2026 مارس 15 - تم تعديله في [التاريخ]

ثورة صامتة في التواصل بالمغرب

تراجع المكالمات الهاتفية لصالح التطبيقات الرقمية


بقلم: بوشعيب حمراوي

تكشف الأرقام الحديثة الصادرة عن الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات عن تحولات عميقة في طبيعة التواصل داخل المجتمع المغربي. فالمعطيات المتعلقة بسنة 2025 لا تقدم مجرد أرقام تقنية حول الهاتف والإنترنت، بل تعكس تحولاً ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً في طريقة تواصل المغاربة مع بعضهم البعض ومع العالم. إنها، في الواقع، ثورة صامتة تعيد رسم ملامح الحياة اليومية للمجتمع.
 
فقد بلغ مجموع زمن المكالمات الهاتفية الصادرة عبر الهاتف المحمول خلال سنة 2025 ما يقارب 40.90 مليار دقيقة، وهو رقم ضخم في ظاهره، لكنه يخفي تحولاً واضحاً، إذ سجل انخفاضاً بنسبة 12.55 في المائة مقارنة بسنة 2024. ويكشف هذا التراجع أن المكالمة الهاتفية التقليدية لم تعد الوسيلة المفضلة للتواصل كما كانت في الماضي، بعدما أخذت التطبيقات الرقمية والرسائل الفورية مكانها تدريجياً.
 
ويتأكد هذا التحول أكثر حين ننظر إلى معدل الاستعمال الشهري لكل مشترك، الذي تراجع بدوره بنسبة 15.1 في المائة ليستقر في حدود 58 دقيقة فقط شهرياً. أما بالنسبة للمشتركين في خدمة الدفع المسبق فقد انخفض معدل استعمالهم إلى 26 دقيقة شهرياً بعد أن كان 33 دقيقة سنة 2024، بينما تراجع لدى المشتركين في خدمة الدفع اللاحق إلى 261 دقيقة مقابل 305 دقائق في السنة السابقة.
 
هذه الأرقام تعكس بوضوح انتقال المغاربة من ثقافة المكالمة الهاتفية إلى ثقافة التواصل الرقمي عبر التطبيقات والرسائل الصوتية والمنصات الاجتماعية.
 
ولا يختلف وضع الرسائل النصية القصيرة كثيراً عن المكالمات الصوتية، إذ سجلت هي الأخرى تراجعاً ملحوظاً، حيث لم يتجاوز عدد الرسائل المرسلة خلال سنة 2025 1.54 مليار رسالة، بانخفاض سنوي قدره 16.46 في المائة. وهو ما يؤكد أن الرسائل النصية الكلاسيكية أصبحت في طريقها إلى الزوال أمام الرسائل الفورية عبر التطبيقات الرقمية.
 
في المقابل، يبرز الإنترنت كالفائز الأكبر في معادلة التواصل الجديدة. فقد بلغ عدد اشتراكات الإنترنت في المغرب 41.46 مليون اشتراك مع نهاية سنة 2025، ما رفع معدل الانتشار إلى 112.59 في المائة، أي أن عدد الاشتراكات يفوق عدد السكان تقريباً. وسجل هذا القطاع زيادة سنوية بلغت 3.09 في المائة، أي ما يعادل 1.24 مليون اشتراك إضافي خلال سنة واحدة.
 
أما الإنترنت عبر الهاتف المحمول فقد بلغ 38.52 مليون اشتراك، بزيادة سنوية قدرها 2.89 في المائة، وهو ما يعكس استمرار اعتماد المغاربة بشكل أساسي على الهاتف الذكي كوسيلة رئيسية للولوج إلى العالم الرقمي.
 
غير أن المعطيات الأكثر دلالة تتعلق بتطور شبكات الجيل الخامس. فقد بلغ عدد مستخدمي 5G حوالي 2.63 مليون مستخدم مع نهاية سنة 2025، بعد نشر أكثر من 9 آلاف موقع راديو لهذه الشبكة، في حين أصبحت حوالي 38 في المائة من الساكنة المغربية مغطاة بخدمات الجيل الخامس.
 
وفي المقابل سجل عدد مستخدمي الجيل الرابع انخفاضاً طفيفاً بنسبة 1.78 في المائة، أي ما يعادل تراجعاً بحوالي 610 آلاف مستخدم ليستقر العدد في حدود 33.74 مليون مستخدم. ويعكس هذا التحول بداية انتقال تدريجي نحو الجيل الجديد من الشبكات ذات السرعات العالية.
 
كما تكشف المعطيات عن تقدم ملحوظ في خدمات الإنترنت الثابت، خاصة عبر الألياف البصرية. فقد تجاوز عدد اشتراكات الإنترنت عبر الألياف إلى المنزل 1.4 مليون اشتراك مع نهاية سنة 2025، مسجلاً ارتفاعاً سنوياً كبيراً بلغ 32.87 في المائة، وهو ما يعكس إقبالاً متزايداً على خدمات الإنترنت عالية السرعة، خصوصاً وأن نحو 61 في المائة من هذه الاشتراكات تفوق سرعتها 50 ميغابِت في الثانية.
 
أما خدمة ADSL فقد استقرت عند 1.44 مليون اشتراك، مع الإشارة إلى أن حوالي 95 في المائة من هذه الخطوط تفوق سرعتها 12 ميغابِت في الثانية، ما يدل على تحسن نسبي في جودة الخدمة.
 
وفي ما يتعلق بالبنية السوقية للهاتف المحمول، فقد بلغ عدد الاشتراكات الإجمالي 59.16 مليون اشتراك، بزيادة سنوية قدرها 1.5 في المائة، أي بارتفاع بلغ حوالي 877 ألف اشتراك. وهو ما رفع معدل انتشار الهاتف المحمول إلى 160.65 في المائة، وهو مؤشر يدل على أن عدداً كبيراً من المواطنين يتوفرون على أكثر من خط هاتفي
 

وتظل الاشتراكات مسبقة الدفع هي الغالبة في السوق المغربية، إذ بلغت 50.90 مليون اشتراك، مقابل 8.26 ملايين اشتراك لاحق الدفع الذي سجل نمواً سنوياً ملحوظاً بنسبة 7.83 في المائة.
 
هذه الأرقام، رغم طابعها التقني، تكشف في العمق عن تحولات اجتماعية وثقافية كبيرة. فالمغاربة لم يعودوا يتواصلون بالطريقة نفسها التي كانوا يتواصلون بها قبل عشر سنوات فقط. لقد أصبحت الهواتف الذكية بوابات إلى عالم رقمي واسع يتجاوز مجرد المكالمة الهاتفية أو الرسالة النصية، ليشمل الاقتصاد الرقمي، والتعلم عن بعد، والخدمات الإلكترونية، والتواصل الاجتماعي، وحتى العمل.
 
غير أن هذا التحول الرقمي السريع يطرح في المقابل تحديات جديدة، تتعلق بالأمن الرقمي، وحماية المعطيات الشخصية، والفجوة الرقمية بين المدن والقرى، إضافة إلى ضرورة مواكبة هذا التطور بتربية رقمية تحصّن المجتمع، خاصة الشباب، من مخاطر الاستعمال غير الواعي للعالم الرقمي.
 
فالأرقام وحدها لا تكفي لقياس نجاح التحول الرقمي. النجاح الحقيقي يكمن في قدرة المجتمع على توظيف التكنولوجيا لخدمة التنمية، وتعزيز المعرفة، وتطوير الاقتصاد، دون الوقوع في فخ الاستهلاك الرقمي غير المنتج.
 
إن ما يحدث اليوم في المغرب ليس مجرد تطور تقني في وسائل الاتصال، بل هو تحول حضاري يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية وأنماط التفكير والعمل. وهو تحول يحتاج إلى سياسات عمومية متبصرة، وإلى وعي مجتمعي جماعي، حتى تتحول الثورة الرقمية من مجرد وسيلة للتواصل إلى رافعة حقيقية للتنمية والتقدم
 



في نفس الركن