العلم الإلكترونية - بقلم هشام الدرايدي
تنتاب المرء مشاعر متناقضة وهو يواكب الطفرة غير المسبوقة التي تعيشها كرة القدم المغربية على الصعيدين الإقليمي والعالمي، مقابل الركود المحزن الذي آلت إليه ألعاب القوى الوطنية، بعد أن كانت لسنوات طويلة هي القاطرة التي تقود الرياضة المغربية نحو العالمية، والشاشة التي يرى من خلالها العالم بأسره علم المملكة يرفرف عاليا في كبرى المحافل والملتقيات الدولية، حيث تفرض علينا اليوم هذه المفارقة وقفة تأمل ومكاشفة لمقاربة أسباب التوهج الكروي في مقابل التراجع الهزيل لـ "أم الألعاب" التي توارت في الظلال.
حين نحاول فقط مداعبة ذاكرتنا والعودة بها إلى الوراء، يبرز اسم البطل العالمي والأسطورة الخالدة "سعيد عويطة" كعلامة فارقة في تاريخ المغرب والعرب وإفريقيا، فعويطة لم يكن مجرد عداء عابر سابق الأمتار مسابقه الزمن كباقي العدائين، وإنما تحول اسمه إلى جزء لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية للمغاربة، كبرنا ونحن نطلق صفة "عويطة" على كل شخص أو شيء يتميز بالسرعة والنجاعة في قضاء الحوائج، وحتى في محطات القطار، كانت الألسن تردد بفخر رغبتها في استقلال "قطار عويطة" السريع.
هذا البطل الذي حفر اسمه بمداد من ذهب في موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية، صنع مجدا حقيقيا من لا شيء، وقلب موازين القوى في المسافات الطويلة والمتوسطة بفكر وفلسفة جديدة علمت الرياضيين في دول الجنوب أنه "لا يوجد مستحيل". وقد شكلت محطة أولمبياد لوس أنجلوس عام 1984 ذروة التحدي، إذ لم يكن الجميع يعلم أن عويطة انتزع ذهبية سباق 5000 متر بزمن قياسي في مسافة لم يكن متخصصا فيها ولم يتدرب عليها أصلا، بل فرضتها عليه إصابة طفيفة في الفخذ منعه الطبيب بسببها من خوض سباق 1500 متر. وبفضل ذكائه التكتيكي الخارق واستراتيجيته المبتكرة في تسيير الإيقاع والمزاوجة بين المسافات، نجح في الوفاء بوعده للمغفور له الملك الحسن الثاني، محولا كابوس الإصابة والخروج المبكر إلى حلم تاريخي عانق به المجد العالمي وعرّف من خلاله بالمغرب وبقدرات الإنسان الإفريقي والعربي.
قصة عويطة الملهمة علمتنا أن الأساطير لا يولدون صدفة، بل يصنعون أقدارهم بأيديهم ويأتون ومعهم مفاتيح النجاح. لكن السؤال الحارق الذي يطرح نفسه: هل استفدنا كمغاربة من هذه الجواهر؟
الواقع المرير يؤكد أننا لم نقدر هذه الطاقات حق قدرها، فبينما سارعت دول أخرى لوضع أساطيرها على رأس هرم منظوماتها الرياضية لإنتاج الخلف وضمان استمرارية الهيمنة، ظل واقع ألعاب القوى المغربية يتخبط في العشوائية والارتجال، وركنا إلى تذكر الأسماء والتباكي على الأطلال، منتظرين طوال سنوات بروز موهبة نادرة بشكل فجائي لإنقاذ ماء الوجه، وتناسينا أن البطل بعد نهاية مسيرته التنافسية يجب أن يُستثمر في مجالات الإدارة التسييرية والتقنية والتوجيه، لا أن يهمش ويدفع نحو الظل.
في المقابل، لو تأملنا منظومة كرة القدم المغربية اليوم، سنجدها تعيش ثورة حقيقية ونقلة نوعية تحققت تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، والتي ارتكزت بالأساس على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، والاستعانة بالخبرات وأبناء التخصص لإدارة الشأن الكروي. هذه الهيكلة الاحترافية كانت وراء الملحمة التاريخية للمنتخب الوطني في مونديال قطر 2022، حينما كسر الأسود جدار الخوف وأصبحوا أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ المربع الذهبي، واحتلوا المركز الرابع عالميا، واليوم في الصف السابع عالميا في سبورة ترتيب "الفيفا" حسب التحديث الأخير.
كسر المستحيل.. خيط ناظم بين 1984 و2022
الشيء بالشيء يذكر… فكما شكلت وثبة أسود الأطلس في مونديال 1986 الانطلاقة نحو العالمية، ومونديال 2022 ثورة تكتيكية جعلت المنتخبات الإفريقية والعربية تجرؤ على مقارعة القوى العظمى والانتصار عليها أو التعادل معها، كانت محطة سعيد عويطة في لوس أنجلوس 1984 هي المفتاح الأول الذي كسر عقدة النقص لدى عدائي القارة السمراء والشرق الأوسط، وفتحت الباب أمام أجيال من الأبطال للمنافسة على الذهب والأرقام القياسية التي كانت حكرا على دول الشمال المعززة بالإمكانيات المادية واللوجستية.
إن عويطة، وغيره من الأبطال الذين رفعوا راية الوطن، ليسوا أسماء للاستهلاك الإعلامي أو الحنين الشاعري، وإنما هم الرهان الحقيقي والمستدام للنهوض بألعاب القوى المغربية. لقد حان الوقت لزرع هذه البذور الخصبة في تربة الإدارة الرياضية والاستفادة من تجاربهم الميدانية وعلاقاتهم الدولية لبناء مشاتل حقيقية للأبطال. فمقارعة الدول العظمى في ألعاب القوى الأولمبية تتطلب نفس الإرادة السياسية والرياضية التي نقلت كرة القدم المغربية إلى النادي العالمي للسبعة الكبار، ولم نعد نريد رؤية بروز أسماء استثناء تارة تحمل العلم وتارة تغيب، بل نريد أن نرى أشجار الأساطير تثمر من جديد في المضامير، لكي لا تبقى إنجازاتنا مجرد طفرات زمنية معزولة، وإنما استراتيجية وطنية تصنع الأمجاد بشكل مستدام، وهذا لن يتحقق ما دمنا نبتعد عن أساطيرنا ونبعدهم من الميدان ونكتفي بهم في قصص وروايات "كان يا ما كان"...