Quantcast
2026 يناير 24 - تم تعديله في [التاريخ]

تعليم بلا قيم… وطن بلا مستقبل

على هامش اليوم الدولي للتعليم


تعليم بلا قيم… وطن بلا مستقبل
العلم الإلكترونية - بقلم بوشعيب حمراوي
 
بمناسبة اليوم الدولي للتعليم،الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم 24 يناير من كل سنة. لا نحتاج إلى خطبٍ مزخرفة ولا إلى بلاغات مطمئنة. نحتاج إلى مواجهة صادقة مع أنفسنا ومع أنظمتنا التربوية. مع العلم أن معظم الدول لا تهتم به. وتتركه يمر مرور السحاب العابر. لدى وجب علينا طرح أسئلة جوهرية دون خوف أو تزييف: هل نُصلح التعليم فعلًا، أم أننا نعيد إنتاج العطب نفسه بعناوين جديدة؟. وهل نريد تعليمًا يحرّر العقول أم تعليمًا يُدجّنها؟. وهل نطمح إلى أجيالٍ تُبدع وتبتكر، أم نكتفي بأجيالٍ تستهلك وتتبَع؟ التعليم ليس بناية إسمنتية، ولا مقررات متراكمة، ولا امتحانات مصيرية مشكوك في قيمة محتواها و نزاهتها. التعليم مشروعُ إنسان، ومشروعُ وطن. وحين يُختزل التعليم في الحفظ الأعمى أو في سباق النقط والشهادات، يتحول من رافعة للتحرر إلى أداة للضبط والسيطرة الناعمة. فأيُّ تعليمٍ متاح اليوم؟. في واقع كثير من الدول، تعليمٌ متفاوت الجودة، يكرّس الفوارق بدل تقليصها. مدارس تُكدّس بالأطفال، مناهج تُرهقهم دون أن تُنمّي عقولهم، و فضاءات تُقمع فيها الأسئلة بدل أن تُشجَّع... كتب ودفاتر وأقلام.. تتقل كاهل الممدرسين، منذ صغرهم. وساعات طوال في تحصيل لا بمكن أن يحصل. لأنه لا يمكن صب سطل من المعلومات المتوفرة لدى المدرس، داخل قنينة صغيرة (عقل المتلقي الصغير). فالمدرس لا يهتم بكتلة المعلومات التي تتدفق خارج عقل المتلقي. مادام ملزما بعدم تجاوز الساعات المحددة لكل درس. والمتلقي لا يحصل على كل المعلومات اللازمة للفهم والاستيعاب. ويستمر الوضع طيلة سنوات الدراسة. مما يفقد المتلقي فرص التعلم والتمكين. 
 
ويزيد الوضع تفاقما، عندما يتم صعود المتلقي لمستوى دراسي أكثر. حيث المناهج والبرامج الدراسية أكثر صعوبة. وتتطلب التحصيل القبلي لما سبق. فلا يمكن لمصباح يشتغل ب220 فولت. أن يشتغل ب1000 فولت. وطبعا فالنتيجة ليست فشلا في التعلم. ولكن انفجارا قد يلحق بالمتلقي أضرارا نفسية وعضوية. تجعله يكره التعليم والتعلم. للأسف،تعليمٌ يُقاس بكمّ المعلومات لا بقدرة المتعلم على التفكير، التحليل، والاختيار الأخلاقي في الحياة العامة. 
 
فأيُّ إصلاحٍ يُسوَّق لنا؟ .. خطط، مخططات، رؤى، واستراتيجيات تتغيّر أسماؤها كل بضع سنوات، بينما الجوهر واحد. غياب رؤية واضحة، ضعف تكوين المدرّس، هشاشة الحكامة، وقطيعة المدرسة مع المجتمع وسوق الشغل والقيم.
 
وهنا يفرض نفسه السؤال الأكثر إزعاجًا: هل بعض الأنظمة صادقة حقًا في رغبتها بإصلاح التعليم؟ أم أنها تفضّل ترسيخ الجهل والأمية لضمان السيطرة؟
 
التاريخ يُجيب بوضوح: حين يُقصى التفكير النقدي، ويُفرَّغ التعليم من القيم، يصبح المجتمع هشًّا، سهل التوجيه، قابلًا للاستلاب.تعليم بلا مواطنة يُنتج لا مبالاة، تعليم بلا أخلاق يُنتج فسادًا، تعليم بلا حرية يُنتج خوفًا.
 
التعليم حقٌّ أصيل ومسؤوليةٌ عامة، و حرمان الأطفال والشباب من تعليم جيد ليس فشلًا تقنيًا فقط، بل فشل أخلاقي وإنساني.ملايين الأطفال خارج المدرسة، ومئات الملايين من الكبار أميّون، محرومون من أبسط حقوقهم. ولهذا فإن الحديث عن إصلاح التعليم لا ينبغي أن يبقى حبيس المؤتمرات، بل يجب أن ينتقل إلى الفعل اليومي.
 
يجب أن ينتقل من التنظير إلى الفعل، والإصلاح يبدأ من البيت، وإذا كان إصلاح التعليم مسؤولية الدولة، فإن إنقاذ المتعلّم يبدأ من الأسرة.
 
أخي .. أختي : هناك خمس ركائز أساسية، إذا وُضعت في مرحلة التعليم الابتدائي، كنتَ قد وفّقتَ فعلًا في تأهيل ابنك أو ابنتك لمسارٍ تعليميٍّ ناجح ومتوازن. 
 
أولًا: تربية حسنة وفق التعاليم الإسلامية السمحة
 
التعليم بلا قيم بناءٌ بلا أساس. تربية الطفل على الصدق، الأمانة، الاحترام، الرحمة، وحبّ الخير للغير، ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء إنسان مسؤول. 
 
ثانيًا: صقلُ ملكوت الحفظ منذ الصغر
 
الحفظ هو الوقود الأول للعقل.الطفل بطبيعته قادرعلى الحفظ منذ سنواته الأولى، وكلما تقدم في العمر وجب أن تتوسع هذه الملكة لديه. عندما ترى طفلًا يحفظ القرآن كاملًا، فلا تعتبره معجزة؛ ذلك هو العقل الطبيعي إذا وُجِّه التوجيه السليم. 
 
ثالثًا: التربية الذهنية قبل تكديس المقررات
 
العقل يحتاج تدريبًا يوميًا: خيال، ألغاز، أحاجي، مسائل علمية والحساب الذهني.. 
 
ومن الضروري منع الآلة الحاسبة عن الأطفال إلى غاية الإعدادي والتأهيلي. 
 
الطفل الذي يُجري عمليات حسابية كبيرة ذهنيًا ليس استثناءً، بل نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه أي طفل إذا رُوِّض عقله على التفكير. فالتربية الذهنية هي رياضة لتقوية وتنشيط عضلات الدماغ. وجعله يتلقى باقي الدروس والبرامج الدراسية. 
 
رابعًا: تلقين اللغات في المراحل الأولى
 
اللغات لا تُؤجَّل، كلمتان يوميًا بعدة لغات (العربية، الأمازيغية، الفرنسية والإنجليزية ...)، في السنوات الأولى للتعليم الأولى أو الابتدائي، تمكنك الطفل من رصيدً لغويً مهمً. في ظرف سنة واحدة مثلا يمكنه الحصول على 730 كلمة بعدة لغات. دعه يتحدث، يرتجل بها، يخطئ ويتعلم.. إلى أن يتمكن..وعندما يدرس القواعد لاحقًا، سيجد أساسًا متينًا يسهّل عليه الفهم ويزرع الشغف في نفسه. 
 
خامسًا: التربية البدنية… شرط التوازن
 
لا عقل متوازن دون جسد سليم.برنامج بسيط: الجري، الحركات الرياضية، أو أي رياضة يحبها الطفل.الرياضة تُنمّي الانضباط، التركيز، الثقة بالنفس، وتُخفّف التوتر الذي يقتل الرغبة في التعلم.
 
كما أن القائمين على التعليم، أن يهتموا صحة الممدرسين. بمتابعة أوضاعهم الصحية العضوية والنفسية. وضع سجل خاص (دفتر)، خاص بصحة كل تلميذ على مدى سنوات الدراسة وأوضاعه الاجتماعية. ووضع سجل أخر (دفتر)، خاص بكل مواهب و ميولات التلميذ الرياضية والإبداعية والثقافية. حيث يتم صقلها سنويا داخل المؤسسات التعليمية. بل يتجوب عدم تدريس التلاميذ كل اليوم. وترك نصف اليوم الثاني، للتربية والتكوين الثقافي والرياضي والمواطناتي.. بتحويل المؤسسات التعليمية إلى أندية ثقافية وفنية ورياضية.
 
اليوم الدولي للتعليم 2026: الشباب في قلب الإصلاح
 
الشباب ليسوا متلقين سلبيين، بل شركاء في صياغة المستقبل، هم نصف سكان العالم وأكثر، وقود التنمية والابتكار. ولا يمكن الحديث عن تعليم المستقبل دون إشراكهم في القرار، خاصة في زمن التحولات التكنولوجية العميقة التي تفرض إعادة التفكير في معنى التعليم وأدواته.
 
نريد تعليمًا، يعلّم كيف نفكّر لا ماذا نحفظ، يربط المعرفة بالقيم، يعيد الاعتبار للمدرّس، ويشرك التلميذ والشباب في القرار، كما يجعل من المدرسة فضاءً للحياة لا مصنعًا للشهادات.
 
في اليوم الدولي للتعليم، لنرفع الصوت عاليًا : نريد تعليمًا يحرّر الإنسان، لأن الأمم لا تُقاس بما تستهلكه، بل بما تُبدعه. 
 
ففي النهاية : تعليم بلا قيم يعني وطن بلا مستقبل

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار