى قاعات الامتحان، وإنما مطالبة بإثبات أن هذه الأجهزة قادرة على منع وسائل الغش من الوصول إلى تلك القاعات أصلاً. ولذلك فإن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المحاضر المحررة، بل بعدد المحاضر التي لم تكن هناك حاجة إلى تحريرها.
 
التكنولوجيا ليست بديلاً عن الحكامة
 
الرقم المعلن يطرح أيضاً نقاشاً آخر يتعلق بظروف تنزيل هذه التجربة على أرض الواقع، لأن التكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها تظل مجرد أدوات تحتاج إلى بيئة مناسبة وإلى موارد بشرية مؤهلة وإلى بنية تقنية قادرة على استيعابها وتشغيلها بالشكل المطلوب. ومن الصعب إقناع الرأي العام بأن جميع المؤسسات التعليمية كانت تتوفر بالدرجة نفسها على شروط التنزيل السليم، في وقت ما تزال فيه بعض المؤسسات تعاني اختلالات في التجهيزات الأساسية وفي الربط بالشبكات وفي الصيانة التقنية وفي الموارد البشرية.
 
ولهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بجودة الأجهزة، وإنما بجودة المنظومة التي احتضنت تلك الأجهزة. فكم من مشروع فشل ليس بسبب رداءة الوسيلة، بل بسبب سوء التنزيل والتدبير والمتابعة، وكم من تقنية متطورة تحولت إلى مجرد ديكور إداري لأنها وُضعت في بيئة غير قادرة على استثمار إمكاناتها الحقيقية.
 
جيل رقمي في مواجهة أجهزة مستوردة
 
المثير للسخرية أن الوزارة كانت تراهن على أجهزة حديثة لمحاصرة جيل وُلد أصلاً داخل العالم الرقمي، جيل يقضي ساعات طويلة يومياً مع الهواتف الذكية والتطبيقات والمنصات الإلكترونية، ويكتسب بشكل مستمر مهارات جديدة في التعامل مع التكنولوجيا تفوق أحياناً ما يتوفر لدى كثير من الراشدين. ولذلك لا يستبعد كثيرون أن تكون معركة الغش قد تحولت إلى سباق بين ذكاء التلميذ الرقمي وبين ذكاء الأجهزة المستعملة لمراقبته، وهي معركة لا يمكن حسمها بالأدوات التقنية وحدها مهما بلغت درجة تطورها.
 
فالغش لم يعد مجرد ورقة صغيرة مخبأة داخل الجيب كما كان الحال في الماضي، بل أصبح صناعة رقمية متجددة تتطور باستمرار، وهو ما يجعل الرهان على التكنولوجيا وحدها أشبه بمحاولة معالجة أعراض المرض دون الاقتراب من أسبابه الحقيقية.
 
هل نختبر التلاميذ أم نختبر الأجهزة؟
 
أكثر ما يثير الانتباه في هذه القصة أن النقاش العمومي انصرف بسرعة من الحديث عن مستوى التلاميذ والتحصيل الدراسي وجودة التعلمات إلى الحديث عن الأجهزة وأرقام المحاضر وعدد المضبوطات، وكأن البكالوريا تحولت فجأة من امتحان لتقييم المكتسبات إلى مختبر ضخم لاختبار فعالية التجهيزات المستوردة.
 
فالمغاربة لم يكونوا ينتظرون من المدرسة أن تثبت قدرة الآلات على الرصد والكشف، وإنما كانوا ينتظرون منها أن تثبت قدرتها على تكوين تلاميذ يؤمنون بقيمة الاستحقاق وبأن النجاح لا يصنعه الهاتف ولا السماعة ولا التطبيقات السرية. كما أن دافعي الضرائب لم يكونوا ينتظرون أن يتحول الاستثمار في التعليم إلى مناسبة لقياس أداء الأجهزة، وإنما كانوا ينتظرون أن ينعكس ذلك الاستثمار على جودة التعلمات وعلى مستوى القيم وعلى الثقة في المدرسة العمومية.
 
الراسب الأكبر
 
قد يكون من بين المترشحين من سقط بسبب الغش، وقد يكون من بينهم من ضُبط متلبساً باستعمال وسائل ممنوعة، لكن الراسب الأكبر في هذه القضية ليس بالضرورة ذلك التلميذ الذي انتهى اسمه في محضر مخالفة، بل هو كل تصور يعتقد أن أزمة الغش يمكن أن تُحل بالأجهزة وحدها، وأن المدرسة يمكن أن تستعيد هيبتها بمجرد اقتناء معدات جديدة مهما كانت متطورة... المنظومة التربوية هي الخاسر الأكبر.
 
فالمدرسة التي تنجح في التربية لا تحتاج إلى جيوش من أجهزة الكشف، والمجتمع الذي ينجح في غرس القيم لا يحتاج إلى تحويل الامتحانات إلى ما يشبه نقاط التفتيش الحدودية، والمنظومة التي تنجح في بناء الثقة بين التلميذ والعلم والعمل لا تجد نفسها مضطرة إلى الاحتفال بعدد المحاضر المحررة وكأنها مؤشرات نجاح.
 
الحقيقة التي لا تظهر في المحاضر
 
قد يختلف الناس حول قراءة رقم 4929 حالة غش، وهو بالمناسبة رقبم مؤقت سيتضاعف عند انتهاء باقي الامتحانات الإشهادية. وقد يراه البعض دليلاً على فعالية المراقبة، بينما يعتبره آخرون مؤشراً على عمق الأزمة، غير أن ما لا يمكن الاختلاف حوله هو أن التعليم لا يقاس بعدد الهواتف المحجوزة ولا بعدد المخالفات المسجلة ولا بعدد الأجهزة المستعملة، بل يقاس بعدد التلاميذ الذين يدخلون قاعات الامتحان وهم مقتنعون بأن النجاح لا يُسرق، وأن المعرفة لا تُختزل في نقطة، وأن الشهادة لا قيمة لها إذا لم تكن ثمرة جهد واستحقاق.
 
أما إذا استمر النقاش محصوراً في عدد الغشاشين الذين تم ضبطهم، فقد نجد أنفسنا بعد سنوات أمام أجهزة أكثر تطوراً، ومحاضر أكثر عدداً، وأرقام أكبر حجماً، دون أن نقترب خطوة واحدة من معالجة السؤال الحقيقي: لماذا أصبح آلاف التلاميذ يفكرون في الغش أصلاً، ولماذا أصبحت المدرسة منشغلة بعدّ المخالفين أكثر من انشغالها بصناعة الناجحين؟
 
هذه الصيغة أقرب إلى أسلوب المقالات الافتتاحية الطويلة التي تفضلها: تقديم ممتد، فقرات طويلة، سخرية مبطنة، وحجاج متدرج دون الإفراط في الأسئلة القصيرة.



في نفس الركن