2026 أبريل 16 - تم تعديله في [التاريخ]

ثرثرة آخر الليل: أثر الفراشة عاصفة وأثر "المدون" إعصار..


*العلم الإلكترونية: ذ. سعيد الوزان* 
"لا يوجد ما هو أكثر فظاعة وإهانة ومدعاة للكآبة مثل التفاهة"

. آنطون تشيكوف

في الماضي، كان التأثير يرتبط بالمنجز وطبيعة الأثر وقوة الوقع، فالمفكر يؤثر بكتبه، والفنان بإبداعه، والسياسي بعمق ثقافته ورصانة خطابه، وبمصداقيته وسمعته، أما اليوم، فقد شهدنا ولادة طبقة جديدة من "المؤثرين" الذين استمدوا سلطتهم من إتقان لعبة الخوارزميات الرقمية، حتى تحولت الشاشة الصغيرة من وسيلة تواصل إلى منصة لعرض حياة خاصة، تبدو مثالية في ظاهرها، غير أنها في جوهرها ليست إلا واجهة "نيون" تسويقية مصممة بعناية..

المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا، ولا في استخداماتها العديدة، بل في "تبضيع" الإنسان وتحويله إلى سلعة تباع وتشترى، فالمؤثر بوعي أو بدونه، يضطر لتحويل خصوصيته وميوله، وحتى لحظات ضعفه وهشاشته إلى "محتوى" قابل للبيع أو للرهن أو للكراء، والمقايضة هنا محسوبة بعدد اللايكات والمشاهدات..

هذا الاندفاع نحو الشهرة السريعة، هذا القفز الحر، وإن كان مقرونا بفضيحة، جعل التفاهة قيمة يتهافت عليها المتهافتون، كيف لا، وهي الأسرع انتشارا وذيوعا، والأكثر ملاءمة لثقافة ضحلة مصدرها "التيك توك" و"اليوتيوب"، ثقافة بئيسة لا تمنح العقل متسعا للتأمل والتفكير والنقد.

أخطر ما في الأمر هو تزييف الواقع، فالمتابع، وخاصة من الشباب اليافع وصغار السن، يجد نفسه محاصرا بتمثلات فوق واقعية، مشوهة ومبسترة للوجود وللآخر، تطوقه بسلطانها المزيف، فتنعكس على اختياراته وعلى تصوراته جميعها في شتى المناحي.. وبذلك، تتحول نعمة التكنولوجيا إلى نقمة، ضحيتها ليس فردا واحدا، بل أجيال بكاملها..

ولا يمكن سبر أغوار هذا المشهد دون التوقف عند نموذج "المؤثر المغربي" الذي بات يمثل حالة استثنائية في الضحالة الفكرية والمعرفية، إذ نزع "حلايقية" الأمس وأصحاب الفرجة الشعبية البسيطة وباعة "الخودنجال" في تحول سريالي صادم، جلبابهم القديم ليرتدوا قناع "صناعة المحتوى"، وبمباركة خوارزميات لا تفرق بين التبر والتراب، تحولت "الحلقة" من ساحات التراث العريقة إلى "بث مباشر" يستقطب الملايين، لا لتقديم فن رصين، بل لعرض "التشوه القيمي" وتبادل الشتائم والفضائح..

ومع ذلك، لا يمكننا أن نلقي بالرضيع مع ماء الغسيل كما يقول الإنجليز، فنقوم بإدانة الظاهرة بالكامل، لأنه وسط كل هذا الركام الرقمي، بقضه وقضيضه، ووسط كل هذا الزعيق والجلبة، بعجها وعجاجها، هناك أصوات استثمرت هذه الأدوات لنشر المعرفة وتبسيط العلوم ودعم القضايا الإنسانية العادلة، وإشاعة الأمل والذود عن حياض الجمال في معركة غير متكافئة ضد زراع اليأس وتجار الآلام..

وإذا كان هنالك من رهان، فإن الرهان الحقيقي يبقى معلقا على وعي المتلقي نفسه، فالحشود التي تمنح "اللايك" والاعتبار لمن لا يقدم محتوى رصينا نافعا، هي من تصنع من هؤلاء المؤثرين أساطير من ورق في آخر المطاف، وهي من ترفعهم إلى أعالي السماء نجوما، وهي من يجعل من الحمقى والسيكوباتيين رموزا وأيقونات..

 فما أحوجنا اليوم، لمواجهة النزيف، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة تعريف مفهوم "القدوة" و"النموذج" الذي صار مشوها مقلوبا، بحيث ندرك، أن قيمة "المؤثر الحقيقي" لا تقاس بعدد متابعيه، ولا بأرقام مشاهداته، بل بمدى الفائدة التي تترك أثرها في العقول والإدراك والوعي، لا في الانفعالات والجهالات والغرائز التي تغذيها الهواتف..



في نفس الركن