التفاصيل المرتبطة بهذه الأحداث تكشف عن أن المغرب يواجه تحديات كبرى في ثلاث جبهات ديبلوماسية مفتوحة في توقيت دقيق جداً تمتحن قدرة المغاربة على تدبير وضعية جوار جد معقدة بما يحفظ التوازنات الجهوية دون التفريط في مصالحه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجيواستراتيجية، ما يكشف فرض العامل الجغرافي لإيقاعه الصارم في توقيت دقيق جداً تتقاطع فيه الحسابات الجيواستراتيجية مع حقائق المصالح القطرية.
ويمكن القول، إن الصعود المغربي المتواصل كقوة إقليمية وجهوية لها امتدادات قارية ودولية كانت ولا تزال له تداعيات على المغرب وعلى محيطه الجهوي والدولي؛ لأن أطرافاً كثيرة بما فيها قوى دولية لا تنظر بعين الرضى والاطمئنان إلى هذا الصعود اللافت، وهي لا تذخر جهداً في التشويش عليه والحد من آثاره ومحاولة توقيفه وتعطيل مساره.
إن التوقيت المتزامن في السخونة الشديدة للواجهات الثلاث التي وجد المغرب نفسه في مواجهتها، يعيد طرح السؤال المشروع الذي لا يملك أحد جواباً مقنعاً عنه، ولكن البعض يملك عناصر أولية لهذا الجواب. ذلك أن التطورات المرتبطة بهذه الجبهات تبدو منفصلة من حيث الشكل، وأن التفسير السطحي لها يوحي بأن الأمر يتعلق بخلافات تقليدية معتادة في جوار دائم التعقيد. لكن من حيث الجوهر فإن الأمر يتعلق في حقيقته بمنعرج تاريخي في المنطقة برمتها يتجه بها نحو إعادة ترتيب توازنات القوى.
هكذا يبدو أن الجارة الشمالية تفطنت أخيراً إلى الوضع الاستعماري الأشد في سبتة ومليلية المغربيتين والجزر التابعة لهما، واضطر ملكها للقيام بزيارة للمدينتين لإثارة حفيظة المغاربة في هذا التوقيت الصعب. وقبل ذلك أصرت مدريد على فرض فهمها وتعاملها مع ظاهرة الهجرة، والذي يرتكز على أن الشراكة مع المغرب في هذه القضية لا يتجاوز سقف قيام المغرب بدور الدركي الذي يحمي إسبانيا، وهي شراكة مملاة على المغرب وإن تطلب ذلك الابتزاز والضغط والإكراه.
في نفس التوقيت لم يكن عادياً أن تحيي الجارة الجنوبية موريتانيا الحديث عن ترسيم حدودها مع المغرب. فقد فضح تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الأخير الذي عرض أمام مجلس الأمن الدولي حقيقة مفاجئة مفادها أن الحكومة الموريتانية طرحت خلال المباحثات المتعلقة بالنزاع المفتعل في الصحراء المغربية في شهر فبراير الماضي مقترح تشكيل لجنة لترسيم الحدود النهائية والدائمة للصحراء المغربية، بما يكفل وضوح المعطيات الترابية قبل التوصل لأي تسوية نهائية للنزاع المفتعل في الصحراء المغربية. مع الإقرار بأن هذا التطور لا يمثل خطوة معادية للمغرب بالوضوح الكامل من طرف الجارة الجنوبية، بالنظر إلى الزخم الإيجابي الكبير الذي تعرفه العلاقات المغربية الموريتانية، إلا أن توقيت طرح هذا الموضوع تزامناً مع تطورات أخرى يعطي للمغاربة شرعية التساؤل عن الهدف الحقيقي منه، خصوصاً حينما نستحضر أن موريتانيا أعلنت في رسالة وجهتها للأمين العام للأمم المتحدة في 20 غشت 1974 عن تخليها عن مطالبها في الصحراء المغربية.
من جهة ثالثة يتواصل الخلاف المغربي الجزائري ممتداً في الزمن منذ عقود طويلة؛ فالعلاقات بين البلدين مشلولة منذ عشرات السنين، ولا يفتأ النظام الجزائري عن الإبداع في أشكال وأنماط عداء مزمن للمغرب. وفي الحقيقة فإن الخلاف حول النزاع المفتعل في الصحراء المغربية ما هو في حقيقته إلا تغطية عن تنافس حاد وشديد حول النفوذ في شمال أفريقيا والساحل الأفريقي، وأن النظام الجزائري ظل مهووساً حد المرض بالزعامة والريادة والقيادة في المنطقة.
تزامن هذه التطورات يوحي من حيث الشكل على الأقل أن المغرب يواجه تطويقاً جغرافياً، مما يكشف أن بلادنا أمام لحظة دقيقة تتميز بتعدد الجبهات، وهو الأمر الذي يطرح قضية الجبهة المغربية الداخلية التي يجب أن تتحصن في هذه الظروف الدقيقة بالوحدة والتعبئة والفعالية. وأن التطورات السياسية الداخلية بما تتميز به من تعدد واختلاف وتجاذب لا تقبل أن تغفل التحديات الخارجية، ونقصد أساساً جهود التطويق والإضعاف التي تبذلها دول الجوار ضد المغرب والمغاربة.
عبد اللّه البقالي