2026 يوليو/جويلية 17 - تم تعديله في [التاريخ]

بيغاسوس يعود في ساعة التقارب المغربي الفرنسي: ورقة قديمة رخيصة يراد منها الضغط والابتزاز والعرقلة

يستعرض هذا المقال عودة ملف "بيغاسوس" إلى واجهة النقاش بالتزامن مع مرحلة جديدة من التقارب المغربي الفرنسي، متناولًا أبعاد هذا التوقيت ودلالاته السياسية والإعلامية. كما يناقش المقال حدود العلاقة بين الاتهامات الإعلامية والمسار القضائي، ويطرح تساؤلات حول تأثير إعادة إحياء هذا الملف على مسار الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وباريس، في إطار قراءة تحليلية.


عندما تعجز الاتهامات عن دخول قاعات المحاكم، تبقى حبيسة جرائد مأجورة


*العلم الإلكترونية: بوشعيب حمراوي*

هناك ملفات تولد من وقائع ثابتة، فتسلك طريقها الطبيعي نحو التحقيق والقضاء، وتُعرض أدلتها أمام المحاكم، ويُستمع فيها إلى المشتكين والمتهمين والخبراء، ثم تنتهي إلى أحكام تحدد المسؤوليات وتحفظ الحقوق. وهناك، في المقابل، ملفات تبدو وكأنها صُنعت لتعيش داخل العناوين الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعية. تتنقل بين المنابر الورقية والرقمية، وتُعاد صياغتها عند الطلب كلما تغير السياق السياسي، ثم تختفي حين يُطلب منها أن تقدم ما يكفي من الأدلة والقرائن للانتقال من فضاء الاتهام إلى ساحة القضاء.

ملف «بيغاسوس» الذي أُثير سنة 2021 ضد المغرب ينتمي، إلى حدود ما ظهر للرأي العام، إلى هذا الصنف الثاني. فقد صاحبت إطلاقه حملة إعلامية دولية ضخمة، واستُعملت في تسويقه عناوين ثقيلة، وأسماء مسؤولين كبار، وتعبيرات توحي بأن جريمة كاملة الأركان قد ثبتت وانتهى الأمر. غير أن السنوات مرت، ولم نر أي تدخل قضائي. لاحكمًا قضائيًا نهائيًا يدين المغرب، ولم نشهد مسارًا قضائيًا يقوده من سوقوا الاتهامات إعلاميًا بالزخم نفسه الذي قادوا به حملتهم الصحفية، كما لم يظهر الضحايا المفترضون في معركة قضائية واضحة ومباشرة ضد الدولة المغربية.

بقي الملف حبيس الإعلام الموجه، الورقي والرقمي، وانتقل بعد ذلك إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تكفلت حسابات مأجورة بإعادة تدويره، وتضخيمه، وتقديمه للرأي العام باعتباره حقيقة نهائية، رغم أنه ظل في جوهره اتهامًا لم يتحول إلى إدانة قضائية. أما الطرف الذي طرق باب القضاء دفاعًا عن نفسه، فلم يكن أصحاب الادعاءات أو الضحايا المفترضون، بل المغرب، الذي واجه بعض الجهات الناشرة داخل المؤسسات القضائية، رافضًا أن تتحول سمعته وسيادته إلى مادة مباحة للمحاكمات الإعلامية.

واليوم، بعد نحو خمس سنوات من التراجع والصمت، يعود الملف ذاته، بالاتهامات نفسها تقريبًا، وبالمنابر نفسها أو بمنابر تدور في الفلك نفسه، وفي توقيت يصعب وصفه بالعادي أو المحايد. فقد طفت الرواية مجددًا في اللحظة التي كان فيها المغرب وفرنسا يعقدان لقاءً حكوميًا عالي المستوى، ويوقعان اتفاقيات تعاون، ويهيئان لمرحلة جديدة ينتظر أن تتوج بلقاء بين قائدي البلدين وباتفاقية تاريخية  ستكون غير مسبوقة في علاقة فرنسا بدولة من خارج الاتحاد الأوروبي.

من هنا لا يعود السؤال مقتصرًا على مضمون «بيغاسوس»، بل يمتد إلى توقيت إحيائه، والجهات المستفيدة منه، ودور الدولة الفرنسية، وحدود استقلالية بعض المنابر التي تتحرك مجتمعة وفي التوقيت نفسه وبالرواية نفسها. فهل نحن أمام بحث صادق عن الحقيقة، أم أمام محاولة لزرع الشك داخل شراكة استراتيجية ناشئة؟ وهل يراد من الملف الضغط على المغرب قبل محطة الاتفاق التاريخي، ودفعه إلى قبول صيغة لا تضمن مصالحه ولا تليق بمكانته وشعبه؟ ومن يمسك، إن وُجد، بجهاز التحكم عن بعد في خيوط هذه الحملة؟

ملف سنة 2021... ضجيج عالمي بلا خاتمة قضائية

حين انفجر ملف «بيغاسوس» سنة 2021، لم يكن ما نُشر مجرد ملاحظات صحفية عابرة، بل اتهامات شديدة الخطورة، قيل فيها إن المغرب استخدم برنامجًا للتجسس على مسؤولين وصحفيين وشخصيات سياسية فرنسية ودولية. واستُحضرت أسماء ثقيلة لمنح الرواية قوة وتأثيرًا، حتى خُيل للرأي العام أن الإدانة أصبحت حقيقة وأن القضاء لن يحتاج إلا إلى تثبيتها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا بقي من تلك العاصفة بعد مرور كل هذه السنوات؟
أين الأحكام القضائية التي أدانت المغرب؟ أين القرارات التي أثبتت أن مؤسسات مغربية اقتنت البرنامج واستعملته ضد الأشخاص المذكورين؟ أين الخبرات التقنية التي نوقشت أمام محكمة مستقلة، وحضرها دفاع الأطراف، وأصبحت أساسًا لحكم نهائي؟ وأين المشتكون الذين قدموا ملفاتهم القضائية ضد المغرب وطالبوا بمساءلته رسميًا؟
إن خطورة الاتهام لا تعفي صاحبه من عبء الإثبات، بل تزيده ثقلًا. وكلما كان الادعاء أخطر، كان واجب تقديم الدليل أقوى. فلا يكفي أن يظهر رقم هاتف في لائحة، أو أن يُقال إن جهازًا تعرض لمحاولة اختراق، حتى تُحدد الجهة المسؤولة عنه سياسيًا وقضائيًا. هناك فارق جوهري بين وجود رقم ضمن قاعدة بيانات، وبين محاولة استهداف الهاتف، وبين اختراقه فعليًا، وبين إثبات هوية الجهة التي أمرت بالعملية ونفذتها.
هذه المراحل لا يجوز اختصارها في عنوان واحد من قبيل: «المغرب تجسس». فالانتقال من الشبهة التقنية إلى الإدانة القانونية يحتاج إلى أدلة قابلة للفحص والمحاججة، لا إلى تكرار الرواية ذاتها عبر عشرات المنابر. إن تعدد الصحف التي تنشر الاتهام لا يعني بالضرورة تعدد مصادره؛ فقد تنقل جميعها المصدر نفسه أو تعتمد الوثيقة نفسها أو الشهادة المجهولة ذاتها، فيبدو التكاثر الإعلامي كأنه تعدد في الأدلة، بينما هو مجرد صدى لرواية واحدة. وقد يكون الاختلاف فقط في القدر المالي الذي قبض كل منبر مقابل نشر الوهم .

من روّجوا الملف لم يطرقوا باب القضاء... والمغرب هو من فعل

المفارقة المركزية في هذا الملف أن الذين قدموا أنفسهم باعتبارهم مكتشفي «فضيحة دولية» لم يحولوا ادعاءاتهم، بالوضوح والقوة نفسيهما، إلى ملفات قضائية تحسم في صحة ما نشروه. والضحايا الذين قُدمت أسماؤهم إلى الرأي العام لم يظهروا، في صورة معركة قضائية جماعية ومباشرة ضد المغرب، بما يوازي الضجيج الإعلامي الذي رافق القضية.
ظل الملف يتجول بين صفحات الجرائد، والمواقع الإلكترونية، والبرامج التلفزيونية، ومنشورات شبكات التواصل الاجتماعي. وكانت كل إعادة نشر تمنحه عمرًا جديدًا، دون أن تضيف بالضرورة دليلًا قانونيًا جديدًا أو قرينة حاسمة. ثم تولت حسابات منظمة وصفحات موجهة وحملات رقمية متزامنة تحويل الادعاء إلى ما يشبه الحقيقة المسلّم بها، لا عن طريق البرهان، بل عن طريق التكرار والكثافة والضغط النفسي على المتلقي.
أما المغرب، الذي وُضع في قفص الاتهام إعلاميًا، فلم يهرب من المواجهة، بل لجأ إلى القضاء دفاعًا عن سمعته ومؤسساته. وهذه ليست نقطة هامشية، بل معطى أساسي في تقييم الملف. فالدولة التي تملك يقينًا ببراءتها لا ينبغي أن تُطالب بالصمت أمام حملة تمس سيادتها، ومن حقها أن تطالب ناشري الاتهامات بتقديم ما لديهم أمام القضاء.

قد تختلف التقييمات بشأن المسارات القضائية ومآلاتها وإجراءاتها، لكن الثابت سياسيًا هو أن المغرب لم يكتف بإصدار بيانات النفي، بل اختار ساحة المؤسسات. وفي المقابل، بقي مركز الثقل لدى الطرف الآخر داخل الإعلام. وهو ما يطرح السؤال الصريح: لماذا لم تُنقل المعركة إلى المكان الوحيد القادر على الفصل بين الاتهام والحقيقة، أي المحكمة؟

إذا كان الضحايا مسؤولين كبارًا... فأين شكاياتهم المباشرة؟

لقد ذكرت الحملة الإعلامية أسماء مسؤولين فرنسيين كبار، وقيل إن هواتفهم كانت مستهدفة أو مدرجة ضمن لوائح مرتبطة بالبرنامج. وإذا كان الأمر ثابتًا على هذا المستوى من الخطورة، فإن المتوقع أن يسارع هؤلاء إلى تقديم شكايات مباشرة، والمطالبة بتحقيق قضائي عميق، وتتبع الجهة التي قامت بالفعل، ومساءلة كل من شارك أو أمر أو استفاد.

لكن الرأي العام المغربي والدولي لم يتلق، خلال السنوات الماضية، صورة قضائية واضحة توازي ما قدمته الصحافة. لم نر سلسلة أحكام تحدد أن المغرب مسؤول، ولم نر أدلة منشورة خضعت للخبرة القضائية وانتهت إلى إدانة رسمية. وبقيت الأسماء تُستعمل داخل المقالات باعتبارها «ضحايا مفترضين»، دون أن يتحول وصفها الإعلامي إلى حقيقة قضائية نهائية.

وهنا ينبغي التشديد على أمر بالغ الأهمية: ليس كل من ورد رقمه في قائمة ضحية لاختراق ناجح، وليس كل اختراق نُسب تقنيًا إلى برنامج معين دليلًا مباشرًا على هوية الدولة التي شغلته، وليس كل استنتاج صحفي حكمًا قضائيًا. إن العدالة لا تعمل بالاحتمال ولا بالتراكم الإعلامي، بل بالأدلة، وسلامة الإجراءات، وحق الدفاع، واستقلال الخبرة.
إذا كانت لدى الأطراف المعنية أدلة قاطعة، فمكانها المحاكم. وإذا لم تكن لديها أدلة تسمح بفتح ملف قضائي متماسك، فبأي حق تُقدم الاتهامات إلى الناس بصيغة اليقين؟

بعد خمس سنوات من الصمت... لماذا عاد «بيغاسوس» الآن؟

ليست المشكلة في عودة التحقيقات إلى ملف قديم إذا ظهرت فعلًا عناصر جديدة وقابلة للتحقق. فالصحافة من حقها أن تستكمل البحث، والقضاء من واجبه أن يعيد فتح القضايا متى ظهرت أدلة جديدة. لكن الذي يثير الريبة هو أن تعود الاتهامات نفسها، في اللحظة السياسية نفسها التي تشهد تحولًا كبيرًا في العلاقات المغربية الفرنسية.

فالرباط وباريس تجاوزتا مرحلة من التوتر والفتور، ودخلتا مسارًا جديدًا يقوم على إعادة بناء الثقة، وتطوير التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني والطاقي، والتحضير لشراكة استراتيجية أوسع. وقد جاء اللقاء الحكومي بين البلدين محملًا برسائل قوية، واتفاقيات متعددة، وآفاق تعاون يفترض أن تمتد إلى سنوات طويلة.
وفي الوقت نفسه، يجري التحضير للقاء رفيع المستوى بين قائدي البلدين، وعن اتفاقية تاريخية لم يسبق لفرنسا أن وقعتها بالصيغة نفسها مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح كل ورقة ضغط ذات قيمة، ويصبح كل ملف قابل للتوظيف جزءًا من صراع المصالح والتفاوض.

فهل اختير توقيت إعادة إحياء «بيغاسوس» لمحاولة إرباك هذا المسار؟ وهل يراد وضع المغرب تحت ضغط معنوي وإعلامي قبل الاتفاق النهائي، حتى يدخل المفاوضات وهو في موقف دفاعي؟ وهل الهدف دفعه إلى تقديم تنازلات، أو قبول اتفاقية لا تعكس توازن المصالح ولا تحفظ كرامة المغرب ومصالح شعبه؟

إنها فرضيات وليست أحكامًا، لكنها فرضيات مشروعة يبررها التوقيت، خصوصًا عندما تظهر المنابر الفرنسية نفسها تقريبًا في اللحظة نفسها، وتكرر المضامين ذاتها، وتستحضر الروايات القديمة بالأسلوب نفسه، دون أن تقدم للرأي العام أدلة قضائية تقلب جوهر القضية.

هل تتحمل الحكومة الفرنسية مسؤولية الصمت والغموض؟

من حق المغاربة أن يوجهوا أصابع المساءلة السياسية إلى الحكومة الفرنسية وإلى نظامها ومؤسساتها، لا على أساس اتهام قطعي بالوقوف خلف الحملة، بل لأن فرنسا ظلت طوال سنوات في موقع غامض لا ينسجم مع حجم الادعاءات التي قيل إنها مست مسؤولين كبارًا داخل دولتها.
إذا كانت السلطات الفرنسية تعتقد أن مسؤوليها تعرضوا للتجسس، فلماذا لم تقدم للرأي العام، طوال خمس سنوات، نتائج تحقيق رسمي واضح ومتكامل؟ أين هو البحث العميق الذي يحدد من كان يمسك فعليًا بجهاز التحكم، ومن كان يدير الخوادم، ومن أصدر أوامر الاستهداف، ومن نفذها؟ وأين هي الخلاصات التقنية والقضائية التي تزيل الشك وتحدد المسؤوليات بدل إبقاء القضية في منطقة الرماد؟
فرنسا ليست دولة محدودة الإمكانات التقنية أو الاستخباراتية. إنها قوة تمتلك أجهزة متخصصة في الأمن السيبراني، وخبراء ومؤسسات قضائية واستخباراتية قادرة، من حيث المبدأ، على تتبع مثل هذه العمليات المعقدة. ولذلك فإن عدم تقديم جواب نهائي بعد كل هذه السنوات يفتح الباب أمام احتمالات متعددة: هل عجزت المؤسسات الفرنسية عن تحديد المسؤول؟ هل لم تجد الأدلة الكافية لاتهام المغرب قضائيًا؟ هل فضلت إبقاء الملف معلقًا؟ أم أن هناك داخل الدولة أو خارجها من وجد في استمرار الغموض ورقة قابلة للاستعمال في الضغط السياسي والدبلوماسي؟
هذه الأسئلة لا يمكن إسكاتها بوصفها «نظرية مؤامرة»، لأن الغموض الرسمي هو الذي ينتجها. فلو كشفت فرنسا نتائج بحثها بوضوح، وقدمت الأدلة أمام القضاء، لانتهى الجدل. أما أن تصمت المؤسسات، وتترك بعض المنابر داخلها تعود كل بضع سنوات بالقصة نفسها، فإن ذلك يجعل الحكومة الفرنسية مسؤولة سياسيًا عن استمرار الشك، سواء كانت طرفًا في الحملة أم مجرد متفرج يسمح باستعمالها.

فرضية الضغط والابتزاز... هل يراد اتفاق على حساب مصالح المغرب؟

يحق للمغرب، وهو يتفاوض على شراكة جديدة مع فرنسا، أن يدخل هذه المرحلة مرفوع الرأس، مدافعًا عن مصالحه وحقوق شعبه، لا تحت سيف ملف إعلامي قديم يُستدعى كلما اقترب موعد سياسي كبير.
وإذا كانت هناك محاولة لاستعمال «بيغاسوس» كوسيلة ضغط من أجل التأثير في موقف المغرب داخل المفاوضات، أو دفعه نحو اتفاقية غير متوازنة، فإن ذلك سيكون سلوكًا مرفوضًا لا يليق بعلاقة يقال إنها تدخل مرحلة استراتيجية جديدة. فالشراكات الحقيقية لا تُبنى بالابتزاز، ولا تُصاغ تحت تهديد الحملات الإعلامية، ولا تُفرض على الدول من خلال تشويه سمعتها في اللحظة التي تتفاوض فيها على مصالحها.
المغرب لم يعد دولة تُدار من الخارج، ولا بلدًا يقبل اتفاقيات جاهزة لا تراعي سيادته ومصالحه. لقد أثبت خلال السنوات الماضية استقلالية قراره، وتنوع شراكاته، وقدرته على الدفاع عن قضاياه الوطنية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية. ولذلك فإن أي اتفاق مرتقب مع فرنسا ينبغي أن يكون اتفاقًا متكافئًا، يربح منه البلدان والشعبان، ويقوم على الاعتراف بالمصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
أما إذا كان أحدهم يعتقد أن إخراج ملف «بيغاسوس» من الأرشيف قبل موعد الاتفاق سيجعل المغرب أكثر ليونة أو استعدادًا للتنازل، فهو لا يعرف المغرب الجديد، ولا يدرك أن الضغط الإعلامي قد يدفع المغاربة إلى مزيد من التمسك ببلدهم ومؤسساتهم، لا إلى التخلي عن حقوقهم.

من يمسك بجهاز التحكم في هذه الحملة الرخيصة؟

حين تظهر منابر متعددة، في التوقيت نفسه تقريبًا، بالمضمون نفسه، وبالعناوين المتقاربة ذاتها، فمن الطبيعي أن يتساءل الرأي العام عن مصدر التنسيق. قد يكون الأمر نتيجة شراكة صحفية معلنة، وقد يكون سببه تبادل المواد والمصادر، لكن ذلك لا يلغي السؤال الأوسع: من يحدد لحظة النشر؟ ومن يرى أن هذا اليوم بالذات هو الأنسب لإعادة الملف؟ ومن يستفيد من تحويل اللقاء المغربي الفرنسي من حدث استراتيجي إلى مناسبة لإعادة نشر اتهامات عمرها خمس سنوات؟
إن تزامن النشر ليس وحده دليلًا على تدخل سياسي، لكنه قرينة تستحق التحليل، خصوصًا إذا كانت المادة الجديدة لا تقدم تحولًا قضائيًا حاسمًا. فعندما تطل المنابر علينا دفعة واحدة، بالروايات نفسها، واللغة نفسها، والتوصيفات ذاتها، يصبح من حقنا التساؤل عن الخيط الذي يجمع بينها.
ومن حقنا كذلك أن نسأل عن شبكات التواصل الاجتماعي التي تتحرك في إثر كل موجة نشر، وتعيد توزيع المحتوى بالأسلوب نفسه، وتهاجم كل من يطالب بالدليل، وتحوّل النقاش من البحث عن الحقيقة إلى حملة ضد المغرب. من يمول بعض هذه الحملات الرقمية؟ من يوجهها؟ ومن يملك مصلحة في تحويل كل إنجاز دبلوماسي مغربي إلى مناسبة للهجوم على المملكة؟
لسنا ملزمين بتقديم جواب لا نملك أدلته، لكننا لسنا ملزمين أيضًا بالتصرف بسذاجة، وكأن الحملات الإعلامية الكبرى تنفصل دائمًا عن المصالح والصراعات والنفوذ.

روايات «ألف ليلة وليلة» لا تفتح ملفًا قضائيًا

المشكلة في بعض ما يُنشر أنه يقدم سرديات مثيرة تصلح للأفلام، لكنها لا تقدم دائمًا ما يكفي لفتح مسار قضائي يؤدي إلى الإدانة. تظهر شخصيات بأسماء مستعارة، وشهادات منسوبة إلى موظفين سابقين، ووثائق لا يطلع الرأي العام على أصلها، وروايات عن اجتماعات واتصالات وأجهزة، ثم يُطلب من القارئ أن يقفز مباشرة إلى نتيجة واحدة: المغرب مذنب.

لكن القضاء لا يشتغل بمنطق القصص المثيرة. يسأل عن أصل الوثيقة، وسلامة سلسلة حيازتها، وهوية مصدرها، وإمكان التحقق المستقل منها، وعلاقتها المباشرة بالمتهم، والخبرة التي تثبت ذلك. ويسأل عن وجود عقد شراء، أو سجلات تشغيل، أو أوامر تقنية، أو تحويلات مالية، أو شهادات قابلة للمواجهة أمام المحكمة.

فأين هذه العناصر؟ ولماذا لا تقدم كاملة إلى القضاء؟ ولماذا تتكرر الروايات بينما تبقى القرائن الحاسمة غائبة عن النقاش العمومي؟
إن إخفاء هوية المصدر قد يكون مشروعًا صحفيًا لحمايته، لكنه لا يحول كلامه تلقائيًا إلى حقيقة قضائية. كما أن وصف شخص بأنه «موظف سابق» لا يمنع احتمال أن تكون لديه خصومة أو مصلحة أو دوافع شخصية أو سياسية. ولهذا توجد المحاكم: لتمحيص الشهادات، واختبار صدقيتها، ومواجهة الأطراف، لا لتلقي الروايات كأنها وحي منزل.

الإعلام الموجه والذباب الرقمي... صناعة الإدانة بالتكرار

لقد أصبح التكرار، في عصر المنصات الرقمية، بديلًا خطيرًا عن البرهان. يكفي أن يُنشر الادعاء في صحيفة، ثم تنقله مواقع عديدة، وتعيده حسابات مؤثرة وصفحات مجهولة، حتى يتحول في وعي جزء من الجمهور إلى حقيقة لا تحتاج إلى دليلز

وهكذا تُصنع المحاكمة الرقمية: عنوان مثير، وصورة لمسؤول كبير، وكلمات مثل «فضيحة» و«تجسس» و«اختراق»، ثم آلاف المنشورات والتعليقات التي تدين قبل أن تسأل. وبعد ذلك، يصبح كل من يطالب بالأدلة متهمًا بالدفاع الأعمى، وكل من يذكر قرينة البراءة عدوًا للصحافة.
ولا يمكن تجاهل احتمال وجود حسابات مأجورة أو شبكات ذات مصالح تتولى تضخيم الحملات المعادية للمغرب. غير أن النقد المسؤول يقتضي التمييز بين إثبات هذا التمويل وبين ملاحظة التنسيق والسلوك المتشابه. لذلك فالمطلوب ليس إطلاق اتهامات عشوائية مضادة، بل كشف الحملات المنظمة وتحليل مصادرها وأنماط انتشارها، حتى يعرف الرأي العام كيف تُصنع الروايات وكيف تتحول إلى ضغط سياسي.

الصحافة حق... لكنها ليست سلطة لإصدار الأحكام

الدفاع عن المغرب لا يعني المطالبة بإسكات الصحافة أو منع التحقيقات. فالصحافة الحرة ضرورية لكشف التجاوزات ومراقبة السلطة. لكن الحرية لا تعني الاستغناء عن التحقق، ولا تمنح الصحفي سلطة القضاء، ولا تسمح بتحويل الاشتباه إلى إدانة نهائيةز

الصحافة المهنية مطالبة بأن توضح للقارئ حدود ما توصلت إليه: هل الأمر يتعلق برقم ضمن قائمة؟ أم بمحاولة استهداف؟ أم باختراق مثبت؟ وهل عُرفت الجهة المنفذة بشكل قطعي؟ وهل صدر حكم قضائي؟ أم أن المسؤولية نُسبت بناء على تحليل ومصادر لم تُختبر بعد أمام القضاء؟
كما يتعين عليها أن تمنح الرد المغربي المساحة نفسها التي تمنحها للاتهام، وأن تتابع مآلات القضايا لا أن تكتفي بلحظة الإثارة الأولى. فليس عادلًا أن يوضع الاتهام في العنوان الرئيسي، بينما يوضع النفي في السطر الأخير. وليس مهنيًا أن تُنشر الشبهة على الصفحة الأولى، ثم يُتجاهل غياب الإدانة طوال سنوات.

من المستفيد من تسميم العلاقات المغربية الفرنسية؟

لا يمكن تحليل هذه الحملة بمعزل عن التحولات الجيوسياسية المحيطة بالمغرب. فالتقارب مع فرنسا لا يرضي جميع الأطراف. هناك جهات إقليمية ترى فيه خسارة لنفوذها، خصوصًا في ظل التطورات المرتبطة بموقف باريس من قضية الصحراء المغربية. وهناك تيارات داخل فرنسا لا تزال تنظر إلى المغرب بمنطق الوصاية القديمة، ولا تقبل أن تتعامل معه باريس بوصفه شريكًا مستقلًا ونديًا.

كما توجد مصالح اقتصادية وسياسية قد تتضرر من الاتفاقيات الجديدة، ومن انتقال المغرب إلى موقع استراتيجي متقدم في مجالات الطاقة والصناعة والأمن والتعاون الإفريقي. ولذلك فإن تسميم الأجواء قبل التوقيع على الاتفاقية التاريخية قد يخدم أكثر من طرف، وقد يكون الهدف منه رفع الكلفة السياسية للتقارب أو تعطيله أو تفريغه من مضمونه.

لكن المغرب وفرنسا مطالبان، إن كانا جادين في بناء شراكة جديدة، بألا يسمحا لملف غير محسوم قضائيًا بأن يتحول إلى لغم دائم. وعلى باريس أن تكون واضحة: إما أنها تملك أدلة رسمية فتقدمها عبر القنوات القانونية، وإما أن ترفض استعمال الاتهامات الإعلامية أداة ضغط على شريك تقول إنها تريد تأسيس علاقة استراتيجية معه.

الدفاع عن المغرب ليس تعصبًا... بل دفاع عن العدالة والسيادة

لسنا في حاجة إلى الادعاء بأن كل مؤسسة مغربية معصومة من الخطأ حتى ندافع عن بلدنا. الدولة القوية هي التي تقبل المساءلة وتخضع للقانون. لكننا نرفض أن تكون المساءلة انتقائية، وأن تُحاكم دولة كاملة بناء على حملات لا تصل إلى حكم قضائي.
الدفاع عن المغرب يعني المطالبة بالعدل نفسه الذي تطالب به فرنسا لمواطنيها. يعني التمسك بقرينة البراءة، ورفض الإدانة دون دليل، والمطالبة بالكشف عن الحقيقة كاملة، لا باختيار أجزاء منها لخدمة سردية سياسية.
كما يعني مطالبة الدولة المغربية بمواصلة الدفاع القانوني والدبلوماسي عن سمعتها، وعدم ترك الساحة مفتوحة أمام خصومها. فالصمت الطويل قد يُفهم ضعفًا، والبيان المقتضب لا يكفي أمام حملات دولية منظمة. المطلوب تواصل مؤسساتي قوي، وخطاب قانوني وتقني، وتفنيد دقيق، وحضور في الإعلام الدولي، حتى لا تصبح الرواية الوحيدة المتاحة هي رواية الخصوم.

إما القضاء والدليل... وإما الكف عن استعمال «بيغاسوس» سيفًا فوق رأس المغرب

إن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد عودة ملف صحفي قديم. نحن أمام اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة الجديدة التي تريد فرنسا والمغرب بناءها. فإذا كانت هذه العلاقة قائمة فعلًا على الندية والاحترام والثقة، فلا يجوز أن يبقى ملف «بيغاسوس» ورقة غامضة تُخرج من الأدراج كلما اقترب البلدان من محطة تاريخيةز

خمس سنوات مرت منذ إطلاق الاتهامات، ولم يظهر حكم قضائي نهائي يدين المغرب. خمس سنوات لم نر فيها الضحايا المفترضين يقودون معركة قضائية مباشرة بالحجم نفسه الذي قاد به الإعلام حملة الإدانة. وخمس سنوات لم تقدم خلالها الحكومة الفرنسية للرأي العام جوابًا واضحًا عن الجهة التي كانت، إن ثبت وقوع التجسس، تمسك بجهاز التحكم وتوجه العمليات.
ثم، ويا للمصادفة، يعود الملف في اللحظة نفسها التي يلتقي فيها المسؤولون المغاربة والفرنسيون، ويوقعون الاتفاقيات، ويهيئون لقمة واتفاق تاريخي جديد. فكيف يُطلب منا ألا نسأل؟ وكيف يُطلب من المغاربة أن يتجاهلوا احتمال الضغط والابتزاز، أو محاولة إضعاف موقف بلدهم التفاوضي، أو دفعه نحو اتفاقية لا تحفظ مصالحه كاملة؟
لا نتهم الحكومة الفرنسية بالوقوف خلف الحملة دون دليل، لكننا نحملها مسؤولية توضيح موقفها، وكشف نتائج تحقيقاتها، ومنع أي توظيف للملف ضد المغرب. كما نحمل المنابر الإعلامية مسؤولية تقديم أدلتها إلى القضاء بدل الاكتفاء بتدوير الروايات والعناوين.
المغرب ليس فوق المحاسبة، لكنه ليس أيضًا مباحًا للاتهام. ومن يملك دليلًا فليضعه أمام المحكمة، ومن يدعي أنه ضحية فليتقدم بشكايته، ومن يملك اسم الجهة التي شغلت البرنامج فليكشفها وفق القانون.
أما أن يبقى الملف خمس سنوات في صفحات الجرائد، ثم يعود في كل موعد دبلوماسي، وتتحرك خلفه المنصات والحسابات المنظمة، وتُستعاد روايات أقرب إلى حكايات «ألف ليلة وليلة» من دون ما يكفي من القرائن القضائية، فإن ذلك لا يخدم الحقيقة، بل يغذي الشك في وجود أهداف أخرى.

لقد تغير المغرب، ولم يعد يقبل أن تُفرض عليه الشراكات تحت الضغط، أو أن يُبتز بسمعته، أو أن تُستعمل ضده ملفات لم يحسمها القضاء. والاتفاقية التاريخية المنتظرة، إن أُريد لها النجاح، يجب أن تكون اتفاقية بين دولتين متكافئتين، تحترم المغرب وشعبه، وتحفظ مصالحه وسيادته، لا اتفاقية تسبقها حملة لإضعافه أو إحراجه.
إما الحقيقة كاملة أمام القضاء، وإما الكف عن جعل «بيغاسوس» شبحًا يُستدعى كلما تقدم المغرب خطوة إلى الأمام.




في نفس الركن