☰
2026 شتنبر 27 - تم تعديله في [التاريخ]

بين حكومة المونديال وحكومة المواطن… من سيضمن أن تتحول أوراش الملاعب والطرق إلى تنمية وفرص عمل؟

أوراش كبرى تُنجز في الطريق إلى 2030، لكن المباراة الأهم تُلعب خارج الملاعب: هل تتحول المليارات إلى وظائف وفرص للمقاولات وتنمية تصل إلى الجهات؟


أوراش 2030 تتسارع… فهل تصل فرصها إلى الشباب؟

الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
المغرب يسرّع أوراش 2030 بمليارات الدراهم… لكن من يراقب الكلفة، ومن يقيس العائد، ومن يضمن أن يستفيد الشباب والمقاولات والجهات من هذه الطفرة الاستثمارية بدل أن يبقى المواطن متفرجًا على «مونديال التنمية»؟

ليس في تنظيم كأس العالم 2030 ما يدعو إلى الحرج، ولا في بناء ملعب أو توسيع مطار أو مد خط سككي أو تشييد طريق ما يستوجب الاعتذار. بل إن دولة تريد أن تتقدم تحتاج إلى بنية تحتية قوية، والمغرب أمام فرصة تاريخية لتسريع أوراش كان سيحتاج إلى سنوات طويلة لإنجازها، وربط مدنه بشبكات نقل أكثر حداثة، ورفع جاذبيته السياحية والاستثمارية، وتحسين صورته وموقعه دوليًا.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح نجاحنا في تنظيم المونديال أهم من نجاحنا في استثمار المونديال لصالح المغرب والمغاربة.

وهنا بالضبط سيكون الامتحان الحقيقي للحكومة المقبلة.

فنحن لا نتحدث عن بضعة ملايير متناثرة، بل عن أوراش هائلة ستحرك جزءًا كبيرًا من الاستثمار العمومي خلال السنوات المقبلة. برنامج تطوير المطارات للفترة 2025–2030 رُصد له غلاف استثماري إجمالي يبلغ 38 مليار درهم، فيما أُعلن عن استثمارات في السكك الحديدية تصل إلى 96 مليار درهم في أفق 2030، تشمل الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، واقتناء القطارات، وإنشاء المحطات وتأهيلها. وهذان قطاعان فقط، قبل أن نضيف الملاعب والطرق والتأهيل الحضري والفنادق والاتصالات والخدمات الصحية وغيرها.

بل إن الاتفاق الأول المتعلق بالملاعب كان قد حدد نحو 9.5 مليارات درهم للمرحلة الأولى من تأهيل ستة ملاعب، وما بين 4.5 و6 مليارات للمرحلة الثانية، إضافة إلى 5 مليارات درهم كانت مخصصة في الاتفاق الأول لبناء الملعب الجديد ببنسليمان.

إذن نحن أمام مليارات كثيرة، وأمام سؤال أكبر منها: من سيحاسب على المليارات؟

◊ لا نريد أن نستيقظ في 2030 فنجد الملاعب جاهزة والبطالة في مكانها

صندوق النقد الدولي يتوقع أن يحقق المغرب نموًا حقيقيًا في الناتج الداخلي الإجمالي بنسبة 4.4 في المائة خلال 2026، مدعومًا، ضمن عوامل أخرى، بالاستثمار العمومي القوي في البنيات التحتية. لكن الصندوق نفسه لا يكتفي بالتصفيق لأرقام النمو، بل يضع إصبعه على الجرح حين يعتبر أن خلق فرص العمل المستدامة ما يزال أولوية ملحة. والأكثر دلالة أن تقديراته تضع البطالة عند نحو 12.3 في المائة سنة 2026، بعدما بلغت 13 في المائة سنة 2025.

أما بطالة الشباب، فالصورة أشد قسوة؛ فقد أشار تقرير الصندوق إلى بلوغها 37.3 في المائة لدى الفئة بين 15 و24 سنة في 2025، مع وجود نسبة مهمة من الشباب خارج العمل والتعليم والتكوين.

وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن تشغل الحكومة المقبلة أكثر من صور الملاعب عند اكتمال أشغالها.

ما فائدة أن يرتفع معدل النمو إذا ظل الشاب يبحث عن فرصة عمل؟ وما جدوى أن تختصر القطارات المسافة بين المدن إذا بقيت المسافة بين الشاب وأول وظيفة طويلة؟ وما قيمة أن نستقبل ملايين الزوار في مطارات حديثة إذا لم تستطع المقاولة المغربية الصغيرة والمتوسطة أن تجد لنفسها مكانًا داخل هذه الدينامية؟

النمو ضروري، لكنه لا يكفي. لأن المواطن لا يأكل النسب المئوية ولا يؤدي فواتيره بمعدل الناتج الداخلي الخام.

◊ المونديال يجب أن يكون مشروعًا اقتصاديًا لا موعدًا رياضيًا فقط

الحكومة نفسها أعلنت أن الاستعداد لكأس العالم لا يقتصر على الملاعب، بل يشمل المطارات والطرق وشبكات النقل الحضري والفنادق والخدمات الصحية والاتصالات وبرامج لتأهيل الشباب، وقد قُدّم رسميًا باعتباره فرصة لتسريع النمو وخلق فرص الشغل.

جميل.

لكن المطلوب الآن هو الانتقال من لغة «الفرصة» إلى لغة الأهداف القابلة للقياس والمحاسبة.

إذا صرفنا عشرة مليارات، فكم منصب شغل أحدثنا؟

إذا أنجزنا خطًا سككيًا جديدًا، فكم مقاولة وطنية اشتغلت في المشروع؟

كم نسبة المكونات والخدمات المصنعة محليًا؟

كم شابًا تلقى تكوينًا وانتهى به التكوين إلى وظيفة حقيقية لا مجرد شهادة إضافية؟

وكم ستستفيد المدن والمناطق الواقعة خارج الدائرة المباشرة للمباريات؟

هذه هي الأرقام التي ينبغي أن تُعرض على المغاربة إلى جانب صور تقدم الأشغال.

فنحن بحاجة إلى «لوحة قيادة وطنية» معلنة للرأي العام، لا تخبرنا فقط بأن الأشغال بلغت 70 أو 80 أو 90 في المائة، بل تخبرنا أيضًا بعدد فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ونسبة مشاركة المقاولات المغربية، وحصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتوزيع الاستثمارات جغرافيًا، ونسبة الشباب والنساء المستفيدين من فرص التشغيل والتكوين.

◊ الخوف ليس من الإنفاق… بل من الإنفاق الذي لا يترك أثرًا

ليست المشكلة أن ينفق المغرب كثيرًا على البنية التحتية؛ فالدول تُبنى بالاستثمار، والطرق والقطارات والمطارات لا تختفي بانتهاء صافرة نهائي كأس العالم.

لكن البنية التحتية تصبح استثمارًا تنمويًا فقط عندما يتجاوز أثرها الإسمنت والحديد.

المطار الحقيقي ليس بناية جميلة فقط، بل حركة اقتصادية وسياحية ومقاولات وفرص عمل حوله. والمحطة السككية ليست أرصفة وقطارات فقط، بل اقتصاد محلي يُعاد تنظيمه حولها. والملعب ليس تسعين دقيقة من الكرة، بل يجب أن تكون حوله تجارة وخدمات وسياحة وتكوين وتشغيل واستثمار يستمر سنوات بعد انطفاء الأضواء.

والسؤال الذي يتعين طرحه منذ اليوم هو: ماذا سيبقى للمغاربة صباح اليوم التالي للمباراة النهائية سنة 2030؟

إذا بقيت منشآت ضخمة وجميلة فقط، نكون قد نظمنا مونديالًا ناجحًا.

أما إذا بقيت معها آلاف المقاولات التي كبرت، وعشرات الآلاف من الشباب الذين اكتسبوا مهارات ووظائف، ومدن أصبحت أكثر اتصالًا وجاذبية، ومناطق استفادت من التأهيل، واقتصاد أقوى وأكثر تنافسية، فعندها نكون قد نجحنا في شيء أكبر من تنظيم المونديال: نكون قد استثمرناه في بناء المستقبل.

◊ الحكومة المقبلة… حكومة 2030 أم حكومة المواطن؟

الحكومة المقبلة ستتحمل مسؤولية دقيقة، لأنها ستجد نفسها وسط أكبر مرحلة من مراحل إنجاز هذه الأوراش، وبالتالي فإن السؤال لن يكون فقط: هل انتهت الأشغال في موعدها؟ بل أيضًا: بأي تكلفة؟ ومن استفاد؟ وهل احترمت المنافسة؟ وهل تحققت الأهداف الاجتماعية والاقتصادية المعلنة؟

المطلوب ليس التشكيك المسبق في المشاريع، ولا تحويل كل ورش إلى ملف اتهام، بل العكس تمامًا: حماية هذه الاستثمارات الكبيرة بالشفافية والمراقبة والمعلومة والمحاسبة.

فالمليارات التي تُنفق باسم المستقبل تحتاج إلى ذاكرة دقيقة تحفظ أين صُرفت، ومن نفّذ، وبأي ثمن، وما الذي تحقق في النهاية.

وينبغي ألا تكون مراقبة أوراش 2030 شأنًا داخليًا للحكومة وحدها، بل يجب أن يكون للبرلمان والمؤسسات الرقابية والمجالس المنتخبة والإعلام والمجتمع المدني والرأي العام نصيبهم من الحق في المعلومة والتتبع والمساءلة.

لأن السرعة التي يفرضها موعد عالمي ثابت لا يجب أن تتحول إلى ذريعة لتقليص الشفافية؛ بل يفترض أن تجعلها أكثر ضرورة.

◊ نريد مونديالًا لا ينتهي في 2030

المغرب أمام فرصة يصعب أن تتكرر. الموعد العالمي قادر على ضغط الزمن وتسريع المشاريع واستقطاب الاستثمارات وفتح أسواق جديدة وإعطاء المدن والقطاعات دفعة قوية.

لكن التاريخ لن يسأل فقط: هل نظم المغرب كأس عالم رائعًا؟

سيسأل أيضًا: ماذا فعل المغرب بكل تلك المليارات؟

هل أصبحت مطاراتنا أفضل؟ نعم.

هل أصبحت قطاراتنا أسرع؟ نعم.

هل أصبحت ملاعبنا أجمل؟ نعم.

ولكن: هل أصبح المغربي يعيش أفضل؟

هل وجد الشباب عملًا؟

هل كبرت المقاولات الصغيرة؟

هل تقلصت الفوارق بين الجهات؟

هل تحولت الاستثمارات الاستثنائية إلى نمو دائم؟

هل بقيت المشاريع منتجة بعد انتهاء البطولة؟

وهل عرف المواطن بالدرهم والسنتيم أين صُرف المال وما الذي عاد عليه وعلى بلده؟

تلك هي المباراة الأصعب التي تنتظر الحكومة المقبلة.

لأن كأس العالم سينتهي بعد أسابيع من المنافسة، وستعود المنتخبات والجماهير إلى بلدانها، وستُطوى صفحات النتائج والصور والاحتفالات.

أما المغاربة فسيبقون هنا.

وسيحتاجون إلى المدارس والمستشفيات والشغل والنقل والسكن والكرامة والعدالة المجالية أكثر مما يحتاجون إلى ذكريات مباراة نهائية، مهما كانت عظيمة.

لذلك فإن التحدي ليس أن تكون لدينا «حكومة المونديال» التي تنجح في تسليم الملاعب والطرق والمطارات في موعدها فقط، بل أن تكون لدينا «حكومة المواطن» التي تستطيع أن تجعل من كل درهم يُنفق في طريق 2030 استثمارًا يعود على المغرب بعد 2030.

المونديال موعد… أما التنمية فهي المباراة التي لا يحق لنا أن نخسرها.

أوراش 2030 تتسارع… فهل تصل فرصها إلى الشباب؟



في نفس الركن