☰
2026 أكتوبر 18 - تم تعديله في [التاريخ]

جيل زيد في القارة العجوز يطلق شرارة الربيع الأوروبي

غرف تضيق بالأحلام وساحات تتسع للغضب… جيل جديد يختبر وعود القارة العجوز ويضع حكوماتها أمام سؤال المستقبل. فهل تنجح أوروبا في احتواء أسباب الاحتجاج قبل اتساع شرارته؟


الكاتب بوشعيب حمراوي
*العلم الإلكترونية - بوشعيب حمراوي*
من باريس إلى روما وبروكسيل ولشبونة وتيرانا… شباب أوروبا يغادرون الشاشات إلى الشوارع والعمال يلتحقون بالغاضبين والحكومات تواجه أسئلة العدالة الاجتماعية والكرامة والحق في المستقبل. فهل تشيخ أوروبا سياسيًا بينما يستعيد شبابها حقهم في الحلم والتغيير؟

لم تعد القارة العجوز تنام مطمئنة على وسادة الرفاه، ولا تستيقظ على موسيقى الديمقراطية التي طالما قدمتها للعالم باعتبارها النموذج الأمثل للاستقرار والعيش الكريم. شيء ما يتصدع تحت أقدام أوروبا، وشيء آخر يولد في شوارعها.

من باريس إلى ميلانو، ومن بروكسيل إلى لشبونة وتيرانا، ترتفع أصوات الغاضبين: لقد تعبنا من دفع فواتير أزمات لم نصنعها، ومن انتظار مستقبل تؤجلونه باستمرار.

إنه جيل زيد، الذي اتُّهم طويلًا بأنه أسير الهواتف والشاشات، غارق في التفاهة والعالم الافتراضي، فإذا ببعض شبابه يحولون المنصات الرقمية إلى أدوات تعبئة، والغضب الإلكتروني إلى احتجاجات في الشوارع والساحات.

والمفارقة أن القارة التي تابعت قبل خمسة عشر عامًا انتفاضات الشباب العربي، وحللت أسبابها ونتائجها، تواجه اليوم أسئلة الكرامة والعدالة والمستقبل.

فهل نحن أمام احتجاجات اجتماعية عابرة، أم أمام شرارة ما يمكن تسميته مجازًا بالربيع الأوروبي؟

◆ بفرنسا… التقت السترات الصفراء بالمحافظ المدرسية

في فرنسا، لم تبدأ الحكاية من قصر الإليزيه، وإنما من المؤسسات التعليمية التي يُفترض أن تصنع المستقبل.

خرج التلاميذ والطلبة احتجاجًا على ظروف التعليم ونقص الموارد البشرية، قبل أن تتسع التعبئة ويلتحق بها العمال والنقابات والسترات الصفراء.

وشهد السابع عشر من أكتوبر 2026 مظاهرات واسعة، تراوحت تقديرات المشاركين فيها بين 550 ألفًا و800 ألف، وسُجلت خلالها مواجهات واعتقالات.

لكن اختزال الحدث في صور الحرائق والمواجهات سيكون قراءة مبتورة.

فالخبر الأعمق هو التقاء أجيال مختلفة حول مطالب مشتركة. الطالب الذي يطالب بمدرسة جيدة، والعامل الذي يريد أجرًا منصفًا، والمتقاعد الذي يخشى تآكل معاشه، والأسرة التي أنهكها الغلاء، جميعهم يطرحون السؤال نفسه: لمن تُدار ثروة البلاد، ومن يتحمل كلفة الأزمات؟

◆ إيطاليا… ميلانو الغنية تكتشف غضب الشارع

في إيطاليا، وجدت ميلانو، مدينة المال والأزياء والواجهات الفاخرة، نفسها أمام احتجاجات ضد الحروب وارتفاع تكاليف المعيشة.

بدأت المظاهرات سلمية، قبل أن تشهد بعض المناطق مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب واعتقالات.

إنها مفارقة الاقتصاد المعاصر: مدن تتألق فيها المؤشرات الاقتصادية والمراكز التجارية، بينما يجد بعض سكانها صعوبة في تأمين حياة كريمة.

لكن لا ينبغي الخلط بين المحتج الذي يطالب بحقوقه، ومن يستغل الاحتجاج للاعتداء والتخريب. فالعنف لا يمنح المطالب مشروعيتها، كما أن وقوعه لا يلغي مشروعية الاحتجاج السلمي.

◆ بلجيكا… الغضب يصل إلى عاصمة الاتحاد الأوروبي

في بروكسيل، العاصمة التي تحتضن أبرز مؤسسات الاتحاد الأوروبي، خرج الطلبة والنقابيون احتجاجًا على تكاليف التعليم والإجراءات التقشفية.

وهنا تبرز مفارقة سياسية: المؤسسات الأوروبية التي تناقش مستقبل القارة وتنافسيتها ومكانتها العالمية توجد في مدينة يطالب شبابها بضمان التعليم والعيش الكريم.

فما قيمة الحديث عن اقتصاد قوي إذا أصبح ولوج الجامعة عبئًا ماليًا، وتحول السكن المستقل إلى حلم بعيد؟

امتلاك مؤسسات متطورة شيء، وضمان استفادة الأجيال من ثمار التقدم شيء آخر.

◆ البرتغال… شباب يعملون ولا يستطيعون امتلاك مفتاح بيت

في لشبونة، خرج عشرات الآلاف للاحتجاج على غلاء المعيشة والإيجارات وأسعار العقارات.

فقد أصبح السكن عنوانًا لأزمة تتجاوز الجدران والإسمنت.

شاب يدرس ويتخرج ويعمل، لكنه يكتشف أن راتبه لا يكفي لاستئجار بيت أو تأسيس أسرة.

وحين يعجز الشباب عن الاستقلال، فإنهم لا يؤجلون شراء العقارات فحسب، بل يؤجلون الزواج والإنجاب والاستقرار وتحقيق أحلامهم.

وأي مستقبل تنتظره قارة تعاني شيخوخة سكانها، إذا عجز شبابها عن امتلاك شروط الحياة المستقلة؟

◆  ألبانيا… حين يتحول الاحتجاج البيئي إلى مساءلة السلطة

في ألبانيا، انطلقت احتجاجات على مشروع سياحي ساحلي، قبل أن تتسع لتشمل قضايا الفساد والبطالة والتعليم والمطالبة باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما.

وشهدت العاصمة تيرانا مواجهات بين محتجين وقوات الأمن.

ورغم اختلاف السياق عن أوروبا الغربية، فإن القاسم المشترك هو شعور جزء من الشباب بأن القرارات التي تصنع مستقبل بلادهم تُتخذ دون مشاركتهم الفعلية.

فالمطالب هنا لا تتوقف عند الأجور والأسعار، بل تمتد إلى الشفافية والمحاسبة وحماية الموارد الطبيعية.

◆ جيل زيد… من إصبع على الشاشة إلى قبضة في الشارع

من كان يعتقد أن جيل زيد لا يعرف سوى الإعجابات والتعليقات ومقاطع الفيديو القصيرة، عليه إعادة قراءة المشهد.

فالجيل الذي نشأ مع الإنترنت لم يعد يفصل بين العالم الرقمي والواقع.

يمكن أن تبدأ فكرة الاحتجاج بمنشور، وتنتشر عبر مقطع مصور، ثم تتحول إلى تجمع بشري في ساحة عمومية.

لكن هذه القدرة على الحشد لا تعني أن جيل زيد أصبح حركة أوروبية موحدة. فالنقابات والعمال والمتقاعدون يشاركون أيضًا، ولكل بلد ظروفه ومطالبه.

الجديد أن الشباب لم يعودوا ينتظرون الأحزاب لتقرر متى يغضبون، أو النقابات لتكتب شعاراتهم.

غير أن الامتحان الحقيقي يظل في تحويل الغضب إلى مطالب واضحة، والاحتجاج إلى تفاوض، والتعبئة إلى نتائج ملموسة.

◆ أوروبا التي حاضرت في الديمقراطية… أمام امتحان ديمقراطيتها

قدمت أوروبا نفسها لعقود باعتبارها فضاءً للحريات والحقوق الاجتماعية والمؤسسات الديمقراطية.

ولا يمكن إنكار مكتسباتها في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والحريات العامة.

لكن الديمقراطية ليست شهادة تُمنح مرة واحدة وتُعلق على جدار التاريخ.

إنها امتحان يومي، يتجدد كلما خرج طالب مطالبًا بحقوقه، أو عامل محتجًا على أجره، أو مواطن معترضًا على سياسة عمومية.

وليست الدولة الديمقراطية تلك التي تنظم الانتخابات فقط، وإنما التي تنصت أيضًا إلى الأصوات الغاضبة بين انتخابين.

ولا يعني ذلك التساهل مع التخريب والاعتداءات؛ فحماية الأشخاص والممتلكات واجب، والتظاهر السلمي حق.

لكن الأمن وحده لا يعالج الأسباب التي تدفع الناس إلى الشوارع.

يمكن للغاز المسيل للدموع أن يفرق مظاهرة، لكنه لا يخفض الإيجارات، ولا يرفع الأجور، ولا يصلح مدرسة، ولا يوفر فرصة عمل.

◆ من الربيع العربي إلى الربيع الأوروبي… هل تتبادل القارات المرايا؟

قبل خمسة عشر عامًا، انشغل العالم بما سُمي الربيع العربي.

رفعت الشعوب شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ثم اختلفت المسارات والنتائج بين الإصلاح والصراع والانهيار.

واليوم، لا ينبغي إسقاط التجربة العربية على أوروبا، ولا إعلان ولادة ربيع جديد قبل اتضاح معالمه.

فالأنظمة مختلفة، والمؤسسات مختلفة، والظروف الاقتصادية والاجتماعية ليست متطابقة.

لكن هناك سؤالًا إنسانيًا مشتركًا: ماذا يحدث عندما يشعر جيل بأن المستقبل الذي وُعد به لا يشبه المستقبل الذي ينتظره؟

ليس الربيع بالضرورة إسقاط حكومة أو انهيار نظام؛ فقد يكون بداية مراجعة عميقة للسياسات والعلاقة بين المؤسسات والمواطنين.

وقد لا تتجاوز الاحتجاجات حدود موجات متفرقة تنتهي بتنازلات محدودة.

لذلك يظل «الربيع الأوروبي» توصيفًا رمزيًا لاحتمال التغيير، وليس إعلانًا عن ثورة مكتملة.

◆ القارة العجوز… من سيشيخ أولًا: سكانها أم سياساتها؟

تواجه أوروبا مفارقة تاريخية.

فهي تسعى إلى معالجة الشيخوخة الديمغرافية، وتحسين الإنتاجية، ومنافسة القوى الاقتصادية الصاعدة، والحفاظ على دولة الرفاه.

لكن هذه الأهداف ستظل ناقصة إذا لم يشعر الشباب بأنهم شركاء في صناعة المستقبل، وليسوا مجرد أرقام في سوق الشغل ومساهمين في تمويل أنظمة اجتماعية.

والتحدي الحقيقي للحكومات لا يكمن في إحصاء المتظاهرين، أو مضاعفة أعداد الشرطة، وإنما في استعادة الثقة بين المواطنين والمؤسسات.

فالدولة القوية ليست التي تخلو شوارعها من الاحتجاج، بل التي تمتلك القدرة على الاستماع والتفاوض والتصحيح والمحاسبة.

◆ الربيع لا يبدأ من التقويم بل من نفاد الصبر

ليس مؤكدًا أن احتجاجات أوروبا ستتحول إلى ربيع سياسي شامل، ولا توجد دلائل كافية على اندماجها في حركة واحدة.

لكن شيئًا مهمًا يتغير في علاقة الأجيال الجديدة بالسياسة والمؤسسات.

جيل زيد الذي قيل إنه لا يغادر هاتفه، بدأ يغادر غرفته.

والشباب الذين اعتبرهم البعض مجرد مستهلكين للمحتويات الرقمية، يثبتون قدرتهم على إنتاج خطاب احتجاجي ومساءلة أصحاب القرار.

أوروبا لا تحتاج إلى الخوف من شبابها بقدر حاجتها إلى فهم أسباب غضبهم.

لقد شاخت بعض الوعود قبل أن يكبر أصحابها، وتآكلت أحلام قبل أن تجد طريقها إلى الواقع.

وإذا كانت الحكومات تتساءل عمن أشعل شرارة الغضب، فعليها أن تتساءل أولًا عمن راكم أسباب الاشتعال.

فليس كل شتاء يعقبه ربيع سياسي، لكن لا حكومة تستطيع مصادرة الفصول، ولا الحكم على جيل كامل بالعيش في الانتظار.

وربما كان السؤال الذي ينبغي أن يؤرق القارة العجوز اليوم ليس: متى ينتهي غضب جيل زيد؟ بل: ماذا بقي من أوروبا التي وعدت شبابها بكل شيء، ثم طلبت منهم أن يصبروا على كل شيء؟

غضب الشباب يعبر حدود القارة العجوز



في نفس الركن