2026 أبريل 19 - تم تعديله في [التاريخ]

ثرثرة آخر الليل.. في نقد جماليات الهزيمة !


العلم - بقلم سعيد الوزان

نمت ذائقتنا الفنية ومن خلالها وجداننا الجمعي على الأغاني العربية الكلاسيكية بموسيقييها العظام وبمطربيها العمالقة الكبار ، غير أن المتأمل المحايد لهذا المخزون الفني الزاخر النفيس، سيكتشف هوة مظلمة سحيقة تفصل بين المشاعر الإنسانية في سياقها الطبيعي السوي، وبين ما كرسته هذه الأغنية من تمثلات متكسرة تبدو في جوهرها أقرب إلى "عاهات نفسية" وإلى اضطرابات شعورية مزمنة منها إلى إبداعات تعبيرية عن العواطف الإنسانية الطبيعية التي تجيش في الصدور ..

لقد تشكل الوجدان العربي المعاصر داخل شرنقة من الألحان والكلمات التي لم تر في الحب إلا حالة من الاستلاب الكلي، وإلا انزياحا قاسيا عن طباقه المعلوم بطباق آخر موهوم ، حيث لا يكتسب المحب شرعيته كعاشق سوى بقدر ما يستعرضه من تهالك نفسي وإذلال وخضوع وتلذذ بالانكسار ، أمام سطوة "الآخر" المستبد وما يقدمه من قرابين النحيب والبكاء على هيكل المحبوب ليرضى، في ابتهالات منكسرة ومحشرجة .. نسميها انتشاء وتطريبا ..

إننا أمام بنية فنية قامت على أنقاض ذات متشظية ، جريحة تنزف بألم ودونما انقطاع ، فالمحب في القصيدة العربية الكلاسيكية المغناة أو الطقطوقة الشعبية ليس كائنا يبحث عن التناغم، بل "ذات" تمارس على نفسها نوعا من المازوشية العاطفية، في طقس الكتارتيس التطهري الذي يحتفي بالألم والعذاب كقوة خالصة للصهر وللنقاء المفضي إلى الخلاص، حيث يتحول الهجر إلى "قدر" يُستعذب، والظلم إلى "سمة" تُستمرئ ، وحتى إنه يحتفى بها..
 
هذا النمط من العشق لا يعكس رغبة فطرية في التواصل، بل يجسد اضطرابا في تقدير الذات، حيث يفنى الفرد تماما حد الامحاء  لصالح "محبوب" متخيل، غالبا ما يتسم بصفات نرجسية حادة، يمنح ويمنع، يهب وينزع، يصل ويصد ويقطع ، في محاكاة مشوهة لعلاقة العبد بالسيد..  هذه الحالة من "التأليه" العاطفي ليست في حقيقتها سوى وجه مغبر واحد من عملة الكبت الاجتماعي، الذي لم يجد له من وسيلة أو منفذ للبوح غير تحويل العاطفة السامية الشفيفة إلى مرض سريري، يشار إليه بالضنى والسهر والذبول، وكأن الصحة النفسية نقيض الصدق الشعوري ومقابله الموضوعي المضاد..

هذا الاضطراب لم يتوقف عند حدود الغزل، بل انسحب بظلاله ليلقيها على التيمات الوطنية والسياسية، فالأغنية الوطنية في كثير من مفاصلها التاريخية لم تخرج عن هذا الإطار السيكولوجي المأزوم، فتتم الاستعانة بقاموس لغة "الفناء" و"الذوبان" للتعبير عن حب الأرض أو الإخلاص للزعيم المبجل المفدى ، وبدل أن يصبح الوطن عقدا اجتماعيا بين ذوات حرة مستقلة، بين مواطنين متساوين بندية .. أمام الحق وأمام الواجب، يمسي في الأغنية "معبودا " يطلب القرب بالدموع والفداء، تماما كما يطلب الحبيب الوصل بالتذلل على الأعتاب...
 
إنها دفقة شعورية واحدة تنطلق من "أنا" مهزوزة، تبحث عن كينونتها في الانصياع للقوة، سواء كانت قوة العشق أو قوة السلطة، مما جعل الأغنية أداة لترسيخ الهشاشة العاطفية بدل أن تكون قوة دفع نحو التحرر والوعي والمشاركة على قاعدة المساواة والعدل والإنصاف..

وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن الأغنية العربية، ورغم جمالياتها التطريبية الفائقة، نصبت رويدا ، بوعي وبدونه ، فخا وجدانيا واهما لأجيال وأجيال متعاقبة، حين أقنعتهم بأن الألم هو المعادل الموضوعي للحب، وأن الاضطراب هو الدليل الوحيد على عمق الشعور ، وأن المحبوب بالضرورة يعني القسوة والظلم مقابل المحب الخانع المكلوم ..
 
إن مراجعة هذا الإرث لا تعني إنكار قيمته الفنية، بل تعني تشريح تلك "الجماليات المشوهة" التي جعلت من العاهة النفسية أيقونة للجمال، وحرمت الإنسان العربي من ممارسة حبه وانتمائه بروح سوية، متصالحة مع ذاتها، وبعيدة عن طقوس التعذيب الذاتي التي سكنت حناجر المطربين .



في نفس الركن