حين تضيء الشاشات وتنطفئ لغة القلوب داخل البيت
★ العلم الإلكترونية - بوشعيب حمراوي ★
لم يمتْ أحدٌ في هذا البيت،
لكنّ الحياةَ غادرته...
لم يرحلْ أبٌ،
ولم تختفِ أمٌّ،
ولم يُغادرِ الأطفالُ غرفَهم...
كلُّهم هنا،
وكلُّهم هناك،
ولا أحدَ هنا!
ولا أحدَ هناك!
أشباحٌ من لحمٍ ودم،
تتحرّكُ بأصابعَ مضيئة،
وتتحدّثُ إلى وجوهٍ بعيدة،
وتنسى الوجوهَ التي تُشاركُها
الخبزَ والمصير.
هنا، في هذا البيتِ،
لا نحتاجُ إلى أشباحٍ
تأتي من المقابر...
لقد صنعنا أشباحَنا بأيدينا،
وأسكنّاها هواتفَنا،
ثم أسكنّا الهواتفَ قلوبَنا!
◆ ذاكرةُ بيتٍ لم يمت
كان للبيتِ قلبٌ،
وكان للقلبِ بابٌ،
وكان للبابِ زوّار.
كانت أُمّي تُوقظُ الفجرَ،
وكان أبي يُؤنسُ الليلَ،
وكانت جدّتي
تغزلُ من الصمتِ حكايات.
وكانت مائدتُنا
أوسعَ من خبزِها،
وأغنى من طعامِها.
نقتسمُ اللقمةَ والضحكة،
ونختلفُ ثم نتصالح،
ونبكي ثم نتعانق.
لم تكن لنا شاشاتٌ،
لكنْ كانت لنا وجوه.
ولم تكن لنا شبكاتٌ،
لكنْ كانت لنا روابط.
ولم نكن نملكُ العالم،
لكنّنا كُنّا نملكُ بعضَنا.
◆ حينَ دخلَ الغريب
دخلَ الغريبُ بيوتَنا،
لم يطرقْ بابًا،
ولم يُلقِ سلامًا.
تسلّلَ إلى جيوبِنا،
واستقرَّ فوقَ وسائدِنا،
واحتلَّ رؤوسَ موائدِنا.
أعطيناهُ بعضَ وقتِنا،
فاستولى على أعمارِنا.
فتحنا لهُ النوافذَ،
فأغلقَ أبوابَ القلوب.
أهديناهُ أصابعَنا،
فاستعارَ عيونَنا،
ثم اختطفَ أحلامَنا.
ومن يومِها
صارَ البيتُ جزيرة،
وصارَ لكلِّ غرفةٍ منفى،
ولكلِّ ساكنٍ وطنٌ
خلفَ الزجاج.
◆ مائدةٌ بلا وجوه
ها نحنُ حولَ المائدة،
لكنّ الكراسيَ وحدَها
تتبادلُ النظرات.
الخبزُ ينتظرُ الأيادي،
والشايُ يفقدُ حرارتَه،
والأحاديثُ تموتُ
قبلَ الولادة.
أبي يُطاردُ الأخبار،
وأمّي تُلاحقُ الصور،
وأخي يُحصي المتابعين،
وأختي تُطاردُ الإعجابات.
وأنا أسألُ المائدة:
أينَ الذينَ جلسوا هنا؟
أينَ ضحكاتُ الأمس؟
أينَ عتابُ الأحبّة؟
فتجيبُني الكراسي:
لقد خرجوا جميعًا،
دونَ أن يُغادروا المكان!
◆ طفلٌ يتيمُ الحضور
في زاويةِ البيتِ
طفلٌ صغير،
يحملُ هاتفًا كبيرًا،
أكبرَ من كفَّيه،
وأثقلَ من أحلامِه.
لم يتعلّمْ كتابةَ اسمِه،
لكنّهُ يحفظُ كلماتِ المرور.
لم يُتقنْ رسمَ شجرة،
لكنّهُ يعبرُ غاباتِ الألعاب.
لم يقرأْ كتابًا،
لكنّهُ يحفظُ وجوهَ المؤثرين.
ينادي:
أُمّي...
فتجيبهُ نغمةُ إشعار.
ينادي:
أبي...
فيرتدُّ صوتُهُ
من جدارِ الصمت.
يعودُ إلى لعبتِه،
تمنحُهُ نجمةً،
وتُهديه انتصارًا،
وتُصفّقُ لهُ آلة.
فينسى للحظةٍ
أنّهُ ينتظرُ حضنًا.
أيُّها الأبُ الحاضرُ الغائب،
أيّتُها الأمُّ القريبةُ البعيدة...
ليس اليتيمُ دائمًا
مَن ماتَ أبواه.
قد يكونُ اليتيمُ
طفلًا ينامُ بينهما،
ولا يجدُ قلبًا
يُصغي إلى قلبِه.
◆ جيلٌ تلدُه الشاشات
هؤلاءِ أطفالُنا،
وُلدوا في زمنِ الضوء،
وكبروا في ظلالِ الزجاج.
أصابعُهم أسرعُ من أقلامِهم،
وأعينُهم أرهقُ من أعمارِهم.
يُسابقونَ الصورَ،
ويُطاردونَ الأصوات،
ويُخاصمونَ الانتظار.
كلُّ شيءٍ سريع،
إلّا نموَّ الحنان.
كلُّ شيءٍ قريب،
إلّا قلوبَ الأحبّة.
تسرقُ الألعابُ نومَهم،
وتُبعثرُ المقاطعُ انتباهَهم،
ويصيرُ الكتابُ غريبًا،
والحوارُ ثقيلًا،
والصمتُ سجنًا.
وحينَ نسألُ عن أحلامِهم،
تُجيبُنا الشاشاتُ
قبلَ أن يتكلّموا.
◆ مراهقٌ يبيعُ ظلَّه
هناكَ خلفَ الزجاجِ
فتًى يُفتّشُ عن نفسِه.
يُحصي مَن أحبُّوا صورتَه،
وينسى مَن أحبُّوا روحَه.
كلّما زادَ المتابعون،
ازدادَ شعورُهُ بالوحدة.
وكلّما ارتفعتْ إعجاباتُه،
انخفضَ صوتُهُ الحقيقي.
يحلمُ بشهرةٍ نادرة،
ويخشى نظرةً عابرة.
يُقارنُ وجهَهُ بالوجوه،
وحياتَهُ بالصور،
وفقرَهُ ببذخِ الغرباء.
ولا يعرفُ المسكينُ
أنّ وراءَ كلِّ صورةٍ
حياةً لا تُصوَّر،
وأنّ بعضَ الابتساماتِ
أقنعةٌ لدموعٍ خفيّة.
◆ ذئابٌ وراءَ الأقنعة
وفي الغابةِ الرقمية
ذئابٌ لا تعوي،
وأنيابٌ لا تظهر.
تأتي بأسماءٍ جميلة،
وصورٍ بريئة،
وكلماتٍ من عسل.
تقتربُ من الوحدة،
وتستدرجُ البراءة،
وتساومُ على الأسرار.
هناكَ مَن يبيعُ الكراهية،
ومَن يُزيّنُ العنف،
ومَن يزرعُ الشائعات،
ومَن يبتزُّ الخائفين.
وهناكَ مَن يسرقُ العقول،
ويُسمّمُ الأحلام،
ويُعلّمُ الصغارَ
كيفَ يكرهونَ الحياة.
والأبوابُ مفتوحة،
والحراسُ نائمون،
والأهلُ مشغولون
بأخبارِ الغرباء!
◆ آباءٌ في المنفى
ليس الأطفالُ وحدَهم
أسرى هذا الزمان.
أبي أيضًا أسير،
وأمّي أيضًا أسيرة.
أبي يعرفُ أخبارَ العالم،
ويجهلُ حزنَ ابنِه.
وأمّي تُرسلُ ورودًا إلكترونية،
وتنسى وردةً حقيقية
تذبلُ في صدرِ ابنتِها.
أبي يُجادلُ الغرباء،
وأمّي تُقارنُ حياتَها
بحياةِ النساءِ في الصور.
وتكبرُ بينهما مسافة،
لا تُقاسُ بالأمتار.
ويصيرُ الفراشُ الواحدُ
سريرَين من غربة.
وتدخلُ الغيرةُ من نافذة،
ويخرجُ الوفاءُ من أخرى.
كم من بيتٍ تشقّق،
دونَ زلزال!
وكم من قلبٍ انكسر،
دونَ أن يسمعَ أحدٌ
صوتَ انكسارِه!
◆ حينَ تُربّي الآلة
لم تعُدِ الأمُّ وحدَها
تُعلّمُ الطفلَ الكلام.
ولم يعُدِ الأبُ وحدَهُ
يُرشدهُ إلى الطريق.
صارَ للمؤثرينَ منابر،
وللخوارزمياتِ مدارس،
وللتفاهةِ تلاميذ،
وللأوهامِ أنصار.
يُلقّنُ الغريبُ أبناءَنا
لغةً لا نعرفُها،
وقيمًا لم نزرعْها،
وأحلامًا لم نخترْها.
نُطعمُ أطفالَنا الخبز،
ويُطعمُهم الغرباءُ الأفكار.
نشتري لهم الهواتف،
ثم نسألُ بدهشة:
مَن غيّرَ أبناءَنا؟
ونسينا أنّنا
سلّمنا مفاتيحَ عقولِهم
لمن لا نعرفُ أسماءَهم!
◆ مدرسةٌ تبحثُ عن جرسِها
يا مدرسةَ الأجيال،
لا تكتفي بتعليمِ الحروف.
علّمي الطفلَ كيفَ يسأل،
وكيفَ يشكُّ في الصورة،
وكيفَ يكشفُ الخديعة.
علّميه أنّ الحريةَ
ليستْ فوضى،
وأنّ المعرفةَ
ليستْ إشاعة،
وأنّ الضوء قد يخدع،
وأنّ الظلَّ قد يكشف.
يا إعلامَ هذا العصر،
لا تجعلِ التفاهةَ تاجًا،
ولا تجعلِ العنفَ فرجة.
لا ترفعْ أهلَ الضجيج،
وتدفنْ أهلَ الحكمة.
فالطفلُ الذي تُفسدُهُ اليوم،
قد يحكمُ عالمَكَ غدًا.
◆ أمّيةٌ ترتدي الذكاء
كم من يدٍ
تُتقنُ لمسَ الشاشة،
وتعجزُ عن لمسِ الحقيقة!
وكم من عقلٍ
يحفظُ أسماءَ التطبيقات،
ويجهلُ أبوابَ المعرفة!
ليستِ الأمّيةُ دائمًا
جهلَ القراءةِ والكتابة.
قد يحملُ الإنسانُ هاتفًا ذكيًا،
ويُسلّمُ عقلَهُ للشائعات.
قد يعبرُ بحارَ الإنترنت،
ويغرقُ في قطرةِ وهم.
قد يعرفُ العالمَ بأكملِه،
ولا يعرفُ نفسَه.
يا أهلَ الفكرِ والتربية،
يا حُرّاسَ الوعيِ والضمير...
لا تتركوا الجيلَ وحيدًا
في غابةٍ بلا دليل.
◆ ليستِ الشاشةُ عدوًّا
لا تكسروا الشاشات،
ولا تُطفئوا نورَ المعرفة.
ففيها علمٌ وبحث،
وفيها جسرٌ للغائبين،
وفيها أبوابٌ للمستقبل.
لكنْ لا تجعلوا الجسرَ
يبتلعُ الضفّتَين.
ولا تجعلوا النافذةَ
تهدمُ جدرانَ البيت.
ولا تجعلوا الآلةَ
تجلسُ مكانَ الإنسان.
خذوا من الضوءِ نورَه،
واتركوا للقلوبِ دفءَها.
فالخطرُ ليسَ في الشاشة،
بل في يدٍ تستسلم،
وعقلٍ يتنازل،
وقلبٍ ينسى.
◆ العدالةُ تبدأُ من البيت
هناكَ طفلٌ
يملكُ أحدثَ الأجهزة،
ولا يملكُ حنانًا.
وهناكَ طفلٌ
يبحثُ عن كتاب،
ولا يجدُ ثمنَه.
هناكَ بيوتٌ
تفيضُ بالشاشات،
وتجفُّ من المحبّة.
وبيوتٌ أخرى
تُصارعُ الفقرَ والحرمان،
وتنتظرُ حقَّها
في العلمِ والأمان.
فلا تتركوا الأسرَ
بينَ فقرين:
فقرِ الخبز،
وفقرِ العاطفة.
ولا تتركوا الطفولةَ
بينَ حرمانين:
حرمانِ المعرفة،
وحرمانِ الحنان.
فليسَ مستقبلُ الطفلِ
شاشةً مضيئةً فقط،
بل بيتٌ يحميه،
ومدرسةٌ تُنصفُه،
ومجتمعٌ يحتضنُه.
◆ ثورةٌ بلا ضجيج
تعالوا نُعلنُ ثورتَنا...
لا نحتاجُ إلى سلاح،
ولا إلى متاريس،
ولا إلى شعارات.
نحتاجُ إلى ساعةٍ
بلا هواتف.
إلى مائدةٍ
تعودُ إليها الوجوه.
إلى أمٍّ تُصغي،
وأبٍ يُعانق،
وطفلٍ يضحكُ
دونَ شاشة.
إلى جدّةٍ تحكي،
وجدٍّ يتذكّر،
وكتابٍ يُفتح،
وحوارٍ لا ينتهي.
نحتاجُ إلى قلوبٍ
تستعيدُ أسماءَ أصحابِها.
وإلى عيونٍ
تتعلّمُ النظرَ من جديد.
◆ آخرُ الأشباح
أيُّها الساكنونَ في البيت،
عودوا إلى البيت!
عودوا من المنافي الرقمية،
من جزرِ الصمت،
من غاباتِ الصور،
من مقابرِ الوقت.
لا تنتظروا موتَ أحد،
كي تتذكّروا وجهَه.
ولا تنتظروا رحيلَ طفل،
كي تبحثوا عن طفولتِه.
ولا تنتظروا شيخوخةَ أم،
كي تشتاقوا إلى صوتِها.
ولا تنتظروا غيابَ أب،
كي تكتشفوا حضورَه.
فالعمرُ لا يعود،
والوجوهُ لا تُعوَّض،
والحنانُ لا يُحمَّل
من متجرِ التطبيقات.
◆ حينَ يعودُ الإنسان
ها أنا أطفئُ هاتفي،
وأرفعُ رأسي...
أرى وجهَ أمّي،
وتعبَ أبي،
وحيرةَ أخي،
وابتسامةَ أختي.
أسمعُ طفلًا ينادي،
فأمدُّ إليه يدي.
يبتسمُ البيت،
وتتنفّسُ الجدران،
وتعودُ الكراسي
إلى أحاديثِها القديمة.
تنسحبُ الأشباحُ
من زوايا الغرف.
ويُشرقُ في المائدةِ
وجهُ الحياة.
عندها أفهمُ أخيرًا...
لم تكنِ الأشباحُ
تسكنُ هواتفَنا وحدَها.
كانتْ تسكنُ غفلتَنا،
وتعيشُ من صمتِنا،
وتكبرُ كلّما ابتعدنا.
وها نحنُ نعودُ...
لا لنطردَ التكنولوجيا،
بل لنُنقذَ الإنسان.
فما قيمةُ العالمِ
إذا خسرنا البيت؟
وما قيمةُ الاتصالِ
إذا انقطعَ الحنان؟
وما قيمةُ الضوءِ
إذا انطفأتِ القلوب؟
وما أقسى أن نحيا معًا...
ثم نموتَ فرادى،
ونحنُ ما زلنا أحياء!
رئيسية 








الرئيسية



