2026 أغسطس/أوت 13 - تم تعديله في [التاريخ]

بلد غني وشعب ينتظر أبسط شروط العيش الكريم

الجزائر الغنية التي ينهكها نظامها: ثروات هائلة وشعب محروم ودولة أسيرة العداء للمغرب


 
العلم الإلكترونية - بوشعيب حمراوي
 
ليست الجزائر بلدًا فقيرًا حتى يعجز شعبها عن الحصول على العمل والسكن والعلاج والتعليم، بل هي دولة غنية بالنفط والغاز والحديد والفوسفات والذهب والزنك والرصاص، وتمتلك أراضي زراعية واسعة، وساحلًا طويلًا، وصحراء غنية بالثروات والطاقة الشمسية، وموقعًا استراتيجيًا يربط إفريقيا بأوروبا، فضلًا عن ملايين الشباب والكفاءات القادرة على بناء قوة اقتصادية وصناعية وعلمية حقيقية/
 
لكن هذه الثروات لم تنعكس بالقدر المطلوب على حياة المواطن الجزائري، الذي ما يزال يواجه الغلاء والبطالة وضعف القدرة الشرائية ونقص بعض المواد والخدمات، بينما تعاني قطاعات الصحة والتعليم والنقل والسكن والماء والبنية التحتية من اختلالات مستمرة. فالجزائري لا يطالب بالمستحيل، بل بوظيفة تحفظ كرامته، وأجر يكفيه، وسكن لائق، ومدرسة جيدة، ومستشفى يعالجه، وإدارة تحترمه، وعدالة تنصفه.
 
في المقابل، يخصص نظامها العسكري أموالًا ضخمة للتسلح، مبررًا ذلك بخطاب الخوف من المغرب، ويواصل تمويل وتسليح جبهة الوهم البوليساريو التي يحتضنها فوق مخيمات تندوف المحتلة، داخل مجال تعتبره الذاكرة الوطنية المغربية جزءًا من الصحراء الشرقية التي اقتطعتها فرنسا الاستعمارية وألحقتها بالجزائر. كما تُستعمل عائدات النفط والغاز والمساعدات والامتيازات لاستمالة بعض الدول ودفعها إلى اتخاذ مواقف معادية للمملكة المغربية ولوحدته الترابية.
 
وهكذا لم تعد أزمة الجزائر مرتبطة بنقص الموارد، بل بسوء التدبير واختلال الأولويات؛ فالثروة تنهب وتُستهلك في شراء السلاح، ودعم الانفصال، وصناعة الخصومات، وملء جيوب النخبة الحاكمة. بينما يبقى الإنسان الجزائري في انتظار أن تتحول ثروات بلاده إلى كرامة وتنمية وفرص حقيقية. مطالب عالقة ووعود كاذبة.
 
الدولة الديمقراطية واجهة والقرار في مكان آخر
 
أولى أزمات الجزائر أن مؤسسات الدولة لا تعكس دائمًا الحجم الحقيقي لمراكز القرار؛ فهناك رئيس وحكومة وبرلمان وأحزاب وانتخابات، لكن المؤسسة العسكرية ظلت تاريخيًا لاعبًا مركزيًا في تحديد التوازنات الكبرى.
 
والمشكلة ليست في وجود جيش قوي يحمي حدود البلاد، بل في اختلاط وظيفة الدفاع بوظيفة الحكم، بما يضعف المؤسسات المدنية ويجعل التداول السياسي وتجديد النخب أكثر صعوبة.
 
والأخطر أن قمة السلطة باتت مرتبطة بشخصيات متقدمة في السن، في بلد يشكل الشباب جزءًا كبيرًا من مجتمعه. والسؤال هنا ليس عن الحالة الصحية للأشخاص، بل عن قدرة منظومة مغلقة على فهم تطلعات أجيال رقمية تريد العمل والحرية والمشاركة والانفتاح، بدل إعادة إنتاج خطابات وصراعات تعود إلى عقود مضت.
 
تحول التعليم من صناعة المستقبل إلى إعادة إنتاج الخطاب
 
الثروة الحقيقية لأي بلد ليست فقط ما يوجد تحت الأرض، بل ما يوجد داخل عقول أبنائه. والخطر الذي يهدد الجزائر هو أن يتحول التعليم من فضاء لبناء الإنسان الحر والمبدع إلى مجال للتلقين وإعادة إنتاج الرواية الرسمية، خصوصًا في التاريخ والسياسة والعلاقات مع الجوار.
 
فحين يتعلم الطفل البحث عن العدو قبل البحث عن المعرفة، وحين يصبح تمجيد السلطة أهم من تنمية التفكير النقدي، فإن الدولة لا تبني مواطن المستقبل، بل تعيد إنتاج أزماتها داخل الأجيال المقبلة.
 
وهنا تكمن الخسارة الأكبر: موارد بشرية كان يمكن أن تنافس عالميًا في العلوم والتكنولوجيا والصناعة، لكنها قد تجد نفسها أسيرة منظومة لا تمنح الإبداع والبحث والاستقلال الفكري المكانة التي تستحقها.
 
إعلام يبحث عن المغرب أكثر مما يبحث عن مشاكل الجزائر
 
أصبح جزء من الإعلام الجزائري امتدادًا لهذه الأزمة. فبدل أن ينشغل بمراقبة الحكومة، وتتبع الإنفاق العمومي، والتحقيق في البطالة والسكن والصحة والتعليم والفساد، تحتل أخبار المغرب مساحة واسعة من الخطاب الإعلامي والسياسي.
 
وبهذا يصبح المغرب شماعة جاهزة؛ نجاحه مؤامرة، وتحركاته الدبلوماسية تهديد، واستثماراته في إفريقيا خطر، وعلاقاته الدولية استهداف للجزائر.
 
وفي المقابل يتراجع السؤال الذي يجب أن يطرحه الإعلام يوميًا: ماذا فعلت السلطة بثروات الجزائريين، ولماذا لم تتحول إلى رفاه اجتماعي وتنمية مستدامة؟
 
اقتصاد يعيش على ما تخرجه الأرض بدل ما تنتجه العقول
 
بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، ما تزال المحروقات تمثل العمود الفقري للاقتصاد الجزائري ومصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة وإيرادات الدولة.
 
وترتفع قدرة النظام على الإنفاق عندما ترتفع أسعار النفط والغاز، ثم تعود المخاوف كلما تراجعت الأسعار، وكأن الاقتصاد الوطني ما يزال رهين السوق الدولية بدل أن يكون قائمًا على الإنتاج المتنوع.
 
المشكلة ليست في غياب المال، بل في عدم النجاح في تحويل عائدات المحروقات إلى اقتصاد صناعي وتكنولوجي وزراعي قوي. فالنفط والغاز ثروة قابلة للنضوب والتقلب، أما المصنع والجامعة والمقاولة والبحث العلمي فهي الثروة التي تستمر.
 
السلاح يأكل جزءًا من التنمية
 
من حق الجزائر حماية حدودها في منطقة مضطربة، لكن السؤال المشروع هو: أين تنتهي متطلبات الدفاع وأين يبدأ سباق التسلح؟
 
فكل مليار يذهب إلى اقتناء أسلحة تتجاوز الحاجات الدفاعية الفعلية هو مبلغ كان يمكن أن يساهم في بناء جامعات ومستشفيات ومصانع وشبكات نقل ومراكز للبحث العلمي.
 
ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما يُبرر الإنفاق العسكري باستمرار التوتر مع المغرب، لأن العداء يتحول إلى دائرة مغلقة: التوتر يبرر السلاح، والسلاح يغذي التوتر، والشعب يدفع الفاتورة في الحالتين.
 
البوليساريو الوهم .. فاتورة مفتوحة منذ نصف قرن
 
لا يمكن مناقشة كلفة الخيارات الجزائرية دون طرح سؤال الأموال والموارد التي صُرفت طوال عقود و تصرف على جبهة البوليساريو، من الإيواء والدعم السياسي والدبلوماسي إلى التدريب والتسليح والخدمات والبنيات المرتبطة بالمخيمات.
 
وبغض النظر عن الخطاب الرسمي الذي يقدم القضية باعتبارها «تصفية استعمار»، يبقى السؤال الذي يحق للجزائري طرحه: كم كلف هذا الملف خزينة بلاده منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي؟
 
وماذا كان يمكن أن يتحقق لو وُجه جزء من تلك الموارد إلى تنمية الجنوب والمناطق الحدودية، وبناء المستشفيات والمدارس، وخلق فرص الشغل للشباب؟
 
حين تصبح الدبلوماسية أسيرة المغرب
 
الدبلوماسية الطبيعية تسأل: ماذا ستربح الجزائر من علاقتها بهذه الدولة؟ لكن السياسة الخارجية التي تجعل الخصومة مع المغرب معيارًا أساسيًا تخاطر بأن يصبح السؤال الوحيد: ما موقف هذه الدولة من المغرب والصحراء؟
 
وهكذا تتحول المساعدات والامتيازات الاقتصادية والطاقة والعلاقات السياسية إلى أدوات لاستقطاب المواقف في النزاع، بينما الأولى أن تُستعمل ثروة الجزائر لبناء شراكات تعود بالنفع المباشر على اقتصادها ومواطنيها. فالدول لا تبني صداقاتها على أعداء الآخرين، وإنما على مصالح شعوبها.
 
المغرب.. العدو الجاهز عند كل أزمة
 
أخطر ما يمكن أن تفعله سلطة سياسية هو إقناع شعبها بأن مشاكله تأتي دائمًا من الخارج. فكلما اتسعت الأزمات الداخلية، أصبح وجود عدو دائم وسيلة سهلة لتحويل اتجاه الغضب والأسئلة.
 
لكن المغرب لا يحدد أسعار المواد في الأسواق الجزائرية، ولا يدير المستشفيات والمدارس، ولا يشغل الشباب الجزائري، ولا يضع الميزانية العامة للدولة. ولذلك فإن تحميله مسؤولية الأزمات الداخلية لا يحل مشكلة واحدة، بل يؤجل مواجهة أسبابها الحقيقية.
 
إغلاق الحدود.. شعبان يدفعان ثمن سياسة نظام جائر
 
من أكثر نتائج الصراع عبثية استمرار إغلاق الحدود البرية بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والعائلات واللغة والثقافة والدين.
 
فبدل القطارات والحافلات والتجارة والسياحة والاستثمارات المشتركة، توجد حدود مغلقة، وإنفاق عسكري، وخطاب عدائي متواصل.
 
والخاسر ليس المغرب وحده ولا الجزائر وحدها، بل المغرب الكبير كله. فقد أضاعت المنطقة عقودًا كان يمكن خلالها إنشاء فضاء اقتصادي يتجاوز مائة مليون نسمة، قادر على التفاوض مع أوروبا وإفريقيا والعالم من موقع أقوى.
 
الشباب بين البطالة والهجرة
 
المشهد الأكثر قسوة هو أن بلدًا بهذه الثروات لا يزال بعض شبابه يرى البحر طريقًا إلى المستقبل. فالهجرة ليست مجرد مغامرة فردية، بل هي في جانب منها تصويت بالقدمين ضد واقع لا يوفر الأمل الكافي ولا يمنح الشباب الثقة في مستقبلهم داخل وطنهم.
 
وحين يغادر الطبيب والمهندس والباحث والطالب المتفوق، لا تخسر الجزائر شخصًا واحدًا فقط، بل تخسر سنوات من التعليم والتمويل والخبرة، ثم تستفيد دولة أخرى من الكفاءة التي صنعتها المدرسة الجزائرية ولم يستطع الاقتصاد الاحتفاظ بها. 
 
الريع لا يبني دولة قوية
 
سمحت عائدات النفط والغاز للنظام بتمويل الدعم والأجور والمشاريع وشراء السلم الاجتماعي، لكنها ساهمت أيضًا في تأجيل الإصلاحات الضرورية.
 
فالسلطة التي تحصل على معظم مواردها من باطن الأرض تصبح أقل احتياجًا إلى اقتصاد منتج، وأقل ارتباطًا بمواطن يدفع الضرائب ويطالبها بالمحاسبة.
 
ولهذا فإن تحرير الجزائر يبدأ اقتصاديًا بتحرير المبادرة: مقاولة خاصة قوية، ومنافسة عادلة، وقضاء تجاري فعال، وإدارة أقل بيروقراطية، واستثمار في التكنولوجيا، وتشجيع الجزائري على صناعة الثروة بدل انتظار توزيع جزء من الريع. وقبل كل هذا تربية وتعليم صحيحين وإعلام مهني شفاف.
 
إفريقيا تتغير والجزائر مطالبة بتغيير أدواتها
 
إفريقيا اليوم ليست إفريقيا الستينيات والسبعينيات. فالدول الإفريقية تبحث عن الاستثمار والبنية التحتية والمصانع والتكوين والطاقة والتجارة، وليس فقط عن الشعارات الثورية وذكريات حركات التحرر. كما انتهى زمن الأنظمة الإفريقية التي تعيش رغم رفض شعوبها على الارتزاق. 
 
لذلك فإن النفوذ الحقيقي لا يُشترى بالرشاوي و المساعدات والمواقف السياسية وحدها، بل يُبنى بالمصارف والشركات والموانئ والطرق والجامعات والاستثمارات.
 
ومن لا يفهم هذا التحول سيجد نفسه يعيش على رصيد تاريخي يتناقص، بينما يصنع الآخرون نفوذًا جديدًا على الأرض.
 
فلسطين قضية شعب وليست ورقة في الصراع مع المغرب
 
للشعب الجزائري ارتباط صادق وعميق بالقضية الفلسطينية، تمامًا كما هو الحال لدى الشعب المغربي، ولذلك لا ينبغي تحويل فلسطين إلى أداة للمزايدة بين البلدين.
 
فالفلسطيني لن يستفيد من شتم المغرب، والمغربي لن يصبح أقل تضامنًا مع فلسطين بسبب خلاف حكومته مع الجزائر.
 
القضية الفلسطينية أكبر من الخصومة المغاربية، واستعمالها لتصفية الحسابات السياسية يسيء إليها بدل أن يخدمها.
 
الخطر الأكبر.. أن يرث الأطفال خصومات الأجداد المجانية
 
يمكن إصلاح اقتصاد متعثر، وبناء مستشفى، وإنشاء مصنع، وحتى إعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سنوات من القطيعة، لكن الأصعب هو إصلاح عقل جيل تربى على الكراهية.
 
إذا استمر الإعلام والمدرسة والخطاب السياسي في تقديم المغرب باعتباره عدوًا وجوديًا، فقد نجد بعد سنوات شبابًا جزائريًا ومغربيًا لا يعرف بعضه بعضًا إلا عبر الشتائم والحملات الرقمية.
 
وهذه أخطر خسارة يمكن أن تتركها السياسة للأجيال المقبلة.
 
الجزائر لا تحتاج إلى عدو.. بل إلى مشروع. الجزائر لا ينقصها الغاز ولا النفط ولا الحديد ولا الأرض ولا البحر ولا الشباب ولا الموقع الجغرافي.
 
ما تحتاجه هو مشروع دولة يجعل الإنسان قبل السلاح، والتعليم قبل الدعاية، والمصنع قبل الريع، والمستشفى قبل المغامرات الخارجية، والمصلحة الوطنية قبل الخصومات التاريخية.
 
وتحتاج قبل كل شيء إلى مصالحة مع ذاتها؛ دولة لا تخاف من شبابها ولا من إعلامها ولا من معارضيها ولا من جيرانها، ولا تحتاج إلى صناعة عدو لكي توحد شعبها.
 
الجزائر أكبر من نظام وأغنى من أن يبقى شعبها ينتظر. المشكلة ليست في الجزائر الوطن، ولا في الشعب الجزائري الذي أثبت عبر التاريخ قدرته على التضحية والإبداع والصمود، وإنما في نموذج حكم استهلك جزءًا كبيرًا من عمر الدولة المستقلة وهو يعيد إنتاج الآليات نفسها: اقتصاد ريعي، ونفوذ سياسي واسع للمؤسسة العسكرية، وضعف في التداول، وتضييق للمجال العام، وإنفاق ضخم على التسلح، ودعم مستمر لجبهة وهمية، وخصومة مع المغرب أصبحت جزءًا من تعريف السياسة الخارجية.
 
ولا يحتاج الجزائري إلى من يخبره بأن المغرب عدوه، بل يحتاج إلى من يشرح له أين ذهبت ثروات بلاده، ولماذا لم تتحول إلى مدرسة أفضل، ومستشفى أفضل، وأجر أفضل، وسكن أفضل، وفرصة عمل تحفظ كرامته.
 
ويحتاج إلى حكومة تُحاسب على نتائجها، وبرلمان يراقب، وإعلام يسأل، وقضاء مستقل، وجيش قوي يحمي الحدود دون أن يحمل عبء السياسة، واقتصاد ينتج بدل أن ينتظر سعر برميل النفط.
 
إن الجزائر تملك كل المقومات التي تجعلها قوة إفريقية ومتوسطية كبرى، ويمكن للمغرب والجزائر، إذا تجاوزا منطق العداء، أن يشكلا مع بقية بلدان المنطقة قوة اقتصادية وسياسية هائلة.
 
لكن ذلك لن يحدث ما دامت الثروة تُستنزف في الخصومات، والحدود مغلقة، والسلاح يتراكم، والأجيال تُربى على الخوف من الجار.
 
وفي النهاية، لا يُقاس نجاح الدول بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ، ولا بحجم احتياطات الغاز والنفط، ولا بعدد البيانات التي تهاجم الجيران؛ بل يُقاس بكرامة المواطن، وجودة المدرسة والمستشفى، وقوة الجامعة والمصنع، وحرية الإنسان، وقدرة الشاب على أن يحلم بمستقبله داخل وطنه بدل أن يبحث عنه خلف البحر.
 
فالجزائر ليست فقيرة حتى يعاني شعبها، وليست ضعيفة حتى تحتاج إلى عدو دائم، وليست قليلة الموارد حتى تعجز عن بناء مستقبل أبنائها؛ إنها دولة غنية تحتاج إلى أن تصبح ثروتها في خدمة الجزائريين، وأن تتحرر سياستها من عقدة المغرب، وأن تنتقل من دولة تدير الأزمات وتحرس الماضي إلى دولة تبني المستقبل.
 



في نفس الركن