☰
2026 شتنبر 26 - تم تعديله في [التاريخ]

«تأثير العربة» في الانتخابات… تصنع الفائز قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع: «البام» نموذجًا

قبل أن يدلي الناخب بصوته، قد يكون اسم الفائز قد استقرّ في أذهان كثيرين. فهل ترصد التوقعات قوة الحزب، أم تمنحه جزءًا منها؟


حين تجذب صورةُ الفائز أنصارًا قبل فتح الصندوق

الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
يتحول الحديث المبكر عن «الحزب الفائز» و«رئيس الحكومة القادم» إلى قوة جذب للمرشحين والأعيان والمترددين، ويصبح السؤال: هل نتوقع النتيجة أم نساهم في صناعتها؟

قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع، وقبل أن يدخل الناخب إلى المعزل، وقبل أن يبدأ عد الأصوات وتوزيع المقاعد، يكون هناك أحيانًا شيء آخر قد بدأ يتحرك منذ أشهر: صناعة صورة الفائز.

وتبدو الظاهرة مألوفة في المشهد السياسي المغربي إلى درجة أنها تكاد تتحول، مع كل استحقاق تشريعي، إلى جزء من الطقوس السابقة للانتخابات؛ يبدأ الحديث مبكرًا عن حزب «صاعد»، ثم عن حزب «مرشح لتصدر الانتخابات»، وبعدها عن «الحزب الذي سيقود الحكومة»، ثم يُدفع باسم شخصية معينة إلى الواجهة باعتبارها «رئيس الحكومة القادم»، وتتكرر الفكرة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل والمجالس السياسية، وتتناقلها النخب والمرشحون والأعيان، إلى أن يتحول الاحتمال تدريجيًا إلى شبه يقين.

ثم تأتي الانتخابات. ويتصدر الحزب نفسه.

وعندها يقال لنا: ألم نقل لكم ذلك منذ شهور؟

لكن هذا الجواب، بدل أن يغلق النقاش، يجب أن يفتحه على مصراعيه: هل كانت تلك قراءة دقيقة للمستقبل فقط؟ أم أن تكرار التوقع ونشره وتثبيته في الأذهان ساهم هو نفسه في خلق الشروط التي جعلت ذلك المستقبل يتحقق؟

هنا بالضبط يظهر مفهوم مهم في علم السياسة وعلم النفس الاجتماعي يسمى «تأثير العربة».

◆ ما هو «تأثير العربة»؟

يقصد بـ«تأثير العربة» ميل بعض الناس إلى الالتحاق بالطرف الذي يبدو لهم أكثر شعبية أو الأقرب إلى الانتصار، ليس بالضرورة لأنهم اقتنعوا فجأة بأفكاره وبرنامجه، وإنما لأنهم يرغبون في أن يكونوا مع الفائز، أو لأن نجاحه المتوقع يصبح في حد ذاته سببًا إضافيًا لدعمه.

وتعود صورة «العربة» إلى العربة التي كانت تحمل الفرق الموسيقية في المواكب السياسية؛ فكلما ازدحم الناس حولها وبدت متقدمة ومليئة بالأنصار، جذبت إليها مزيدًا من الملتحقين. ومن هنا أصبحت العبارة مجازًا سياسيًا: كلما بدا أن العربة رابحة، ازداد عدد الراغبين في ركوبها.

والأمر ليس مجرد تعبير بلاغي. فقد بينت دراسات انتخابية أن ترتيب المرشحين والتصور السائد بشأن من يتقدم يمكن، في بعض السياقات، أن يؤثر في سلوك الناخبين والمرشحين والأحزاب، وأن النجاح الظاهر قد يولد نجاحًا إضافيًا، مع التأكيد أن قوة هذا التأثير ليست واحدة في كل الانتخابات ولا تكفي وحدها لتفسير النتائج. 

بعبارة أبسط: قد يصبح الاعتقاد بأن حزبًا سيفوز واحدًا من العوامل التي تساعده على الفوز.

وهذه هي النبوءة التي تساهم في تحقيق ذاتها.

◆ «البام» نموذجًا… من توقع الصعود إلى صدارة الصندوق

لنأخذ انتخابات 23 شتنبر 2026 نموذجًا للتحليل، لا لإصدار حكم مسبق حول أسباب النتيجة.

في يوليوز 2026، التحق فوزي لقجع رسميًا بحزب الأصالة والمعاصرة، ثم أُعلن يوم 25 يوليوز عن انضمامه إلى المكتب السياسي للحزب. وكان لقجع آنذاك وزيرًا منتدبًا مكلفًا بالميزانية ورئيسًا للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. 

لكن الحدث لم يبق مجرد انتقال شخصية تكنوقراطية معروفة إلى حزب سياسي.

فقد رافقه سريعًا نقاش واسع حول المستقبل السياسي للرجل، وانتشرت قراءات وتوقعات تتحدث عن احتمال رئاسته للحكومة، بالتوازي مع توقعات بتصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات. ولم يكن هناك آنذاك إعلان رسمي بأن لقجع هو رئيس الحكومة المقبل، بل كان الأمر في دائرة التوقع والتحليل والتكهن السياسي. حتى بعض النقاشات الإعلامية طرحت مبكرًا السؤال نفسه: إذا كنا نتحدث عن رئيس الحكومة والفائز قبل الاقتراع، فما الذي تبقى للصندوق؟ 

ثم جرت الانتخابات، وأعلنت وزارة الداخلية تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة بحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395، متقدمًا على باقي الأحزاب. 

مرة أخرى: لا يعني ذلك أن «تأثير العربة» هو الذي صنع وحده هذه النتيجة، ولا توجد أمامنا دراسة ميدانية تسمح بمثل هذا الاستنتاج.

لكن تطابق النتيجة مع الخطاب الذي سبقها يجعل السؤال مشروعًا:

إلى أي مدى ساهم الاعتقاد المبكر بأن «البام» هو الحزب القادم في تقوية «البام» نفسه؟

◆ عندما يبحث المرشح عن الفائز بدل أن يبحث عن الحزب

هنا تبدأ آلية «تأثير العربة» الأكثر إثارة للاهتمام.

فالمناضل الحزبي الحقيقي قد يختار حزبه بناء على قناعة فكرية وسياسية، ويبقى داخله في المعارضة كما يبقى فيه عندما يصل إلى الحكومة.

لكن السياسة الانتخابية تعرف أيضًا نوعًا آخر من الفاعلين.

هناك من يسأل قبل أن يختار تزكيته: من سيتصدر؟

من سيكون في الحكومة؟.. أين توجد أكبر فرص الفوز؟

أي حزب سيكون أقرب إلى مركز القرار؟..وأين ستكون مصلحتي السياسية بعد الانتخابات؟

فإذا انتشر قبل الاقتراع اعتقاد قوي بأن حزبًا بعينه «هو القادم»، تبدأ العربة في جمع الركاب من ناخبين ومرشحين و....

يلتحق به مرشح له وزن محلي. ثم يأتي آخر.

ويلتحق به منتخب أو برلماني سابق أو رجل أعمال أو شخصية معروفة.

وكل اسم جديد لا يضيف إلى الحزب شخصًا واحدًا فقط؛ بل قد يأتي معه بشبكة علاقات وأنصار وقدرة على التعبئة وحضور محلي.

ثم ينظر الآخرون إلى هذا التدفق ويقولون: إذا كان الجميع يتجهون إلى هذا الحزب، فلا بد أنه فعلًا الحزب الصاعد.

فتكبر العربة. وكلما كبرت، جذبت ركابًا جددًا.

وقد لوحظ  بعد انتخابات 2026، جانبًا من صعود الأصالة والمعاصرة بانتقال وجوه سياسية واستقطاب شخصيات لها خبرة وحضور سياسيان؛ وهي قراءة تحليلية ضمن عوامل أخرى وليست إثباتًا لسبب وحيد للنتيجة. 

◆ 38 في المائة فقط… وهنا يصبح تأثير العربة أخطر

الأمر يزداد أهمية إذا وضعناه أمام رقم المشاركة.

فعند اختتام التصويت يوم 23 شتنبر أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة المشاركة بلغت 38.02 في المائة. نحن أمام مشاركة تقل عن أربعة ناخبين من كل عشرة مسجلين، أي إن نحو 62 في المائة من الهيئة الناخبة المسجلة لم تشارك. 

والكلام هنا عن المسجلين في اللوائح الانتخابية، وليس عن مجموع المغاربة.

لكن دلالة الرقم السياسية لا يمكن تجاهلها.

فعندما يغيب ما يقارب ستة من كل عشرة مسجلين، لا تتوقف الانتخابات انتظارًا لهم. ولا تبقى المقاعد فارغة. ولا تخصم أصوات الغائبين من الفائزين.

بل توزع المقاعد بناء على أصوات الذين حضروا وصوتوا.

وهنا يصبح للقدرة على تعبئة الكتل المنظمة والشبكات المحلية والأنصار أهمية نسبية أكبر.

◆ الغائب لا يعاقب الحزب… إنه يترك غيره يقرر

هذه واحدة من المفارقات التي تستحق نقاشًا صريحًا.

قد يقاطع مواطن الانتخابات لأنه غير راض عن الأحزاب، أو لأنه فقد الثقة في السياسة، أو لأنه يعتقد أن النتيجة معروفة مسبقًا.

لكن الصندوق لا يسجل سبب غيابه.

إنه يسجل فقط أنه لم يصوت. وهكذا قد يصبح الاعتقاد بأن «الفائز معروف مسبقًا» عاملًا مزدوجًا في خدمة الظاهرة نفسها.

فمن جهة، قد يقول المواطن: إذا كان الحزب الفائز معروفًا، فلماذا أذهب للتصويت؟

ومن جهة أخرى، قد يقول المرشح أو الفاعل المحلي: إذا كان الحزب الفائز معروفًا، فلماذا لا ألتحق به؟

الأول ينسحب من اللعبة. والثاني يصعد إلى العربة.

وهكذا يمكن للخطاب نفسه أن يُضعف المشاركة من جهة، وأن يقوي الحزب المتوقع فوزه من جهة أخرى.

أليست هذه المفارقة جديرة بأن نتوقف عندها؟

◆ المال والعائلة والقبيلة والمصلحة… الحضور الذي لا ينبغي تجاهله

يجب أن نكون منصفين ودقيقين: لا يجوز القول إن أغلبية الناخبين المغاربة تصوت مقابل المال، أو بسبب القبيلة والعائلة والمصلحة؛ فتلك دعوى تحتاج إلى بيانات ودراسات تثبتها.

لكن سيكون خطأً أيضًا أن نتصرف وكأن السلوك الانتخابي كله مبني على قراءة البرامج والمقارنة بين المشاريع السياسية.

ففي عدد من الدوائر يمكن أن تتداخل الاعتبارات الحزبية مع قوة الشخص والروابط المحلية والعائلية وشبكات المصالح والخدمات والنفوذ، وما يثار خلال الحملات بشأن استعمال المال الانتخابي. كما أن الاختلاف الكبير في أداء الأحزاب من دائرة إلى أخرى يؤكد أن العامل الشخصي والمحلي يظل حاضرًا إلى جانب الانتماء الحزبي. 

وهنا يمكن لـ«تأثير العربة» أن يجد تربة ملائمة.

فإذا اعتقد صاحب المصلحة أن هذا الحزب سيكون في الحكومة، فقد يرغب في الاقتراب منه.

وإذا اعتقد المرشح المحلي أن لونًا حزبيًا بعينه هو الأقرب إلى الصدارة، فقد يفضله على غيره.

وعندما يفعل العشرات الشيء نفسه، يصبح الحزب أقوى بالفعل.

ثم نعود بعد الانتخابات لنقول:

لقد كان قويًا ولذلك توقعنا فوزه.

بينما قد يكون الجزء المسكوت عنه من القصة هو أن توقع فوزه ساعد، بدرجة ما، على جعله أقوى.

◆ ليس المطلوب اتهام الدولة… بل فهم قوة الاعتقاد بوجود «الحزب المرغوب فيه»

وهنا يجب أن نضع حدًا واضحًا بين التحليل والاتهام.

القول إن الدولة قررت أن يفوز حزب بعينه اتهام كبير يحتاج إلى أدلة واضحة، ولا ينبغي أن يتحول الشك أو الانطباع إلى حقيقة صحفية.

لكن الإشكال الذي أطرحه لا يحتاج أصلًا إلى إثبات وجود قرار سري من جهة ما.

يكفي أن يتشكل داخل الرأي العام السياسي اعتقاد بأن حزبًا بعينه هو الأقرب إلى مراكز القرار أو الأكثر حظوة أو الأوفر حظًا في قيادة الحكومة.

سواء كان هذا الاعتقاد صحيحًا أو خاطئًا، فإنه يمكن أن ينتج آثارًا حقيقية.

فالمرشح قد يتصرف على أساسه. والناخب قد يتصرف على أساسه. والفاعل الاقتصادي أو المحلي قد يتصرف على أساسه.

والإعلام نفسه، عندما يلاحظ تزايد الملتحقين، قد يعتبر ذلك مؤشرًا جديدًا على أن الحزب سيفوز.

فتعود الرسالة إلى الجمهور أقوى: انظروا، الجميع يتجه إليه؛ إذن فهو الفائز.

ثم يزداد عدد الملتحقين. إنها دائرة تغذي نفسها بنفسها.

◆ من يصنع من: الحزب القوي أم صورة الحزب القوي؟

وهذه في نظري إحدى أهم الأسئلة التي ينبغي أن تفتحها انتخابات 2026.

هل ذهب المرشحون إلى الحزب لأنه كان قويًا؟

أم أصبح أقوى لأن مرشحين أقوياء ذهبوا إليه؟

هل اقترب البعض منه لأنه كان مرشحًا للتصدر؟

أم ساهم اقترابهم منه في جعله متصدرًا؟

وهل الخطاب المبكر عن رئاسة الحكومة كان نتيجة لقراءة قوة الحزب؟

أم ساهم بدوره في رفع جاذبيته؟

ربما يكون الجواب خليطًا من كل ذلك.

ولهذا فإن اختزال النتيجة في تفسير واحد سيكون خطأ بقدر خطأ تجاهل الظاهرة تمامًا.

◆ كل خمس سنوات… لماذا نصر على معرفة الفائز قبل الناخب؟

المشكلة ليست في «البام» وحده.

ولهذا اخترته نموذجًا، لا استثناءً ولا موضوع اتهام.

السؤال أكبر من حزب بعينه، لأنه يتعلق بثقافة سياسية تتكرر: كلما اقترب استحقاق، يبرز الحديث عن حزب «قادم»، وشخصية «قادمة»، وتحالف «قادم»، وحكومة تكاد تتشكل في النقاش العام قبل أن يضع أول ناخب ورقته في الصندوق.

ثم نسأل باستغراب:

لماذا يعزف المواطنون؟

كيف نطلب من المواطن أن يقتنع بأن صوته حاسم، وفي الوقت نفسه نملأ الفضاء العام لشهور بحديث يوحي له بأننا نعرف الفائز أصلًا؟

لا يمكن الجمع بين الرسالتين. إما أن الصندوق مفتوح على المفاجأة، وإما أن المستقبل معروف.

وإذا أردنا استعادة الثقة، فيجب أن يشعر الناخب أن اختياره يأتي قبل النتيجة لا بعدها.

◆ نزاهة الانتخابات ليست صندوقًا سليمًا فقط

حين نتحدث عن نزاهة الانتخابات، ينصرف الذهن مباشرة إلى يوم الاقتراع: الصندوق، ورقة التصويت، المعزل، المحاضر، الفرز، المراقبة، إعلان النتائج. وكل ذلك أساسي.

لكن هناك سؤالًا سابقًا: في أي مناخ تشكل قرار الناخب؟

هل دخل إلى مكتب التصويت وهو يرى خيارات مفتوحة أمامه؟

أم دخل بعدما أمضى شهورًا يسمع أن هذا الحزب «قادم لا محالة» وأن فلانًا «رئيس الحكومة المقبل»؟

إن حرية وضع الورقة في الصندوق مهمة، لكن حرية تكوين الرأي قبل وضع الورقة لا تقل عنها أهمية.

وهذا يضع مسؤولية كبيرة على الأحزاب والإعلام والنخب والمؤسسات وكل من يشارك في صناعة النقاش العام.

◆ والإعلام مطالب بأن يتوقع… لا أن ينصب الفائز

لا أحد يطالب الإعلام بالتوقف عن التحليل.

من حق الصحفي أن يستشرف. ومن حق المحلل أن يقرأ المؤشرات.

ومن حق الباحث أن يقدم السيناريوهات.

لكن الفرق كبير بين أن نقول: «هذا الحزب قد يتصدر».

وبين أن نقول: «هذا الحزب هو القادم».

وبين أن نقول: «هذه الشخصية اسم محتمل لرئاسة الحكومة».

وبين أن نقدمها لشهور باعتبارها رئيس الحكومة المقبل.

فالتحليل يفتح الاحتمالات. أما صناعة اليقين فتغلقها.

وإذا كان ذلك اليقين قادرًا على التأثير في اتجاه المرشحين والأعيان والناخبين، فإن المسؤولية تصبح أكبر.

◆ أضرار «تأثير العربة» لا تنتهي عند صناديق الاقتراع

الضرر الأول هو العزوف، لأن المواطن الذي يعتقد أن النتيجة معروفة قد لا يرى معنى لمشاركته.

والضرر الثاني هو الترحال والانتهازية السياسية، حين تصبح الوجهة الحزبية مرتبطة بتوقع الفوز أكثر من ارتباطها بالقناعة.

والضرر الثالث هو إضعاف البرامج، لأن السؤال يتحول من «ماذا تقترحون؟» إلى «من سيفوز؟».

والضرر الرابع هو إضعاف الثقة، لأن تحقق توقعات متكررة قد يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن النتائج كانت مقررة، حتى عندما لا توجد أدلة على ذلك.

والضرر الخامس هو تحويل السياسة من منافسة بين مشاريع إلى سباق نحو الاقتراب من المنتصر المتوقع.

والأخطر من كل ذلك أننا قد نصنع بأنفسنا الدليل الذي سنستعمله لاحقًا لتأكيد النبوءة.

نقول إن الحزب سيفوز. فيتقاطر عليه الناس. فيزداد قوة. فيفوز.

فنقول:

أرأيتم؟ كنا نعرف!

◆ أوقفوا صناعة الفائز… ودعوا الصندوق يقوم بعمله

لا نحتاج إلى منع التحليل السياسي، بل إلى حماية الفرق بين التحليل واليقين.

ولا نحتاج إلى إسكات الإعلام، بل إلى إعلام يضع الاحتمالات أمام المواطن بدل أن يقدم له المستقبل على أنه أمر محسوم.

ولا نحتاج إلى اتهام الدولة أو الأحزاب دون دليل، بل إلى مناخ سياسي يجعل أي مرشح أو ناخب مقتنعًا بأن الطريق إلى الفوز يمر عبر المواطنين، لا عبر الانضمام المبكر إلى العربة التي يقال إنها ستصل أولًا.

يجب القطع مع ثقافة البحث عن «الحزب القادم» قبل الانتخابات، ومع تقديم أسماء رؤساء الحكومات قبل أن يعرف أحد الحزب المتصدر، ومع تحويل المؤشرات والتكهنات إلى حقائق سياسية قائمة قبل موعدها.

ونحتاج قبل كل شيء إلى إعادة الاعتبار إلى المواطن.

إلى ناخب لا يصوت لأن الجميع أخبروه بمن سيفوز، ولا يقاطع لأنهم أقنعوه بأن النتيجة محسومة، وإنما يتخذ قراره وهو يعلم أن الصندوق لم يقل كلمته بعد.

لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي تجربة ديمقراطية هو أن يعرف الناس ــ أو يعتقدوا أنهم يعرفون ــ النتيجة قبل بداية المباراة.

وإذا كانت نسبة المشاركة قد بقيت في حدود 38 في المائة تقريبًا، فإن آخر ما نحتاج إليه هو مزيد من الخطابات التي تقول للستين في المائة الباقية إن حضورها أو غيابها لن يغير شيئًا.

لذلك، ليس السؤال بعد انتخابات 23 شتنبر فقط: كيف تصدر «البام»؟

بل هناك سؤال أعمق وأهم:

كم كان «البام» قويًا لأنه كان مرشحًا للفوز، وكم أصبح مرشحًا للفوز لأن الجميع أخذوا يتعاملون معه على أنه قوي وقادم؟

وتلك هي المعضلة التي يلخصها «تأثير العربة».

يقال للناس إن العربة ستصل أولًا، فيصعد إليها مزيد من الركاب؛ وكلما ازداد عدد الركاب، ازدادت سرعتها وقوتها، ثم تصل أولًا، فيعتبر الجميع وصولها دليلًا على صحة ما قيل منذ البداية.

لكن الديمقراطية لا ينبغي أن تكون عربة نبحث عن مكان فيها بعد معرفة وجهتها.

الديمقراطية صندوق يجب أن ننتظر فتحه حتى نعرف إلى أين اختار المواطنون أن يذهبوا.

حين تجذب صورةُ الفائز أنصارًا قبل فتح الصندوق



في نفس الركن