Quantcast
2026 أكتوبر 10 - تم تعديله في [التاريخ]

جواب الإدارة من خلف الستارة..

حين يتحوّل السؤال عن الحق إلى رحلة في دهاليز الانتظار، تصبح الستارة أكثر من حاجز… بوشعيب حمراوي يطرق باب الإدارة بقصيدة تسائل الصمت وتطالب بوجه واضح للقرار.


الكاتب بوشعيب حمراوي
الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*

 
طرقتُ بابَ الإدارةِ ذاتَ صباحٍ،
وفي يدي ورقةٌ،
وفي صدري سؤالٌ،
وفي عينيَّ وطنٌ
علَّمني أنَّ الحقَّ لا يحتاجُ إلى وساطة،
وأنَّ القانونَ لا ينامُ
حين يستيقظُ المواطنُ باحثًا عن جواب.

دخلتُ...
كان البابُ مفتوحًا،
لكنَّ الطريقَ إلى الجوابِ مغلقٌ،
والوجوهُ كثيرةٌ،
والكراسيُّ أكثرُ من الوجوه،
والملفاتُ تنامُ فوق الرفوف،
كأنَّها جثثُ أحلامٍ
لم تجدْ مَن يكتبُ شهادةَ وفاتِها.

سألتُ الموظفَ:
أين جوابُ الإدارة؟
قال:
انتظرْ قليلًا...
فالمسؤولُ في اجتماع،
والاجتماعُ في انتظار اجتماع،
والقرارُ يحتاجُ إلى توقيع،
والتوقيعُ ينتظرُ التعليمات،
والتعليماتُ تأتي من فوق،
وفوقَ هذا الفوقِ
فوقٌ آخرُ
لا يعرفُه أحد!

عدتُ بعد أسبوع،
فقالوا:
الملفُّ في طور الدراسة.
عدتُ بعد شهر،
فقالوا:
ما زالت الدراسةُ جارية.
عدتُ بعد عام،
فوجدتُ الدراسةَ قد شاخت،
والملفَّ قد اصفرَّ،
والحبرَ قد جفَّ،
لكنَّ الجوابَ
ما زال طفلًا لم يولد!

سألتُ:
هل تحتاجُ الحقيقةُ
إلى كلِّ هذا الحملِ الطويل؟
وهل تحتاجُ كلمةُ «نعم»
إلى تسعةِ أشهرٍ من المخاض؟
وهل تحتاجُ كلمةُ «لا»
إلى لجنةٍ
تبحثُ عن شجاعةِ النطقِ بها؟

من خلفِ الستارةِ
جاءني صوتٌ
لا وجهَ له،
لا اسمَ،
لا توقيعَ،
ولا عنوان...
قال:
طلبُكَ غيرُ ممكن.
قلتُ:
ولماذا؟
قال:
هكذا تقرَّر!
قلتُ:
ومَن قرَّر؟
قال:
مَن له حقُّ القرار!
قلتُ:
وأين القانون؟
فسادَ الصمتُ...
ثم ارتجفتِ الستارةُ قليلًا،
كأنَّ الريحَ التي دخلتْ
كانت تخشى هي الأخرى
أن تطلبَ الإذن!

يا سادةَ المكاتب،
يا حرَّاسَ الأختام،
يا مَن جعلتم من الكرسيِّ عرشًا،
ومن النافذةِ حدودًا،
ومن البابِ امتحانًا
لصبرِ العابرين...
لسنا ضيوفًا على وطنِنا،
ولا غرباءَ عن مؤسساتِه،
ولا متسوِّلينَ على أبوابِ حقوقِنا.

نحن الذين ندفعُ
من أعمارِنا وعرقِنا
ثمنَ المصابيحِ المضيئة،
والأوراقِ البيضاء،
والحواسيبِ الصامتة،
والكراسيِّ التي تجلسون عليها.

لم نأتِ نطلبُ صدقةً،
ولا منحةً من جيبِ مسؤول،
ولا فضلًا من صاحبِ نفوذ.
جئنا نسألُ عن حقٍّ،
أو نستفسرُ عن واجب،
أو نبحثُ عن تفسيرٍ
لقرارٍ يمسُّ حياتَنا.

فلماذا تُعاملون السؤالَ
كما لو كان جريمة؟
ولماذا يتحوَّلُ الاستفسارُ
إلى شبهة،
والإلحاحُ إلى وقاحة،
والمطالبةُ بالجوابِ
إلى تمرُّدٍ على الهيبة؟

رأيتُ شيخًا
يستندُ إلى عصاه،
يحملُ ملفَّ تعويضٍ
أقدمَ من تجاعيدِ جبينِه.
قالوا له:
عُدْ غدًا.
قال:
وإن لم يأتِ غدي؟
لم يُجبْه أحد.

ورأيتُ أرملةً
تخبِّئُ دمعتَها
بين شهادةِ وفاة،
ونسخةِ بطاقة،
ووثيقةٍ ناقصة.
قالوا لها:
أحضري شهادةً أخرى!
قالت:
أيُّ شهادةٍ تريدون؟
لقد شهدَ الموتُ على رحيلِ زوجي،
وشهدَ الفقرُ على يُتمِ أطفالي،
فما الذي لم يشهدْ بعد؟

ورأيتُ شابًّا
يحملُ مشروعًا
أكبرَ من جيوبِه،
وأصغرَ من أحلامِه،
يدورُ بين المكاتبِ
حتى ضاعَ نصفُ عمرِه
في البحثِ عن ختم.
قالوا له:
الملفُّ ناقص.
سألهم:
ما الذي ينقصُه؟
قالوا:
ارجعْ غدًا،
سنخبرُكَ بما ينقص!

من خلفِ الستارةِ
تُصنعُ أحيانًا قراراتٌ
لا يعرفُ أصحابُها
وجوهَ الذين ستكسرُهم.

من خلفِ الستارةِ
قد تُفتحُ الأبوابُ
لمَن يعرفُ الطريقَ إلى الأشخاص،
وتُغلقُ في وجهِ مَن لا يعرفُ
إلا الطريقَ إلى القانون.

من خلفِ الستارةِ
قد يصبحُ الهاتفُ
أقوى من الملف،
والقرابةُ
أسرعَ من الاستحقاق،
والهمسةُ
أبلغَ من ألفِ توقيع.

لكنني أعرفُ أيضًا
أنَّ في الإدارةِ رجالًا ونساءً
لا يبيعون الضمير،
ولا يخافون الحقيقة،
يفتحون أبوابَهم
قبل ملفاتِهم،
ويحملون همومَ الناسِ
دون أن يطلبوا تصفيقًا.

لهؤلاءِ أنحني احترامًا،
فهم وجهُ الدولةِ
حين تبتسمُ لمواطنيها،
وهم صوتُ القانونِ
حين ينطقُ بالعدل.

أيُّها المسؤولُ
الواقفُ خلفَ الستارة...
اخرجْ!
لا أطلبُ منك أن توافقَ على طلبي،
ولا أن تمنحَني
ما لا يسمحُ به القانون.

ارفضْ إن كان الرفضُ حقًّا،
واقبلْ إن كان القبولُ واجبًا،
لكن لا تجعلِ الغموضَ قرارًا،
ولا الصمتَ جوابًا،
ولا التأجيلَ عقوبةً،
ولا السلطةَ ستارًا
يختبئُ خلفَه الخوفُ من المسؤولية.

قلْ لي:
نعم، ولماذا نعم.
أو قلْ:
لا، ولماذا لا.
أعطني جوابًا مكتوبًا،
واضحًا،
معلَّلًا،
يحملُ توقيعَ مَن قرَّر،
حتى أعرفَ أين أقف،
وإلى مَن أشتكي،
وكيف أدافعُ عن حقي
دون أن أبحثَ عن بابٍ خلفَ باب.

فالإدارةُ ليستْ قلعةً
تحاصرُها أسئلةُ المواطنين،
وليستْ مملكةً
يتوارثُ موظفوها مفاتيحَ الصمت.

الإدارةُ بيتُ الجميع،
مَن دخلَه غنيًّا
أو فقيرًا،
معروفًا
أو مجهولًا،
يجبُ أن يجدَ
القانونَ نفسَه،
والاحترامَ نفسَه،
والجوابَ نفسَه.

فلا قيمةَ لدستورٍ
تختبئُ حقوقُه في الأدراج،
ولا معنى لشفافيةٍ
تحجبُها الستائر،
ولا كرامةَ لمواطنٍ
يضطرُّ كلَّ صباحٍ
إلى إثباتِ أنَّه مواطن!

سأعودُ غدًا...
لا لأنني أحبُّ الانتظار،
ولا لأنَّ وقتي بلا ثمن،
ولا لأنَّ الصبرَ مهنةٌ
ورثتُها عن آبائي.

سأعودُ
لأنَّ وراءَ طلبي حقًّا،
ووراءَ الحقِّ قانونًا،
ووراءَ القانونِ وطنًا
لا أريدُ له أن يُختزلَ
في مزاجِ موظف،
أو صمتِ مسؤول،
أو تعليماتٍ مجهولةِ المصدر.

سأعودُ
حتى أعرفَ
كيف يُولدُ القرار،
ومَن يوقِّعُ عليه،
ولماذا يختبئُ الجوابُ
حين يكونُ المواطنُ
هو صاحبَ السؤال.

وفي آخرِ الممر،
وقفتُ أمامَ الستارة،
لم أمزِّقْها،
ولم أرفعْ صوتي،
ولم أطلبْ من أحدٍ
أن يمنحَني ما ليس لي.

قلتُ فقط:
ارفعوا الستارة!
فالشمسُ لا تحتاجُ إلى ترخيص،
والحقُّ لا يحتاجُ إلى سمسار،
والعدلُ لا يعيشُ في الظلام،
والإدارةُ التي تخشى الأسئلةَ
لن تصنعَ الثقةَ بالأجوبةِ الغامضة.

ارفعوا الستارة...
ليظهرَ وجهُ القرار،
وليُعرفَ صاحبُ التوقيع،
وليخرجَ القانونُ
من حبرِ الخطبِ والبلاغات
إلى حياةِ الناس.

ارفعوها...
فقد تعبَ المواطنُ
من مطاردةِ الظلال،
وتعبَ الوطنُ
من تبريرِ الصمت.

وأخبروا مَن يقفُ خلفَها
أنَّ الكرسيَّ لا يمنحُ الخلود،
وأنَّ السلطةَ تكليفٌ لا امتياز،
وأنَّ المسؤولَ قد يغادرُ مكتبَه،
لكنَّ أثرَ قراراتِه
يبقى في ذاكرةِ الناس.

وإن سألتموني يومًا
عن أصعبِ ما واجهتُه
في دهاليزِ الإدارة،
فلن أقولَ الرفض،
ولن أقولَ الانتظار،
ولن أقولَ طولَ الطريق.

سأقول:
أصعبُ ما واجهتُه
أن أبحثَ عن جوابٍ واضح،
فيجدَني الجوابُ
واقفًا أمامَ ستارة،
خلفَها إدارةٌ تتكلَّم...
ولا أحدَ يتحمَّلُ الكلام!

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار