2026 أغسطس/أوت 1 - تم تعديله في [التاريخ]

ترامب للملك محمد السادس: السيادة المغربية على الصحراء محسومة… والحكم الذاتي هو الأساس الوحيد للحل

واشنطن تدعو إلى إنهاء النزاع «الآن» وتفتح باب الاستثمار الأمريكي في الصحراء… وشراكة استراتيجية جديدة تشمل الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع وأمن الساحل..


برقية تهنئة تتجاوز بروتوكول عيد العرش


*بقلم: بوشعيب حمراوي*

لم تكن البرقية التي بعث بها الرئيس الأمريكي دونالد ج. ترامب إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، مجرد رسالة تهنئة بروتوكولية تفرضها الأعراف الدبلوماسية بين رئيسي دولتين تجمعهما علاقات تاريخية عريقة، بل حملت في مضمونها رسائل سياسية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية بالغة الأهمية، وفي مقدمتها موقف أمريكي واضح وحاسم بشأن قضية الصحراء المغربية، ومستقبل النزاع الإقليمي المفتعل، وطبيعة الشراكة التي تريد واشنطن بناءها مع الرباط خلال المرحلة المقبلة.

فالبرقية الرئاسية الأمريكية انتقلت من استحضار التاريخ الطويل للصداقة المغربية الأمريكية، إلى تأكيد الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، ثم إلى اعتبار المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الوحيد للتوصل إلى حل، قبل أن تذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى إنهاء النزاع الآن، والإعلان عن العمل لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع المغرب، بما في ذلك داخل الأقاليم الجنوبية للمملكة.

إنها، بهذا المعنى، برقية تختصر رؤية أمريكية متكاملة للمغرب: حليف تاريخي، وشريك أمني، وفاعل في استقرار المنطقة، وبوابة اقتصادية واستراتيجية نحو إفريقيا والساحل، ودولة تريد واشنطن تطوير تعاون طويل الأمد معها في قطاعات المستقبل.

«الولايات المتحدة واضحة»… لا غموض في الموقف من الصحراء المغربية

أقوى ما جاء في البرقية هو الصياغة المباشرة التي اختارها الرئيس الأمريكي عندما خاطب جلالة الملك قائلاً إن «الولايات المتحدة واضحة»، قبل أن يؤكد اعتراف بلاده بسيادة المغرب على الصحراء ودعمها للمقترح المغربي للحكم الذاتي الجاد وذي المصداقية والواقعي باعتباره الأساس الوحيد للتوصل إلى حل عادل ودائم.

وتكمن أهمية هذه العبارة في أنها لا تترك مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فالحديث لم يعد فقط عن اعتبار الحكم الذاتي مقترحاً «جاداً وذا مصداقية وواقعياً»، وهي الصيغة التي أصبحت تتكرر في مواقف عدد متزايد من الدول، وإنما عن اعتباره «الأساس الوحيد» للحل.

وهذه الإضافة تحمل ثقلاً سياسياً واضحاً، لأنها تعني أن واشنطن لا تضع المبادرة المغربية ضمن مجموعة من الخيارات المتساوية، وإنما تعتبرها الطريق الواقعي الذي ينبغي أن تُبنى عليه التسوية النهائية.

كما أن تجديد الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، في رسالة صادرة عن الرئيس ترامب نفسه خلال ولايته الحالية، يكرس استمرارية موقف واشنطن ويؤكد أن القرار الأمريكي الذي اتخذ في دجنبر 2020 لم يكن مجرد لحظة سياسية عابرة.

«يجب أن ينتهي هذا النزاع الآن»… العبارة الأقوى في البرقية

لكن الجديد الأكثر دلالة ربما يوجد في العبارة التي شدد فيها الرئيس الأمريكي على أن أي مسار آخر من شأنه إطالة الوضع القائم، وأن ذلك «غير مقبول»، قبل أن يضيف بوضوح شديد: «يجب أن ينتهي هذا النزاع الآن».عبارة قصيرة، لكنها ثقيلة في ميزان السياسة والدبلوماسية.

فواشنطن لا تعلن فقط موقفها من طبيعة الحل، وإنما تعبر عن رفض استمرار النزاع إلى أجل غير محدد، وتعلن أنها ستواصل الدفع نحو إحراز تقدم لتحقيق هدف إنهائه.

وهو تحول مهم في اللغة السياسية، لأن السؤال لم يعد، وفق منطق البرقية، متعلقاً بالبحث عن صيغة جديدة للحل بقدر ما أصبح متعلقاً بكيفية الانتقال من المقترح المغربي الموجود فوق الطاولة إلى تسوية سياسية نهائية.

ومن هنا يمكن قراءة الرسالة الأمريكية باعتبارها دعوة إلى الأطراف المعنية بالنزاع وإلى المجتمع الدولي من أجل تجاوز إدارة الأزمة إلى البحث الجدي عن إنهائها.

الصحراء تدخل صراحة دائرة الاستثمار الأمريكي

وإذا كان الموقف السياسي من السيادة المغربية مهماً، فإن البعد الاقتصادي الوارد في البرقية لا يقل أهمية، وربما يكون من أكثر أجزائها استشرافاً للمستقبل.

فالرئيس ترامب أبلغ جلالة الملك بأنه كلف فرقه بالعمل من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع المغرب، «بما في ذلك في منطقة الصحراء الغربية».

وهنا تنتقل واشنطن، في الخطاب على الأقل، من الاعتراف السياسي إلى الحديث الصريح عن العمل الاقتصادي والتنموي في المنطقة.

ذلك أن الاستثمار والتنمية والمشاريع الاقتصادية ليست مجرد أرقام ومعاملات تجارية، بل يمكن أن تتحول إلى أدوات لترجمة المواقف السياسية إلى مصالح وشراكات قائمة على الأرض.

وكلما ارتبطت شركات أمريكية ومصالح اقتصادية ومشاريع استراتيجية بالأقاليم الجنوبية المغربية، أصبح الاعتراف السياسي أكثر اتصالاً بالواقع الاقتصادي والاستراتيجي.

من الطاقة إلى الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع

واللافت أيضاً أن الرئيس الأمريكي لم يتحدث عن تعاون اقتصادي تقليدي محدود، وإنما حدد مجموعة من القطاعات الاستراتيجية التي تشكل اليوم قلب المنافسة الدولية على النفوذ والقوة والتكنولوجيا.

فالبرقية تحدثت عن التكنولوجيا والابتكار الأمريكيين، وعن شراكة تشمل بصورة خاصة الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع. واختيار هذه القطاعات ليس تفصيلاً ثانوياً.

فالذكاء الاصطناعي أصبح أحد أهم ميادين التنافس العالمي، والمعادن النادرة تحولت إلى عنصر أساسي في الصناعات التكنولوجية والدفاعية والطاقات الجديدة، بينما يشكل الأمن الطاقي والصناعات الدفاعية محورين مركزيين في إعادة تشكيل التحالفات الدولية.

وهذا يضع المغرب أمام فرصة استراتيجية للانتقال بعلاقته الاقتصادية مع الولايات المتحدة من التعاون التجاري التقليدي إلى بناء شراكات صناعية وتكنولوجية متقدمة، خصوصاً إذا اقترنت هذه الرؤية باستثمارات أمريكية فعلية وبنقل للتكنولوجيا وبإقامة منظومات إنتاج داخل المغرب.

المغرب شريك في أمن الساحل وليس مجرد حليف ثنائي

كما حملت البرقية بعداً إقليمياً بالغ الدلالة عندما أكد الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة والمغرب سيعملان معاً لضمان أمن منطقة الساحل.

وهذه الإشارة تمنح المغرب موقعاً يتجاوز حدود العلاقة الثنائية مع واشنطن، لتضعه ضمن التصور الأمريكي للاستقرار الإقليمي في شمال وغرب إفريقيا.

فمنطقة الساحل تواجه تحديات متشابكة ترتبط بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والأسلحة والمخدرات، إضافة إلى التنافس الدولي المتزايد على النفوذ والموارد.

وبالتالي فإن اختيار المغرب شريكاً في هذا المجال يعكس الثقة في قدرته على لعب دور يتجاوز حدوده الجغرافية، اعتماداً على تجربته الأمنية وعلاقاته الإفريقية وموقعه الاستراتيجي.

ترامب يشيد بقيادة الملك ودور المغرب في السلام ومكافحة التطرف

البرقية تضمنت كذلك إشادة مباشرة بقيادة جلالة الملك محمد السادس، إذ وصف الرئيس الأمريكي القيادة الملكية بأنها ركيزة للاستقرار، وربط قيمة الشراكة المغربية الأمريكية بالتزام المملكة بالعمل من أجل السلام ومكافحة التطرف وحماية أمن المواطنين الأمريكيين والمغاربة.

كما استحضر ترامب الدور المغربي في اتفاقيات أبراهام، في تأكيد جديد على المكانة التي تمنحها واشنطن للمغرب داخل هندسة علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية.

وهذه الإشادة لا يمكن فصلها عن المسار الذي راكمه المغرب خلال السنوات الماضية في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، والتعاون الأمني والاستخباراتي، والوساطة والحوار، وبناء علاقات متوازنة مع قوى دولية وإقليمية مختلفة.

250 عاماً… حين يلتقي التاريخ بالمستقبل

ومن أقوى الرموز التي حملتها البرقية الربط بين احتفال الولايات المتحدة سنة 2026 بمرور 250 عاماً على استقلالها وبين الصداقة التاريخية مع المغرب.

فالعلاقات المغربية الأمريكية ليست وليدة التحولات الراهنة، وإنما تمتد إلى البدايات الأولى للدولة الأمريكية، وهو رصيد تاريخي تستحضره واشنطن والرباط باستمرار باعتباره أساساً لشراكة استثنائية.

لكن ترامب لم يكتف باستحضار الماضي، بل تحدث أيضاً عن الـ250 عاماً المقبلة، في إشارة رمزية واضحة إلى الرغبة في نقل العلاقة من ذاكرة التاريخ إلى صناعة المستقبل.

والمعنى السياسي هنا مهم: العلاقات القوية بين الدول لا تستمر بالذكريات وحدها، وإنما تتحول قوتها التاريخية إلى قيمة حقيقية عندما تنتج مصالح اقتصادية وأمنية وتكنولوجية مشتركة.

رسالة إلى خصوم الوحدة الترابية المغربية

ولا شك أن مضمون البرقية ستكون له أصداء تتجاوز العلاقات المغربية الأمريكية، لأن تأكيد رئيس الولايات المتحدة شخصياً الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، واعتبار الحكم الذاتي الأساس الوحيد للحل، والدعوة إلى إنهاء النزاع الآن، ثم الحديث عن التنمية والاستثمار داخل الصحراء، كلها رسائل ستقرأ بعناية من طرف مختلف الأطراف المعنية بالملف.

وهي رسالة خاصة إلى كل من لا يزال يراهن على إطالة عمر النزاع أو إعادة عقارب الملف إلى الوراء، مفادها أن الزمن السياسي والدبلوماسي يتحرك، وأن استمرار الوضع القائم لم يعد في نظر واشنطن خياراً مقبولاً.

وإذا أضيف هذا الموقف إلى التحولات المتراكمة التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه لم يعد فقط حول الدول التي ستدعم المبادرة المغربية، وإنما حول السرعة التي يمكن أن يتحول بها هذا التراكم الدولي إلى دينامية حقيقية نحو التسوية النهائية.

من الاعتراف بالسيادة إلى بناء واقع اقتصادي واستراتيجي جديد

تكمن القيمة الحقيقية لبرقية الرئيس دونالد ترامب إلى جلالة الملك محمد السادس في أنها جمعت داخل وثيقة واحدة بين السيادة والحكم الذاتي وإنهاء النزاع والاستثمار في الصحراء وأمن الساحل والطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع.
وهذا الجمع هو الذي يجعلها تتجاوز حدود برقية تهنئة بمناسبة وطنية.

فالمرحلة المقبلة قد تكون مرحلة اختبار ترجمة هذه الكلمات إلى سياسات ومشاريع وقرارات ملموسة، وخاصة ما يتعلق بالاستثمارات الأمريكية داخل الأقاليم الجنوبية وتعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والدفاعي، والدفع الدبلوماسي باتجاه إنهاء النزاع.

لقد كانت العبارة الأمريكية المركزية واضحة: الحكم الذاتي هو الأساس الوحيد للحل، وإطالة الوضع القائم غير مقبولة، والنزاع يجب أن ينتهي الآن.

أما الرسالة الأبعد مدى، فهي أن واشنطن تبدو راغبة في أن تجعل من علاقتها بالمغرب شراكة تمتد من تسوية ملف الصحراء إلى أمن الساحل، ومن الاقتصاد إلى الدفاع، ومن الطاقة إلى الذكاء الاصطناعي والمعادن الاستراتيجية.

وبذلك قد لا تكون برقية عيد العرش مجرد تجديد لموقف أمريكي معروف، بل إعلاناً عن بداية مرحلة يراد فيها الانتقال من الاعتراف السياسي بالسيادة المغربية على الصحراء إلى بناء المصالح والاستثمارات والشراكات التي تترجم هذا الاعتراف على أرض الواقع.



في نفس الركن