2026 يونيو/جوان 3 - تم تعديله في [التاريخ]

تقرير: نجاح النموذج التنموي الجديد رهين بإحداث ثورة حقيقية في المدرسة العمومية والرفع في الإنفاق على البحث العلمي


العلم الإلكترونية - عزيز اجهبلي 
 
شخّص تقرير حديث، أصدره مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، تحت عنوان «خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد: ماذا تحقق وما الذي تعثر؟»، الوضع المركب والمتباين للمسار التنموي بالمغرب خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2021 و2026.
 
وأكد التقرير ذاته أنه بعد إطلاق النموذج التنموي الجديد، وعلى الرغم من استمرار المسار الاستراتيجي للمغرب، فإن الدولة تدخلت في مرحلة من مراحل التقدم من خلال العديد من الإصلاحات الهيكلية من أجل تحقيق أهداف هذا النموذج، لا سيما في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية. ولقد شكلت هذه الخطوة اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات العامة على ترجمة التوصيات والتوجهات الإستراتيجية إلى أفعال ملموسة قادرة على تحسين ظروف حياة المواطنين. 
 
وفي مقابل بعض المؤشرات الإيجابية التي رصدها التقرير في مجالات التغطية الصحية وتعبئة الاستثمار العمومي وتدفقات الاستثمار الأجنبي ومكتسبات اخرى مرصودة في قطاعي الأمن المائي والانتقال الطاقي، خصص التقرير حيزا وافيا لتشخيص الإخفاقات والانحرافات التي صاحبت تنزيل النموذج التنموي. وأكدت الوثيقة أن وتيرة النمو الاقتصادي المحققة ظلت دون مستوى الطموحات المرسومة البالغة 6 %، وتراوحت خلال السنوات الأخيرة بين 3 و4 %فقط، وهي نسبة عاجزة عن إحداث تحول هيكلي ينتج القيمة المضافة وفرص الشغل اللائقة. 
 
وأشار المصدر ذاته إلى استمرار أزمة بطالة حادة بلغت معدلاتها حوالي 13 %خلال سنة 2025، مع وجود أكثر من 1.6 مليون عاطل عن العمل، لاسيما في صفوف الشباب، حيث تتجاوز البطالة ثلث الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة، وبطالة الشباب الإجمالية تتخطى 37 في المائة، مع رصد أزيد من مليون ونصف مليون شاب مغربي خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل.
 
كما سجل التقرير استمرار تدني نسبة مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، والتي تعد من بين الأضعف عالميا بنحو 19 إلى 21% فقط، مقابل هدر معدل النشاط الاقتصادي الإجمالي الذي لم يتجاوز 43% سنة 2025. وانتقد التقرير بموضوعية محدودية أثر الإصلاحات على جودة الخدمات الأساسية كـالتعليم والصحة، فرغم توسيع قاعدة المسجلين في التأمين الإجباري عن المرض، فإن المعطيات الرقابية أبانت عن أن عدد المستفيدين الفعليين من التغطية الصحية لم يتجاوز 25.6 مليون شخص مع متم سنة 2024، أي بنسبة تغطية فعلية في حدود 70 %فقط، مع توجيه 90 %من نفقات التأمين نحو المصحات والمؤسسات الخاصة، وسط تحديات مقلقة ترتبط بالاستدامة المالية للمنظومة، ونقص الموارد البشرية حيث يبلغ المعدل 7.3 طبيب لكل 10 آلاف نسمة، مع هجرة ما بين 600 و700 طبيب سنويا نحو الخارج. 
 
وفي قطاع التعليم، نبه التقرير إلى تراجع جودة الكفايات التعلمية الأساسية مبرزا احتلال المغرب المرتبة 71 في الرياضيات و79 في القراءة و76 في العلوم من أصل 81 دولة مشاركة في تقييم 2022 PISA، حيث عجز 81 %من التلاميذ عن بلوغ الحد الأدنى من الكفايات الأساسية في القراءة، مع استمرار الهدر المدرسي بنحو 280 ألف حالة انقطاع سنويا، والتي تجاوزت 294 ألف حالة خلال الموسم الدراسي 2022-2023.
 
ولا تقتصر المشكلة على عدد الوظائف التي يتم إنشاؤها، ولكنها تتعلق أيضًا بطبيعتها وجودتها ومساهمتها الحقيقية في خلق الثراء. يجب أن يركز جزء مهم من الوظائف المولدة على القطاعات ذات الإنتاجية الضعيفة والقيمة الإضافية الضعيفة، أو في الأنشطة الموسمية والصحية التي لا توفر استقرارًا مهنيًا ولا تحقق إيرادات كافية للعاملين. وعلى العكس من ذلك، فإن القطاعات التي لديها القدرة على خلق الثراء وتوظيف المؤهلين، مثل الصناعة والتقنيات المتقدمة والاقتصاد الرقمي والاقتصاد الأخضر، لا تتنافس على لعب الدور المحرك الذي يؤدي إلى الإيقاع الضروري. ومن ناحية أخرى، يواصل القطاع الإعلامي استيعاب نسبة مهمة من الإنجازات الرئيسية، مما يحد من فعالية السياسة الاجتماعية، ويقلل من الأصول المالية، ويتيح الإنتاجية العالمية للاقتصاد الوطني.
 
ويظهر عجز خلق القيمة المضافة أيضًا كأحد المبادئ الأساسية غير الفعالة التي تؤدي إلى تحقيق أهداف النموذج التنموي الجديد، من خلال تقليص التقدم المسجل في بعض قطاعات الصناعة والخدمات، فإن بنية الاقتصاد المغربي قد تكون كبيرة اعتمادًا على أنشطة محدودة.
 
وتواجه إحدى التحديات الكبرى أيضًا إكراها في نموذج التنمية الجديد الذي يكمن في القدرة على تحويل نمو كمي إلى تأثيرات محدودة في نمو نوعي، وخلق ثراء، وقيمة إضافية، والتوظيف الدائم. 
 
ولا يتم تقييم نجاح النموذج إلا من خلال حجم الاستثمارات المحققة أو عدد المشاريع المنفذة، بالإضافة إلى اجتيازه القدرة على تحسين المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، بما في ذلك آليات التشغيل والتوظيف، وتحسين الإنتاجية، وتطوير القطاعات ذات القيمة المضافة، وتعزيز مناخ الأعمال بالإضافة إلى أن تثمين رأس المال البشري يشكل شروطًا أساسية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للنموذج التنموي الجديد، وبناء اقتصاد أكثر تنافسية وشمولاً واستدامة.
 
وخلص التقرير التقييمي لمركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي إلى صياغة حزمة من التوصيات الاستراتيجية العاجلة الرامية إلى تصحيح المسار التنموي، داعيا إلى الانتقال من اقتصاد النمو إلى اقتصاد التشغيل عبر إقرار ميثاق وطني ملزم يربط التحفيزات الممنوحة للمقاولات بعدد مناصب الشغل المحدثة وجودتها، وإحداث ثورة حقيقية في المدرسة العمومية، ورفع الإنفاق على البحث العلمي والابتكار إلى مستويات الدول الصاعدة، وإعادة هيكلة منظومة التكوين المهني وفق مهن المستقبل الصاعدة. وشدد المركز على ضرورة إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي باعتباره ركيزة الدولة الاجتماعية عبر توجيه استثمارات استثنائية لتأهيله، واعتماد مخطط استعجالي لوقف نزيف هجرة الكفاءات الطبية والتربوية، وإطلاق برنامج وطني مندمج لتمكين الشباب اقتصاديا واجتماعيا، ومراجعة السياسة الضريبية لبناء طبقة وسطى قوية وحمايتها من آثار التضخم، فضلا عن اعتماد عدالة مجالية فعلية في توزيع الاستثمار العمومي وربط الموارد بمؤشرات الهشاشة والفقر والبطالة.
 



في نفس الركن