تشهد محاكم المملكة حالة من الترقب والتباطؤ الملحوظ في سير الجلسات، إثر قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة خطوتها الاحتجاجية المتمثلة في "التوقف الشامل عن ممارسة مهام الدفاع". ويعكس هذا الموقف عمق التباين في وجهات النظر بين الهيئات المهنية ووزارة العدل بشأن معالم الإصلاح القضائي الجاري.
ومع استمرار هذا الوضع، تبرز انعكاسات واضحة على السير العادي للمرافق القضائية، حيث تشهد العديد من القضايا وملفات المتقاضين تأجيلات متكررة، بما في ذلك بعض القضايا الاستعجالية وضمانات الموقوفين احتياطياً، وهو ما يضع التوازن بين سرعة الفصل في القضايا وضمانات المحاكمة العادلة في صدارة النقاش الحقوقي.
وفي قراءته لخلفيات هذا الاحتدام، أكد الأستاذ عزيز رويبح، نقيب هيئة المحامين بالرباط، في تصريح لـ"العلم"، أن ما تشهده الساحة المهنية اليوم يرجع بالأساس إلى طبيعة الخطاب الصادر عن وزير العدل تجاه مهنة المحاماة ومنتسيها، والذي اعتبره "خروجاً عن لغة الحوار والتقدير المتبادل المفترض بين الشركاء في منظومة العدالة".
وأوضح النقيب رويبح أن المحامين ليسوا هواة نضال أو محترفي توقفات عن العمل، بل يمارسون حقوقاً كفلتها لهم الوثيقة الدستورية للتعبير عن رفضهم القاطع لأي أسلوب يبخس من قيمة هذه الهيئة الدفاعية العريقة أو يمس برموزها، مضيفاً أن قرار مواصلة التوقف جاء بعد نقاشات مستفيضة داخل مكتب الجمعية، قُيمت خلالها كافة المعطيات المحيطة بمشاريع القوانين وبالمناخ المواكب لها، مؤكداً أن المحاماة لم تشهد في تاريخها ضغوطاً وإساءات مماثلة لما تواجهه في المرحلة الراهنة.
وفي لفتة إنسانية ومهنية، أقر النقيب بصعوبة هذا القرار ومواجع تدبيره، قائلاً: "نعلم جميعاً أن قرار التوقف ليس سهلاً وهو مؤلم للجميع، فالمتقاضي يواجه صعوبات حقيقية، والمحامون يعانون من تراكم الملفات، وكذلك السادة القضاة، لكن الأمر يتعلق اليوم بوجود مهنة المحاماة وصورتها الاعتبارية التي تضرب في مقتل عبر خطاب التبخيس". وأردف مستنكراً: "لا نرضى بأي حال من الأحوال أن يُجعل من المحاماة شماعة تُعلق عليها إكراهات ونواقص منظومة القضاء والعدالة".
وحول جوهر الخلاف التشريعي، سجل المتحدث ذاته أن الإشكال الحقيقي يتجاوز المضامين القانونية البحتة، مفصلاً بالقول: "المقتضيات التشريعية يمكن التفاوض والتواصل بشأنها والترافع حولها، لأننا نثق في دولتنا ومؤسساتنا، ونحترم الاختصاص الدستوري لوزير العدل كسلطة حكومية مكلفة بالتشريع وامتلاكه لمنظور خاص بالإصلاح، لكن الذي ليس من حقه هو الإساءة المستمرة للمهنة المنتسبة للعدالة".
وفي سياق النقد الذاتي، لم يفت نقيب الرباط التأكيد على أن المحامين يعترفون بوجود بعض النواقص والأعطاب المهنية التي توجد في كل القطاعات، مشدداً على أن الهيئة تواجهها بحزم، مستدلاً بالبرنامج الإصلاحي والقرارات الهامة التي اتخذتها هيئة الرباط في مجال التخليق وضمان جودة الأداء.
واختتم النقيب عزيز رويبح تصريحه بإرسال إشارات إيجابية نحو مؤسسات الدولة، مؤكداً أن الممارسة الاحتجاجية الحالية فرضت فرضاً لرد الاعتبار للمهنة، معرباً عن مراهنة المحامين الكبيرة على "حكمة مجلس المستشارين" الذي سيناقش المشاريع خلال اليومين المقبلين للأخذ بعين الاعتبار هذا المخاض، وكذا على "مؤسسة رئيس الحكومة" بالنظر لالتزاماته السابقة مع المحامين، تطلعاً لتجاوز هذه المحطة بما يضمن استقرار البلاد وسير العدالة بشكل طبيعي ومتوازن.
وفي سياق متصل، وفي إطار حرص "العلم" على رصد كافة الآراء والتوجهات المهنية، حاولت الجريدة التواصل مع عدد من المحامين المنتسبين لهيئة الدار البيضاء، غير أن غالبيتهم فضلوا عدم الإدلاء بتصريحات فردية، محيلين الأمر على نقيب الهيئة الأستاذ محمد حسي للتعقيب باسم الإطار المهني، وهو الأمر الذي سعت إليه الجريدة بكل الوسائل لكن دون جدوى بسبب تعذر التواصل مع النقيب.
وفي مقابل ذلك، أكدت مصادر مهنية متطابقة لـ"العلم" أن الموقف من خطوة "التوقف الشامل" يشهد تبايناً في التنزيل؛ إذ في الوقت الذي تتشبث فيه هيئة الرباط بالمقاطعة التامة، فإن زملائهم بهيئة الدار البيضاء يواصلون ممارسة مهام الدفاع وتأمين حضور الجلسات بالمحاكم إلى حدود اليوم، مما يفتح النقاش حول مدى إمكانية توحيد الموقف النضالي لجمعية الهيئات في قادم الأيام.
2026 يونيو/جوان 23 - تم تعديله في
[التاريخ]
تباين في ردود الفعل حول إضراب المحامين وهيئة الدار البيضاء تتمرد
رويبح: نضالنا خطوة اضطرارية لرد الاعتبار للمهنة
*العلم: نهيلة البرهومي*
في نفس الركن
{{#item}}
{{/item}}
{{/items}}