العلم الإلكترونية - الرباط
لم تكن النسخة الخامسة والثلاثون من كأس أمم إفريقيا، التي يحتضنها المغرب إلى غاية 18 من الشهر الجاري، حدثاً كروياً عادياً يقتصر على التنافس داخل المستطيل الأخضر أو على جمالية الملاعب وحداثة البنية التحتية وجودة التنظيم. فخلف الأضواء، وفي صمت هندسي ذكي، فجّر المغرب ثورة تكنولوجية غير مسبوقة في عالم تهيئة الملاعب، جعلت اثنتين من أكبر القوى العالمية في التكنولوجيا والهندسة، الصين والولايات المتحدة الأمريكية، تتوقفان بإعجاب عند التجربة المغربية.
فبينما انشغل المتابعون بتقييم أداء المنتخبات ومستوى التحكيم، التفت الإعلام الصيني والأمريكي إلى تفصيل تقني بالغ الدقة، لكنه شديد الأثر: كيف حافظت الملاعب المغربية على جودة عشبها الاستثنائية رغم التقلبات المناخية القاسية، من أمطار غزيرة إلى تغيرات حادة في درجات الحرارة؟
السؤال قاد إلى اكتشاف السر… نظام “الدريناج” المتطور، الذي وُظّف بكفاءة وخبرة مغربيتين خالصتين.
نظام ذكي يتحكم في العشب والمناخ
يُعد نظام “الدريناج” الذي اعتمده المغرب نموذجاً متقدماً لتدبير المياه والرطوبة داخل أرضيات الملاعب. ويعتمد هذا النظام على شبكة هندسية متعددة الطبقات، تمتد تحت العشب الطبيعي، مكوّنة من قنوات تصريف دقيقة ومواد مسامية ذكية، تسمح بتصريف المياه الزائدة بسرعة قياسية عند هطول الأمطار، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بنسبة رطوبة مدروسة تضمن بقاء العشب في حالته المثالية.
ولا يتوقف الأمر عند التصريف فقط، بل يرتكز النظام على آليات استشعار ومراقبة رقمية تقيس نسبة الرطوبة ودرجة حرارة التربة بشكل مستمر، ما يسمح بالتدخل الفوري، سواء عبر إعادة توزيع المياه أو تحسين التهوية تحت الأرضية. والنتيجة: بساط أخضر متوازن، لا يتشقق في الحر ولا يتشبع بالماء في المطر، ويحافظ على استوائه وسرعة الكرة وجودة اللعب.
إشادة دولية واستثمار مستقبلي
هذه التقنية المبتكرة لم تمر مرور الكرام. فقد اعتبر الإعلام الصيني والأمريكي أن المغرب فتح أفقاً جديداً في تكنولوجيا الملاعب، ونجح في تقديم حل عملي وفعّال لتحديات لطالما أرّقت كبرى البطولات العالمية. وأجمعت تقارير متخصصة على أن هذا النظام، إذا ما تم تعميمه وتسويقه دولياً، قد يدر على المغرب عائدات مالية ضخمة، ويمنح خبراءه موقع الريادة في تجهيز الملاعب الخاصة بالتظاهرات الكبرى المقبلة.
وفي هذا السياق، أبدت الولايات المتحدة الأمريكية اهتماماً واضحاً بالتجربة المغربية، معبّرة عن رغبتها في التعاون مع الكفاءات المغربية لدراسة إمكانية اعتماد النظام ذاته في عدد من ملاعبها، خاصة تلك المخصصة للاستحقاقات الدولية.
بهذا الإنجاز، يؤكد المغرب أنه لم يعد فقط بلداً منظماً للتظاهرات الكبرى، بل مختبراً حقيقياً للابتكار الرياضي والتكنولوجي. فنجاح كأس إفريقيا لم يكن صدفة، بل ثمرة رؤية تجمع بين التخطيط، والجرأة في الابتكار، والثقة في الخبرة الوطنية.
وهكذا، وبينما تتواصل مباريات “الكان” فوق عشب مثالي، يكتب المغرب فصلاً جديداً في تاريخ كرة القدم العالمية… فصلاً عنوانه: عندما تتحول الملاعب إلى منصات للتفوق التكنولوجي.