*بقلم: بوشعيب حمراوي*
وزير الخارجية المغربي يضع الجماعات المسلحة وتمويلها أمام مسؤولية المجتمع الدولي، يجدد التمسك بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، يكشف تفاصيل مساهمة المملكة في غزة، ويقدم قراءة مغربية للقرار 2797 قبل إعلان ترشيح الرباط لمجلس الأمن.
لم تكن كلمة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، مجرد استعراض تقليدي لمواقف الدبلوماسية المغربية، بقدر ما جاءت محاولة لتركيب رؤية شاملة لما يعتبره المغرب أبرز اختلالات النظام الدولي الراهن، وربطها بملفات الأمن والمناخ والشرق الأوسط وإفريقيا وقضية الصحراء، قبل أن تنتهي بالإعلان عن ترشيح المملكة المغربية لعضوية غير دائمة في مجلس الأمن للفترة 2028-2029.
وألقى بوريطة كلمة المغرب خلال المناقشة العامة للدورة الـ81، التي انطلقت يوم 22 شتنبر 2026 بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، وهي دورة يرأسها الدبلوماسي البنغلاديشي خليل الرحمن.
عالم يفقد يقينياته.. والمغرب يبدأ من أزمة النظام الدولي
استهل بوريطة مداخلته بالإشادة بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، معتبرًا إياه صوتًا للحكمة والتوافق والبراغماتية في مرحلة دولية اتسمت بانقسامات حادة، قبل أن يستحضر توصيف الملك محمد السادس لعالم «يتغير بسرعة فائقة»، وتتراجع فيه اليقينيات، وتختلط المعايير والمفاهيم، وتتعرض فيه التحالفات والقانون الدولي لضغوط متزايدة.
ومن هذا المدخل، حدد الوزير أربع سمات يعتبرها المغرب عنوانًا للمرحلة الدولية الراهنة: تفاقم الأزمات العسكرية والاقتصادية والطاقية والوبائية؛ تحوّل الصراع إلى عنصر حاضر بقوة في العلاقات بين الدول؛ صعوبة التنبؤ بمآلات الأزمات بعدما أصبح معروفًا متى تبدأ وليس متى تنتهي؛ ثم تراجع قدرة الهياكل الدولية القائمة على الوقاية من الأزمات ومعالجتها.
وانطلاقًا من هذا التشخيص، اختار بوريطة وضع ثلاثة تحديات في مقدمة الأولويات: الجماعات المسلحة غير الحكومية، والتغير المناخي، ثم الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط وإفريقيا.
الجماعات المسلحة: رسالة شديدة اللهجة إلى الدول الراعية
واحدة من أكثر فقرات الخطاب صرامة تعلقت بالجماعات المسلحة غير الحكومية. فالوزير المغربي لم يقدمها باعتبارها مجرد نتيجة لنزاعات محلية، بل بوصفها أحد مصادر تهديد الأمن الدولي.
وبحسب الأرقام التي أوردها في مداخلته، يعيش أكثر من مليون شخص في مناطق تخضع لجماعات مسلحة أو تتنازع عليها أطراف مسلحة، فيما جرى رصد أكثر من 130 جماعة غير حكومية مصنفة قانونيًا كأطراف في نزاعات مسلحة. واعتبر أن توسع هذه التنظيمات أصبح يطال الممرات البحرية والمضائق وحرية الملاحة والمنشآت داخل عدد من الدول.
لكن الرسالة السياسية الأبرز جاءت عندما ربط بوريطة بين الجماعات المسلحة و«الميليشيات الانفصالية» من جهة، والمنظمات الإرهابية والشبكات الإجرامية والعناصر المرتزقة من جهة أخرى، رافضًا فكرة وجود جماعات مسلحة يمكن التعامل معها، في نظره، باعتبارها فاعلًا سلميًا أو بنّاءً.
ثم انتقل من توصيف الجماعات إلى مساءلة الدول التي تقف خلفها، داعيًا إلى تحميل المسؤولية لمن «يرعاها ويحتضنها ويمولها ويسلحها ويوفر لها الملاذ والدعم»، ومعتبرًا أن المسؤولية هنا ليست سياسية فقط، بل قانونية وأخلاقية وتاريخية.
وطالب بفرض عقوبات رادعة على تلك الجماعات وعلى الجهات الراعية لها، ومساءلة من يقدم التمويل أو التسليح أو أي شكل من أشكال الدعم.
وبقراءة السياق الكامل للخطاب، تبدو هذه الفقرة ذات امتداد يتجاوز النقاش الدولي العام حول الجماعات المسلحة، خصوصًا أنها سبقت مباشرة الحديث عن الملفات الإقليمية، ومنها الصحراء، لكن النص نفسه لم يسمِّ دولة بعينها في هذه الفقرة.
المناخ: الماء في قلب الاستراتيجية المغربية
المحور الثاني نقل الخطاب من الأمن الصلب إلى ما يمكن وصفه بالأمن المناخي. فقد شدد بوريطة على أن التغير المناخي لم يعد خطرًا مؤجلًا، وإنما بات يؤثر في الأمن المائي والغذائي واستقرار المجالات الترابية والاقتصادات وظروف عيش السكان.
وأشار إلى أن المغرب، رغم مساهمته المحدودة في انبعاثات غازات الدفيئة، يُعد من الدول المعرضة بقوة لتداعيات التغير المناخي، معددًا الإجراءات التي اعتمدتها المملكة، وفي مقدمتها بناء السدود، والربط بين الأحواض المائية، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وترشيد استعمال الموارد المائية، وخاصة في الفلاحة.
والرقم الأبرز الذي حملته المداخلة هو هدف خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة تصل إلى 53 في المائة بحلول سنة 2035.
وهذه النسبة تتطابق مع المساهمة المحددة وطنيًا الثالثة للمغرب، المسجلة في إطار اتفاقية الأمم المتحدة بشأن المناخ؛ ويبلغ المكون غير المشروط منها 21,6 في المائة، فيما يرتبط بلوغ 53 في المائة بتوفر الدعم الدولي.
وعلى المستوى الإفريقي، ذكر بوريطة اللجان الإفريقية الثلاث للمناخ الخاصة بحوض الكونغو ومنطقة الساحل والدول الجزرية الإفريقية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الجهود الوطنية للدول النامية لا تكفي من دون تمويل ميسر ونقل للتكنولوجيا وتضامن دولي فعلي.
فلسطين: دولة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية
واحتلت القضية الفلسطينية مساحة واسعة ومفصلة في الخطاب.
فبوريطة جدد التأكيد أن فلسطين «أولوية ثابتة» في السياسة الخارجية المغربية، وربط السلام الدائم في الشرق الأوسط بقيام دولة فلسطينية مستقلة، ذات سيادة وقابلة للحياة، على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش إلى جانب دولة إسرائيل في أمن وسلام.
وفي الشق المتعلق بغزة، دعا المغرب إلى احترام وقف إطلاق النار وضمان دخول المساعدات الإنسانية بكميات كافية ودون عوائق أو انقطاع.
كما شدد الخطاب على دعم السلطة الفلسطينية، ماليًا وتقنيًا وبنيويًا وإنسانيًا وتكوينيًا، إلى جانب مواكبة إصلاح مؤسساتها، وجدد دعم المغرب للدور الذي تضطلع به وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».
ماذا سيقدم المغرب في غزة؟
وهنا انتقل بوريطة من إعلان المواقف إلى تفاصيل عملية.
فقد أكد مشاركة المغرب في القوة الدولية الرامية إلى تحقيق الاستقرار في غزة، وأورد ضمن المساهمات المغربية: تدريب الشرطة الفلسطينية، والمساهمة بعناصر شرطية، ونشر ضباط عسكريين رفيعي المستوى ضمن القيادة الأمنية ذات الصلة، وإقامة مستشفى عسكري ميداني، والاستعداد لقيادة برامج لمواجهة التطرف.
وهذه الالتزامات ليست جديدة في خطاب نيويورك وحده؛ إذ سبق لبوريطة أن أعلن في فبراير 2026 استعداد المغرب لنشر عناصر شرطة والمساهمة في تدريب شرطة غزة، إلى جانب إرسال مستشفى عسكري ميداني، وهي التزامات وثقتها أيضًا رويترز ومحاضر أممية.
الضفة الغربية والقدس.. تحذير من الاستيطان و«تقويض الدولة»
وفي موقف واضح من تطورات الضفة الغربية، وصف بوريطة الوضع بأنه «مقلق جدًا»، منتقدًا القوانين والإجراءات التي تمس، وفق المداخلة، الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية وتفتح الطريق أمام الاستيلاء عليها وتوسيع الاستيطان، إضافة إلى عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين.
ولخص النتائج التي يخشاها المغرب في مسارين: تهجير السكان وتقويض الأساس المادي لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
أما القدس، فعبّر الخطاب عن «انشغال عميق» إزاء الإجراءات الإسرائيلية الأحادية والانتهاكات التي تطال المسجد الأقصى، معتبرًا أنها تغذي التطرف.
واستحضر بوريطة، في هذا السياق، رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، ودور وكالة بيت مال القدس الشريف في دعم المقدسيين والمحافظة على الهوية التاريخية والثقافية والروحية للمدينة ووضعها القانوني.
إفريقيا ليست قارة أزمات.. بل قارة حلول
في المحور الإفريقي، سعى الخطاب إلى كسر الصورة التي تختزل القارة في الحروب والهشاشة.
وأشار بوريطة إلى وجود فجوة بين حجم الوعود والالتزامات الدولية تجاه إفريقيا وبين ما يتحقق فعليًا على الأرض، مستحضرًا العبارة الملكية: «على إفريقيا أن تثق في إفريقيا».
ووضع ضمن ترجمة هذه الرؤية عددًا من المشاريع والمبادرات المغربية: تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ومسار الدول الإفريقية الأطلسية، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، والاستثمار في البنيات التحتية، والأمن الغذائي والأسمدة، وتكوين الأطر الإفريقية، والطاقات المتجددة، وتدبير المياه.
الصحراء.. القرار 2797 في صلب خطاب المغرب
وبمجرد انتقاله إلى شمال إفريقيا، وضع بوريطة ملف الصحراء في واجهة المداخلة، معتبرًا أن القضية دخلت «منعطفًا تاريخيًا» بعد اعتماد مجلس الأمن القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025.
وقدّم الوزير قراءة المغرب لهذا القرار من خلال ست رسائل صاغها بلغة «لا»: لا حل خارج الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؛ لا مسار خارج التفاوض في إطار الأمم المتحدة وعلى أساس مبادرة الحكم الذاتي؛ لا تجاهل لمسؤوليات الأطراف الأربعة؛ لا استمرار للوضع القائم؛ لا مصداقية، وفق تعبيره، لمن ينتهك وقف إطلاق النار ويرفض قرارات مجلس الأمن؛ ولا قبول باستمرار وضع سكان مخيمات تندوف كما وصفه الخطاب.
ومن الضروري، عند نقل هذه الفقرة صحفيًا بالدقة المطلوبة، التمييز بين قراءة بوريطة السياسية للقرار وبين العبارات القانونية الحرفية للقرار 2797.
فنص القرار نفسه يدعم إجراء المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، ويدعو الأطراف إلى المشاركة في النقاشات دون شروط مسبقة، ويقول إن «حكمًا ذاتيًا حقيقيًا» يمكن أن يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق، لكنه ينص كذلك على أن التسوية النهائية يجب أن تكون «مقبولة بصورة متبادلة» وأن تكفل تقرير المصير.
أي إن قول بوريطة «لا حل خارج الحكم الذاتي» يعبر عن القراءة التي قدمها المغرب للاتجاه السياسي الذي أحدثه القرار، بينما ظلت أطراف أخرى داخل الأمم المتحدة تقدم قراءات مخالفة لبعض دلالاته. وقد اعتُمد القرار بـ11 صوتًا، مع امتناع الصين وباكستان وروسيا، وعدم مشاركة الجزائر في التصويت.
وهذه الدقة ضرورية لأن القرار بالفعل جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا للمفاوضات، وهو تحول ذو وزن سياسي واضح، لكنه أبقى أيضًا على صيغة الحل النهائي المقبول من الأطراف وعلى الإشارة إلى تقرير المصير.
الأقاليم الجنوبية والانتخابات في قلب الحجة المغربية
ولم يحصر بوريطة حديثه عن الصحراء في المسار الأممي؛ إذ ربطه بما وصفه بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم الجنوبية، مستعرضًا مجالات البنية التحتية والتعليم الجامعي والصحة والمطارات.
كما توقف عند الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في اليوم الموالي للمداخلة، أي 23 شتنبر، معتبرًا أن مشاركة سكان الأقاليم الجنوبية فيها ستعزز، وفق الموقف الذي قدمه، التمثيل الديمقراطي وتدبير الشؤون المحلية.
المغرب يريد العودة إلى مجلس الأمن
واختار بوريطة أن يختم المداخلة بإعلان ذي دلالة دبلوماسية: ترشيح المملكة المغربية لعضوية غير دائمة في مجلس الأمن للفترة 2028-2029.
وقدّم الوزير هذا الترشيح باعتباره امتدادًا لما وصفه بالتزام المغرب بالسلم والأمن الدوليين، واحترام السيادة الوطنية والوحدة الترابية، والدبلوماسية متعددة الأطراف.
وربط الترشيح بثلاث ركائز للأمم المتحدة قال إن المغرب يريد مواصلة الإسهام فيها: السلم، والتنمية، وسيادة القانون.
خطاب واحد ورسائل متعددة
بهذه المداخلة، رسم المغرب أمام الجمعية العامة خريطة متكاملة لأولوياته الخارجية: عالم متعدد الأطراف يحتاج، من وجهة نظره، إلى مؤسسات أكثر قدرة على الفعل؛ مواجهة أشد للجماعات المسلحة ومموليها؛ انتقال مناخي تظل المياه أحد محاوره المركزية؛ دعم قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية مع مساهمة ميدانية في غزة؛ إفريقيا تتحول من موضوع للمساعدة إلى شريك في إنتاج الحلول؛ وملف الصحراء يدخل، في القراءة المغربية، مرحلة تفاوضية جديدة جعل فيها القرار 2797 مبادرة الحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات.
أما الرسالة الأخيرة، فقد جاءت من موقع المؤسسة التي أُلقي أمامها الخطاب نفسه: المغرب لا يريد فقط عرض مواقفه أمام مجلس الأمن، بل أعلن أنه يسعى إلى الجلوس داخله من جديد خلال الفترة 2028-2029، في لحظة دولية تبدو فيها ملفات الحرب والسلام والسيادة والمناخ أكثر تشابكًا من أي وقت مضى.
وألقى بوريطة كلمة المغرب خلال المناقشة العامة للدورة الـ81، التي انطلقت يوم 22 شتنبر 2026 بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، وهي دورة يرأسها الدبلوماسي البنغلاديشي خليل الرحمن.
عالم يفقد يقينياته.. والمغرب يبدأ من أزمة النظام الدولي
استهل بوريطة مداخلته بالإشادة بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، معتبرًا إياه صوتًا للحكمة والتوافق والبراغماتية في مرحلة دولية اتسمت بانقسامات حادة، قبل أن يستحضر توصيف الملك محمد السادس لعالم «يتغير بسرعة فائقة»، وتتراجع فيه اليقينيات، وتختلط المعايير والمفاهيم، وتتعرض فيه التحالفات والقانون الدولي لضغوط متزايدة.
ومن هذا المدخل، حدد الوزير أربع سمات يعتبرها المغرب عنوانًا للمرحلة الدولية الراهنة: تفاقم الأزمات العسكرية والاقتصادية والطاقية والوبائية؛ تحوّل الصراع إلى عنصر حاضر بقوة في العلاقات بين الدول؛ صعوبة التنبؤ بمآلات الأزمات بعدما أصبح معروفًا متى تبدأ وليس متى تنتهي؛ ثم تراجع قدرة الهياكل الدولية القائمة على الوقاية من الأزمات ومعالجتها.
وانطلاقًا من هذا التشخيص، اختار بوريطة وضع ثلاثة تحديات في مقدمة الأولويات: الجماعات المسلحة غير الحكومية، والتغير المناخي، ثم الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط وإفريقيا.
الجماعات المسلحة: رسالة شديدة اللهجة إلى الدول الراعية
واحدة من أكثر فقرات الخطاب صرامة تعلقت بالجماعات المسلحة غير الحكومية. فالوزير المغربي لم يقدمها باعتبارها مجرد نتيجة لنزاعات محلية، بل بوصفها أحد مصادر تهديد الأمن الدولي.
وبحسب الأرقام التي أوردها في مداخلته، يعيش أكثر من مليون شخص في مناطق تخضع لجماعات مسلحة أو تتنازع عليها أطراف مسلحة، فيما جرى رصد أكثر من 130 جماعة غير حكومية مصنفة قانونيًا كأطراف في نزاعات مسلحة. واعتبر أن توسع هذه التنظيمات أصبح يطال الممرات البحرية والمضائق وحرية الملاحة والمنشآت داخل عدد من الدول.
لكن الرسالة السياسية الأبرز جاءت عندما ربط بوريطة بين الجماعات المسلحة و«الميليشيات الانفصالية» من جهة، والمنظمات الإرهابية والشبكات الإجرامية والعناصر المرتزقة من جهة أخرى، رافضًا فكرة وجود جماعات مسلحة يمكن التعامل معها، في نظره، باعتبارها فاعلًا سلميًا أو بنّاءً.
ثم انتقل من توصيف الجماعات إلى مساءلة الدول التي تقف خلفها، داعيًا إلى تحميل المسؤولية لمن «يرعاها ويحتضنها ويمولها ويسلحها ويوفر لها الملاذ والدعم»، ومعتبرًا أن المسؤولية هنا ليست سياسية فقط، بل قانونية وأخلاقية وتاريخية.
وطالب بفرض عقوبات رادعة على تلك الجماعات وعلى الجهات الراعية لها، ومساءلة من يقدم التمويل أو التسليح أو أي شكل من أشكال الدعم.
وبقراءة السياق الكامل للخطاب، تبدو هذه الفقرة ذات امتداد يتجاوز النقاش الدولي العام حول الجماعات المسلحة، خصوصًا أنها سبقت مباشرة الحديث عن الملفات الإقليمية، ومنها الصحراء، لكن النص نفسه لم يسمِّ دولة بعينها في هذه الفقرة.
المناخ: الماء في قلب الاستراتيجية المغربية
المحور الثاني نقل الخطاب من الأمن الصلب إلى ما يمكن وصفه بالأمن المناخي. فقد شدد بوريطة على أن التغير المناخي لم يعد خطرًا مؤجلًا، وإنما بات يؤثر في الأمن المائي والغذائي واستقرار المجالات الترابية والاقتصادات وظروف عيش السكان.
وأشار إلى أن المغرب، رغم مساهمته المحدودة في انبعاثات غازات الدفيئة، يُعد من الدول المعرضة بقوة لتداعيات التغير المناخي، معددًا الإجراءات التي اعتمدتها المملكة، وفي مقدمتها بناء السدود، والربط بين الأحواض المائية، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وترشيد استعمال الموارد المائية، وخاصة في الفلاحة.
والرقم الأبرز الذي حملته المداخلة هو هدف خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة تصل إلى 53 في المائة بحلول سنة 2035.
وهذه النسبة تتطابق مع المساهمة المحددة وطنيًا الثالثة للمغرب، المسجلة في إطار اتفاقية الأمم المتحدة بشأن المناخ؛ ويبلغ المكون غير المشروط منها 21,6 في المائة، فيما يرتبط بلوغ 53 في المائة بتوفر الدعم الدولي.
وعلى المستوى الإفريقي، ذكر بوريطة اللجان الإفريقية الثلاث للمناخ الخاصة بحوض الكونغو ومنطقة الساحل والدول الجزرية الإفريقية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الجهود الوطنية للدول النامية لا تكفي من دون تمويل ميسر ونقل للتكنولوجيا وتضامن دولي فعلي.
فلسطين: دولة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية
واحتلت القضية الفلسطينية مساحة واسعة ومفصلة في الخطاب.
فبوريطة جدد التأكيد أن فلسطين «أولوية ثابتة» في السياسة الخارجية المغربية، وربط السلام الدائم في الشرق الأوسط بقيام دولة فلسطينية مستقلة، ذات سيادة وقابلة للحياة، على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش إلى جانب دولة إسرائيل في أمن وسلام.
وفي الشق المتعلق بغزة، دعا المغرب إلى احترام وقف إطلاق النار وضمان دخول المساعدات الإنسانية بكميات كافية ودون عوائق أو انقطاع.
كما شدد الخطاب على دعم السلطة الفلسطينية، ماليًا وتقنيًا وبنيويًا وإنسانيًا وتكوينيًا، إلى جانب مواكبة إصلاح مؤسساتها، وجدد دعم المغرب للدور الذي تضطلع به وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».
ماذا سيقدم المغرب في غزة؟
وهنا انتقل بوريطة من إعلان المواقف إلى تفاصيل عملية.
فقد أكد مشاركة المغرب في القوة الدولية الرامية إلى تحقيق الاستقرار في غزة، وأورد ضمن المساهمات المغربية: تدريب الشرطة الفلسطينية، والمساهمة بعناصر شرطية، ونشر ضباط عسكريين رفيعي المستوى ضمن القيادة الأمنية ذات الصلة، وإقامة مستشفى عسكري ميداني، والاستعداد لقيادة برامج لمواجهة التطرف.
وهذه الالتزامات ليست جديدة في خطاب نيويورك وحده؛ إذ سبق لبوريطة أن أعلن في فبراير 2026 استعداد المغرب لنشر عناصر شرطة والمساهمة في تدريب شرطة غزة، إلى جانب إرسال مستشفى عسكري ميداني، وهي التزامات وثقتها أيضًا رويترز ومحاضر أممية.
الضفة الغربية والقدس.. تحذير من الاستيطان و«تقويض الدولة»
وفي موقف واضح من تطورات الضفة الغربية، وصف بوريطة الوضع بأنه «مقلق جدًا»، منتقدًا القوانين والإجراءات التي تمس، وفق المداخلة، الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية وتفتح الطريق أمام الاستيلاء عليها وتوسيع الاستيطان، إضافة إلى عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين.
ولخص النتائج التي يخشاها المغرب في مسارين: تهجير السكان وتقويض الأساس المادي لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
أما القدس، فعبّر الخطاب عن «انشغال عميق» إزاء الإجراءات الإسرائيلية الأحادية والانتهاكات التي تطال المسجد الأقصى، معتبرًا أنها تغذي التطرف.
واستحضر بوريطة، في هذا السياق، رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، ودور وكالة بيت مال القدس الشريف في دعم المقدسيين والمحافظة على الهوية التاريخية والثقافية والروحية للمدينة ووضعها القانوني.
إفريقيا ليست قارة أزمات.. بل قارة حلول
في المحور الإفريقي، سعى الخطاب إلى كسر الصورة التي تختزل القارة في الحروب والهشاشة.
وأشار بوريطة إلى وجود فجوة بين حجم الوعود والالتزامات الدولية تجاه إفريقيا وبين ما يتحقق فعليًا على الأرض، مستحضرًا العبارة الملكية: «على إفريقيا أن تثق في إفريقيا».
ووضع ضمن ترجمة هذه الرؤية عددًا من المشاريع والمبادرات المغربية: تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ومسار الدول الإفريقية الأطلسية، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، والاستثمار في البنيات التحتية، والأمن الغذائي والأسمدة، وتكوين الأطر الإفريقية، والطاقات المتجددة، وتدبير المياه.
الصحراء.. القرار 2797 في صلب خطاب المغرب
وبمجرد انتقاله إلى شمال إفريقيا، وضع بوريطة ملف الصحراء في واجهة المداخلة، معتبرًا أن القضية دخلت «منعطفًا تاريخيًا» بعد اعتماد مجلس الأمن القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025.
وقدّم الوزير قراءة المغرب لهذا القرار من خلال ست رسائل صاغها بلغة «لا»: لا حل خارج الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؛ لا مسار خارج التفاوض في إطار الأمم المتحدة وعلى أساس مبادرة الحكم الذاتي؛ لا تجاهل لمسؤوليات الأطراف الأربعة؛ لا استمرار للوضع القائم؛ لا مصداقية، وفق تعبيره، لمن ينتهك وقف إطلاق النار ويرفض قرارات مجلس الأمن؛ ولا قبول باستمرار وضع سكان مخيمات تندوف كما وصفه الخطاب.
ومن الضروري، عند نقل هذه الفقرة صحفيًا بالدقة المطلوبة، التمييز بين قراءة بوريطة السياسية للقرار وبين العبارات القانونية الحرفية للقرار 2797.
فنص القرار نفسه يدعم إجراء المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، ويدعو الأطراف إلى المشاركة في النقاشات دون شروط مسبقة، ويقول إن «حكمًا ذاتيًا حقيقيًا» يمكن أن يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق، لكنه ينص كذلك على أن التسوية النهائية يجب أن تكون «مقبولة بصورة متبادلة» وأن تكفل تقرير المصير.
أي إن قول بوريطة «لا حل خارج الحكم الذاتي» يعبر عن القراءة التي قدمها المغرب للاتجاه السياسي الذي أحدثه القرار، بينما ظلت أطراف أخرى داخل الأمم المتحدة تقدم قراءات مخالفة لبعض دلالاته. وقد اعتُمد القرار بـ11 صوتًا، مع امتناع الصين وباكستان وروسيا، وعدم مشاركة الجزائر في التصويت.
وهذه الدقة ضرورية لأن القرار بالفعل جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا للمفاوضات، وهو تحول ذو وزن سياسي واضح، لكنه أبقى أيضًا على صيغة الحل النهائي المقبول من الأطراف وعلى الإشارة إلى تقرير المصير.
الأقاليم الجنوبية والانتخابات في قلب الحجة المغربية
ولم يحصر بوريطة حديثه عن الصحراء في المسار الأممي؛ إذ ربطه بما وصفه بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم الجنوبية، مستعرضًا مجالات البنية التحتية والتعليم الجامعي والصحة والمطارات.
كما توقف عند الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في اليوم الموالي للمداخلة، أي 23 شتنبر، معتبرًا أن مشاركة سكان الأقاليم الجنوبية فيها ستعزز، وفق الموقف الذي قدمه، التمثيل الديمقراطي وتدبير الشؤون المحلية.
المغرب يريد العودة إلى مجلس الأمن
واختار بوريطة أن يختم المداخلة بإعلان ذي دلالة دبلوماسية: ترشيح المملكة المغربية لعضوية غير دائمة في مجلس الأمن للفترة 2028-2029.
وقدّم الوزير هذا الترشيح باعتباره امتدادًا لما وصفه بالتزام المغرب بالسلم والأمن الدوليين، واحترام السيادة الوطنية والوحدة الترابية، والدبلوماسية متعددة الأطراف.
وربط الترشيح بثلاث ركائز للأمم المتحدة قال إن المغرب يريد مواصلة الإسهام فيها: السلم، والتنمية، وسيادة القانون.
خطاب واحد ورسائل متعددة
بهذه المداخلة، رسم المغرب أمام الجمعية العامة خريطة متكاملة لأولوياته الخارجية: عالم متعدد الأطراف يحتاج، من وجهة نظره، إلى مؤسسات أكثر قدرة على الفعل؛ مواجهة أشد للجماعات المسلحة ومموليها؛ انتقال مناخي تظل المياه أحد محاوره المركزية؛ دعم قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية مع مساهمة ميدانية في غزة؛ إفريقيا تتحول من موضوع للمساعدة إلى شريك في إنتاج الحلول؛ وملف الصحراء يدخل، في القراءة المغربية، مرحلة تفاوضية جديدة جعل فيها القرار 2797 مبادرة الحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات.
أما الرسالة الأخيرة، فقد جاءت من موقع المؤسسة التي أُلقي أمامها الخطاب نفسه: المغرب لا يريد فقط عرض مواقفه أمام مجلس الأمن، بل أعلن أنه يسعى إلى الجلوس داخله من جديد خلال الفترة 2028-2029، في لحظة دولية تبدو فيها ملفات الحرب والسلام والسيادة والمناخ أكثر تشابكًا من أي وقت مضى.
رئيسية 








الرئيسية




