Quantcast
2026 سبتمبر 8 - تم تعديله في [التاريخ]

ثمانية أيام بين صندوقين.. من يراقب الانتخابات حين ينشغل الصحفيون بمعركتهم؟

ثمانية أيام فقط تفصل بين انتخاب ممثلي الصحفيين وانتخاب أعضاء مجلس النواب، بل إن الاستحقاق المهني يقع في قلب الحملة التشريعية.. الكاتب "بوشعيب حمراوي" يسأل: من يراقب الانتخابات حين يصبح المراقب نفسه منشغلاً بصندوقه وتحالفاته ومعركته الداخلية؟


الكاتب "بوشعيب حمراوي"
الكاتب "بوشعيب حمراوي"

*بقلم: بوشعيب حمراوي*
15 شتنبر لاستحقاق الصحافة و23 شتنبر لاستحقاق الوطن.. فهل جاء تقارب الموعدين عفوياً، أم أنه قد يشتت انتباه الإعلام في اللحظة التي يحتاج فيها المغرب إلى صحافة أكثر يقظة؟

هناك مواعيد تُقاس بأيامها، وهناك مواعيد تُقاس بما تتركه من أثر في مستقبل المؤسسات والبلاد. وفي المغرب، نحن أمام تاريخين يفصل بينهما ثمانية أيام فقط: 15 شتنبر 2026، موعد انتخاب ممثلي الصحافيين المهنيين في المجلس الوطني للصحافة، و23 شتنبر 2026، موعد الانتخابات التشريعية التي ستفرز مجلساً جديداً، وتعيد رسم موازين الأغلبية والمعارضة، وتفتح الطريق أمام تشكيل حكومة ستشارك في تحديد المسار السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمملكة خلال المرحلة المقبلة.

ليس في الأمر انتقاص من أهمية الموعد الأول، ولا تقليل من شأن الجسم الصحفي ومؤسساته، لكن وضع الاستحقاقين على هذا القدر من التقارب يطرح سؤالاً جوهرياً: هل كان من الصائب استدعاء الصحفيين إلى معركة مهنية داخلية، بحملاتها وتحالفاتها وتنافساتها وحساباتها، في الوقت نفسه تقريباً الذي يُفترض أن يكونوا فيه بكامل تركيزهم واستقلاليتهم ويقظتهم لمواكبة أهم استحقاق سياسي وطني؟

* 23 شتنبر ليس موعداً انتخابياً عابراً

الانتخابات التشريعية ليست مجرد صناديق تُفتح، وأوراق تُحصى، ومقاعد تُوزع، بل لحظة يُعاد فيها ترتيب جزء أساسي من السلطة السياسية داخل البلاد.

في 23 شتنبر، سيحدد الناخبون تركيبة مجلس النواب، وستتضح على ضوء النتائج موازين الأغلبية والمعارضة. ووفق المقتضيات الدستورية، سيُعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، ثم تبدأ مرحلة جديدة في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتدبير ملفات التعليم والصحة والشغل والاستثمار والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية والإسكان والعدالة المجالية وغيرها من القضايا التي تمس الحياة اليومية للمغاربة.

لهذا، فإن الموعد الذي يُفترض أن يستأثر بأكبر قدر من اهتمام المجتمع والإعلام ليس موعد الأحزاب والمرشحين وحدهم، بل موعد المواطن نفسه.

والإعلام هنا ليس متفرجاً على الانتخابات، بل فاعل أساسي في صناعة الوعي الانتخابي، وحماية حق المواطن في المعلومة، وكشف كل ما قد يسيء إلى نزاهة التنافس. إنه مطالب بأن يكون داخل المعركة الوطنية، لا أن يغرق في معاركه وحدها.

خلال هذه المرحلة، لا يكفي أن تنقل الصحافة تصريحات الأحزاب، وتنشر صور التجمعات، وتعد تقارير عن الحملات. المطلوب أكبر من ذلك بكثير.

الإعلام مطالب بالإخبار الدقيق، والتحسيس بأهمية المشاركة، وشرح القوانين والمساطر، وعرض البرامج، ومقارنة الوعود بالحصيلة، واختبار صدقية الخطابات، ومنح المواطن ما يحتاج إليه حتى يميز بين مَن يحمل مشروعاً حقيقياً ومَن لا يملك سوى لغة انتخابية منمقة.

والمطلوب أيضاً أن تظل الصحافة يقظة أمام كل ما قد يمس سلامة الانتخابات؛ من استعمال المال والنفوذ والضغط على الناخبين، إلى توظيف الجمعيات والمرافق العمومية واستغلال الفئات الهشة، وصولاً إلى التضليل الرقمي والأخبار الكاذبة والتشهير وصناعة المعطيات الوهمية.

فالصحفي خلال الانتخابات ليس مجرد ناقل للحدث، بل عين تراقب، وأذن تسمع، وذاكرة تحفظ، وسؤال يلاحق كل ما يحاول البعض إخفاءه.

* من يراقب الانتخابات إذا انشغل المراقب بمعركته؟

هنا تظهر إشكالية تقارب الموعدين. حين ينشغل الجسم الصحفي باستحقاقه الخاص، فإن جزءاً من طاقته وتركيزه سيتجه، بصورة طبيعية، إلى الحملات المهنية والاجتماعات والاتصالات والتحالفات والتنافس بين المرشحين ومناقشة مستقبل المؤسسة المنظمة للمهنة.

ولا غرابة في ذلك، فهذه معركة مهنية مشروعة. لكن السؤال هو: هل كان ضرورياً أن تقع على بعد ثمانية أيام فقط من معركة انتخابية وطنية يُفترض أن تستنفر وسائل الإعلام والصحفيين؟

فالصحفي الذي يُفترض أن يراقب الأحزاب والمرشحين قد يصبح هو نفسه طرفاً في حملة انتخابية مهنية. والذي ينبغي أن يفرغ وقته للتحقيق والتدقيق والمتابعة قد يجد نفسه منهمكاً في تفاصيل استحقاق يخص قطاعه. والمنابر التي يُفترض أن تجعل الانتخابات التشريعية في صدارة أولوياتها قد تنشغل جزئياً بخلافات الجسم الصحفي وتكتلاته ومرشحيه ونتائج انتخاباته.

ولا يتعلق الأمر هنا بنية مفترضة، بل بنتيجة موضوعية قد يصنعها التقارب الزمني نفسه.

* 15 شتنبر مهم… لكن 23 شتنبر موعد الوطن

لا ينبغي وضع الموعدين في الميزان نفسه. استحقاق 15 شتنبر مهم لأنه يهم تمثيلية الصحفيين ومستقبل تنظيم المهنة وحماية استقلاليتها وحقوق العاملين فيها. أما استحقاق 23 شتنبر، فيتجاوز الجسم الصحفي إلى المجتمع برمته، ويتعلق بمستقبل المؤسسة التشريعية والحكومة والسياسات العمومية والقرارات التي ستؤثر في ملايين المواطنين.

لذلك، يتعين على الإعلام أن يتعامل مع الموعد الأول بجدية، من دون أن يسمح له بحجب الموعد الثاني أو استهلاك الجزء الأكبر من طاقته.

ففي 15 شتنبر يختار الصحافيون المهنيون ممثليهم، أما في 23 شتنبر فإن المغاربة يختارون أعضاء مجلس النواب، ويشاركون بأصواتهم في تحديد ملامح المرحلة السياسية المقبلة.

والإعلام خلال هذه المحطة ليس بوقاً للحملة ولا وكالة لتلميع المرشحين، بل ضمانة من ضمانات نزاهتها. مهمته أن يفتح النقاش، ويسائل البرامج، ويضع الحصيلة أمام الوعود، ويتيح للمواطن أن يختار على أساس المعرفة لا التضليل.

التسويق للمشاركة السياسية لا يعني التسويق للأحزاب، وتشجيع المواطنين على التصويت لا يعني دفعهم نحو اسم أو لائحة، ومواكبة الحملات لا تعني الاكتفاء بصور المرشحين وخطاباتهم.

الإعلام الحقيقي هو الذي يراقب الجميع بالمسافة نفسها، ويسائل الجميع بالصرامة ذاتها، ويضع مصلحة المواطن فوق كل اصطفاف مهني أو حزبي أو شخصي.

* ثمانية أيام فقط… مصادفة أم خطأ في ترتيب الأولويات؟

كان ممكناً، من الناحية الموضوعية، اختيار تاريخ أبعد لاستحقاق الصحافة، يمنح الجسم الإعلامي الوقت الكافي لخوض معركته المهنية، ثم التفرغ بكامل تركيزه لمهمته الوطنية في مواكبة الانتخابات التشريعية.

أما أن يفصل بين الموعدين ثمانية أيام فقط، وأن يأتي استحقاق الصحافة في قلب الحملة الانتخابية التشريعية الممتدة من 10 إلى 22 شتنبر، فهذا يجعل التساؤل أكثر مشروعية.

هل حُدد التاريخان بهذه الصورة من دون الانتباه إلى أثر هذا التقارب؟ وهل نحن أمام خلل في البرمجة وسوء تقدير لحجم الأدوار المنتظرة من الإعلام خلال الانتخابات؟ أم أن أحداً كان يدرك مسبقاً أن انشغال الصحفيين بأنفسهم وبمعاركهم وتحالفاتهم المهنية سيصرف جزءاً من طاقتهم عن مراقبة ما يجري في الحملة التشريعية؟

لا أملك جواباً، ولا أتهم أحداً، ولا أريد تحويل التساؤل إلى حكم جاهز. لكن السؤال يستحق أن يُطرح.

فحين يُطلب من الإعلام أن يكون عين المجتمع في أهم محطة انتخابية، يصبح من حقنا أن نسأل عن الحكمة في وضع استحقاقه المهني على بعد أيام قليلة من موعد الاقتراع.

والأهم الآن ألا يسمح الجسم الصحفي، مهما احتدت حملته المهنية، بأن تنحرف بوصلته عن الموعد الأكبر.

15 شتنبر يهم الصحافة… أما 23 شتنبر فيهم الوطن كله.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل جاء تقارب الموعدين مصادفة ومن دون تقدير كافٍ لتبعاته، أم أن وراءه حساباً آخر أراد أن ينشغل الإعلام بنفسه في اللحظة التي كان مطلوباً منه أن ينشغل أكثر بالبلاد؟

انتخابات الصحافة والبرلمان بفاصل ثمانية أيام
انتخابات الصحافة والبرلمان بفاصل ثمانية أيام

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار